نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزۡقٖ فَجَعَلۡتُم مِّنۡهُ حَرَامٗا وَحَلَٰلٗا قُلۡ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمۡۖ أَمۡ عَلَى ٱللَّهِ تَفۡتَرُونَ} (59)

ولما وصف القرآن العظيم بالشفاء وما معه المقتضي لاستقامة المناهج وسداد الشرائع ووضوح المذاهب ، وأشار إلى أن العاقل ينبغي له أن يخصه بالفرح لبقاء آثاره وما يدعو إليه وزهده{[38129]} فيما يجمعون لفنائه ولأنه يدعو إلى رذائل الأخلاق فيحط{[38130]} من أوج المعالي ، أشار إلى أنهم كما{[38131]} خبطوا في الفرح فخصوه{[38132]} بما يفني معرضين عما يبقى فكذلك{[38133]} خبطوا في طريق الجمع فوعدوها على أنفسهم بأن حرموا بعض ما أحله ، فمنعوا أنفسهم ما هم به فرحون دون أمر من الله تعالى فنقصوا بذلك حظهم في الدنيا بهذا المنع وفي الآخرة بكذبهم على ربهم في تحريمه حيث جعلوه شرعاً مرضياً وهو في غاية الفساد والبعد عن الصواب والقصورعن مراقي السداد فقال تعالى : { قل } أي لهؤلاء الذين{[38134]} يستهزئون بك استهزاء قاضياً عليهم بأنهم لا عقول لهم مستهزئاً بهم وموبخاً لهم توبيخاً هو في أحكم مواضعه ، وساقه على طريق السؤال بحيث إنهم لا يقدرون على الجواب أصلاً بغير الإقرار{[38135]} بالافتراء فقال : { أرءيتم } أي أخبروني ، وعبر عن الخلق بالإنزال تنبيهاً على أنه شيء لا يمكن ادعاءه لأصنامهم لنزول أسبابه من موضع لا تعلق لهم به بوجه فقال : { ما أنزل الله } أي الذي له صفات الكمال التي منها الغنى المطلق { لكم } أي خاصاً بكم { من رزق } أي أيّ رزق كان { فجعلتم منه } أي ذلك الرزق الذي خصكم{[38136]} به { {[38137]}حراماً وحلالاً{[38138]} } على النحو الذي تقدم في الأنعام وغيرها قصته وبيان فساده على أنه جلي الفساد ظاهر العوج ؛ ثم ابتدأ أمراً آخر تأكيداً للإنكار عليهم فقال : { قل } أي من أذن لكم في ذلك ؟ { الله } أي الملك الأعلى { أذن لكم } فتوضحوا المستند به { أم } لم يأذن لكم فيه مع{[38139]} نسبتكم إياه إليه لأنكم فصلتموه إلى حرام وحلال ولا محلل ومحرم إلا الله ، فأنتم { على الله } أي المحيط بكل شيء عظمة وعلماً { تفترون* } مع نسبتكم الافتراء إلي في هذا القرآن الذي أعجز الأفكار والشرع الذي بهر العقول وادعائكم أنكم أبعد الناس عن مطلق الكذب وأطهرهم ذيولاً منه ، وتقديم الجار للإشارة إلى زيادة التشنيع عليهم من حيث إنهم أشد الناس تبرؤاً من الكذب وقد خصوا الله - على تقدير التسليم لهم - بأن تعمدوا الكذب عليه .


[38129]:في ظ: زهد.
[38130]:في ظ: فيحيط.
[38131]:في ظ: لما.
[38132]:من ظ، وفي الأصل: محضوا ـ كذا.
[38133]:من ظ، وفي الأصل: فلذلك.
[38134]:سقط من ظ.
[38135]:سقط من ظ.
[38136]:في ظ: خصصتم.
[38137]:في ظ: حلالا وحراما.
[38138]:في ظ: حلالا وحراما.
[38139]:في ظ: من.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزۡقٖ فَجَعَلۡتُم مِّنۡهُ حَرَامٗا وَحَلَٰلٗا قُلۡ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمۡۖ أَمۡ عَلَى ٱللَّهِ تَفۡتَرُونَ} (59)

قوله تعالى : { قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون 59 وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون } أي قل لهؤلاء المشركين : أخبروني الذي أنزل الله إليكم من رزق ؛ أي خلقه لكم لتتخذوا منه الغذاء والطعام { فجعلتم منه حراما وحلالا } أي فشرعتم فيه لأنفسكم مال ينزل الله به سلطانا ؛ إذ جعلتم بعضه حراما وبعضه حلالا ، تشريعا مزعوما من عند أنفسكم لا حجة لكم به ، وليس لكم فيه من الله سلطان إلا التشهي المجرد والهوى الجانح . وذلك كتحريمهم ما كانوا يحرمونه من الحروث ( الزروع ) التي كانوا يجعلونها للأوثان . وهو ما وصفهم الله به في قوله : { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا هو لله بزعمهم وهذا لشركائنا } وكذلك الأنعام ؛ إذ كانوا يحرمونها منها البحائر والسوائب والوصائل والحوامي .

قوله : { قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون } أي أخبروني آلله أذن لكم في التحليل والتحريم ، فأنتم تفعلون ذلك بإذنه أم أنكم تكذبون على الله فيما تنسبونه إليه افتراء وبهتانا . وقيل : الهمزة للإنكار ، وأم ، منقطعة ، بمعنى بل ؛ أي : بل تفترون على الله أنه أمركم بهذا .