نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصۡلَىٰهَا مَذۡمُومٗا مَّدۡحُورٗا} (18)

ولما تقرر أنه سبحانه خبير بذنوبهم بعد تزهيده في الدنيا بما ذكر من مصارع الأولين ، أتبعه الإخبار بأنه يعاملهم على حسب علمه على وجه معرف بعلمه بجميع طوياتهم من خير وشر ، مرغب في الآخرة ، مرهب من الدينا ، لأنها المانعة من اتباع الرسل والتقيد بطاعتهم ، خوفاً من نقص الحظ من الدنيا بزوال ما هو فيه من الرئاسة والمال والانهماك في اللذة جهلاً بأن ما قدر لا يكون غيره سواء كان صاحبه في طاعة أو معصية فقال تعالى : { من كان يريد } أي إرادة هو فيها في غاية الإمعان بما اقتضاه طبعه المشار إليه بفعل الكون .

ولما كان مدار مقصود السورة على الإحسان الذي هو العبادة على المشاهدة ، وكان ذلك منافياً لحال من يلتفت إلى الدنيا ، عبر بقوله تعالى : { العاجلة } أي فقط { عجلنا } أي بعظمتنا { له فيها } أي العاجلة { ما نشاء } مما يريده لا جميع ما يريده ؛ ثم أبدل من " له " قوله تعالى : { لمن نريد } أي لا لكل من أراد ذلك ، تنبيهاً على أن ذلك بقوتنا لا بقوة ذلك المريد { ثم جعلنا } أي بما لنا من العظمة { له } أي لظاهره وباطنه { جهنم } أي الدركة النارية التي تلقى بالتجهم من كان يلقى الدنيا وأهلها بالتبسم { يصلاها } في الآخرة { مذموماً } أي مفعولاً به الذم ، وهو ضد المدح { مدحوراً * } مدفوعاً مطروداً مبعداً ، فينبغي لمريد الدنيا أن لا يزال على حذر لأنه لا ينفك من عذاب الآخرة ، فإن لم يعط شيئاً من مناه - كما أشار إليه { لمن نريد } اجتمع له العذابان كاملين : فقر الدنيا وعذاب الآخرة ، وإن أعطى فهو لا يعطي كل ما يريد - بما أشار إليه " ما نشاء " - فيجتمع له عذاب ما منعه منها مع عذاب الآخرة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصۡلَىٰهَا مَذۡمُومٗا مَّدۡحُورٗا} (18)

قوله تعالى : { من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ( 18 ) ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ( 19 ) } .

في ( العاجلة ) ، عبّر بالنعت عن المنعوت ، والمراد الدار العاجلة ؛ أي دار الدنيا ، وهي دار الفناء . والمعنى : من كان يبتغي الدنيا العاجلة الفانية وحدها ولا يسعى ويشقى إلا من أجلها والاستزادة من متاعها وزينتها ( عجلنا له فيها ما نشاء ) أي نعجل له في العطاء منها ما نشاء لا ما يشاء المتعجل ( لمن نريد ) بدل ، من قوله : ( له ) {[2656]} أي من كانت بغيته الدنيا وحدها أعطى الله منها ما شاء أن يعطيه لمن شاء أن يعطيه من هؤلاء الذين لا يبتغون غير الدنيا وزينتها . وبذلك فإن المعجل قد قُيد بقيدين . القيد الأول : قوله : ( ما نشاء ) أي ما يشاء الله تعجيله منها للمريد ، لا ما يشاؤه المريد نفسه .

وبذلك فإن كثيرا ممن يريدون الدنيا وحدها لا ينالون منها ما يريدون ويتمنون ؛ لأن الله يعطي الدنيا لمن يشاء من عباده ؛ فالمعطي هو الله . .

القيد الثاني : قوله : ( لمن نريد ) أي لمن يريد الله أن يعجل له العطاء من هؤلاء الذين يريدون الدنيا . وهو ما تقتضيه مشيئته وحكمته .

وهذه حقيقة ما ينبغي أن تغيب عن أولي الاعتبار والنباهة وهي أن المرء مهما غالى في الحرص والسعي والاجتهاد في طلب الدنيا ؛ فإنه لا يعطى منها إلا ما أعطاه الله إياه . وهو بإقباله على الدنيا وإدباره عن الآخرة لا يزيد من حظه في الدنيا إلا ما أعطاه ربه فما يحصد من إدباره عن الآخرة وتشبثه المطلق بالدنيا غير الهوان والخسران .

قوله : ( ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ) ( يصلاها ) : يدخلها . أصلاه النار وصلاه إياها وفيها وعليها ؛ أي أدخله إياها وأثواه فيها{[2657]} ، فبسبب عصيانه وإقباله على الدنيا ، مدبرا عن الآخرة ؛ فإنه صائر إلى جهنم ( يصلاها مذموما ) أي يدخلها مخزيا ذليلا . والمذموم ، إشارة إلى الإهانة والتحقير ( مدحورا ) أي مبعدا من رحمة الله وفضله ، موغلا في الخسران والهوان .


[2656]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 87.
[2657]:- القاموس المحيط جـ4 ص 335.