البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزۡقٖ فَجَعَلۡتُم مِّنۡهُ حَرَامٗا وَحَلَٰلٗا قُلۡ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمۡۖ أَمۡ عَلَى ٱللَّهِ تَفۡتَرُونَ} (59)

مناسبة هذه الآية لما قبلها هي أنه لما ذكر تعالى : { يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم } وكان المراد بذلك كتاب الله المشتمل على التحليل والتحريم ، بيّن فساد شرائعهم وأحكامهم من الحلال والحرام من غير مستند في ذلك إلى وحْي .

وأرأيتم هنا بمعنى أخبروني .

وجوزوا في ما أنزل أن تكون موصولة مفعولاً أولا لأرأيتم ، والعائد عليها محذوف ، والمفعول الثاني قوله : آلله أذن لكم ، والعائد على المبتدأ من الخبر محذوف تقديره : آلله أذن لكم فيه ، وكرر قلْ قبل الخبر على سبيل التوكيد .

وأن تكون ما استفهامية منصوبة بأنزل قاله : الحوفي والزمخشري .

وقيل : ما استفهامية مبتدأة ، والضمير من الخبر محذوف تقديره : آلله أذن لكم فيه أو به ، وهذا ضعيف لحذف هذا العائد .

وجعل ما موصولة هو الوجه ، لأن فيه إبقاء .

أرأيت على بابها من كونها تتعدى إلى الأول فتؤثر فيه ، بخلاف جعلها استفهامية ، فإنْ أرأيت إذ ذاك تكون معلقة ، ويكون ما قد سدّت مسد المفعولين ، والظاهر أنّ أم متصلة والمعنى : أخبروني آلله إذن لكم في التحليل والتحريم ، فأنتم تفعلون ذلك بأذنه أم تكذبون على الله في نسبة ذلك إليه ؟ فنبه بتوقيفهم على أحد القسمين ، وهم لا يمكنهم ادعاء إذن الله في ذلك فثبت افتراؤهم .

وقال الزمخشري : ويجوز أن تكون الهمزة للإنكار ، وأم منقطعة بمعنى بل ، أتفترون على الله تقريراً للافتراء انتهى ، وأنزل هنا قيل معناه : خلق كقوله : { وأنزلنا الحديد } { وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج } وقيل : أنزل على بابها وهو على حذف مضاف أي : من سبب رزق وهو المطر .

وقال ابن عطية : أنزل لفظة فيها تجوز ، وإنزال الرزق إما أن يكون في ضمن إنزال المطر بالمآل ، ونزول الأمر به الذي هو ظهور الأثر في المخلوق منه المخترع والمجعول حراماً وحلالاً .

قال مجاهد : هو ما حكموا به من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام .

وقال الضحاك : هو إشارة إلى قوله : { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً }