ولما بين أنهم استمالوه بالرفق حتى كادوا - لولا العصمة - أن يميلوه ، دل على أنهم أخافوه بعد ذلك حتى كادوا أن يخرجوه من وطنه قبل الإذن الخاص بالهجرة فقال تعالى : { وإن } أي وإنهم { كادوا } أي الأعداء { ليسنفزونك } أي يستخفونك بكثرة الأذى الذي من شأنه ذلك فيما جرت به العوائد { من الأرض } أي المكية التي هي الأرض كلها لأنها أمها { ليخرجوك منها } مع أن وجودك عندهم رحمة لهم ، فلا أعمى منهم ! وأصل الفز القطع بشدة - قاله الرماني { وإذاً } أي وإذا أخرجوك { لا يلبثون خلافك } أي بعد إخراجك لو أخرجوك { إلا قليلاً * } وسيعلمون إذا أذنا لك في النزوح كيف نصبّ عليهم العذاب بعد خروجك بقليل ، برمحك الطويل ، وسيفك الصقيل ، وسيوف أتباعك المؤمنين ، لثبوت هذا الدين ، وقد حقق الله سبحانه هذا الوعيد بقتل صناديدهم في غزوة بدر في رمضان من السنة الثانية من الهجرة بعد ثمانية عشر شهراً من مهاجرته صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وحرم على المشركين الذين أخرجوه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من مكة المشرفة الدخول إليها والإقامة في حريمها من جزيرة العرب ، إكراماً له صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وانتقاماً ممن يعتقد شيئاً من كفر من أخرجوه ؛ ورفع { يلبثون } لأن { إذن } إذا وقعت بعد الواو والفاء جاز فيها الإلغاء ، لأنها متوسطة في الكلام كما أنه لا بد من أن تلغى في آخر الكلام ، وفي الآية بيان لأن الجاهل لا يزال ينصب للعالم الحبائل ، ويطلب له الغوائل ، فيعود ذلك عليه بالوبال ، في الحال والمآل .
قوله : ( وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها ) نزلت هذه الآية في كفار قريش ؛ إذ هموا بإخراج رسول الله ( ص ) من بين أظهرهم فتوعدهم الله بهذه الآية . وهو أنهم لو أخرجوه من مكة لما لبثوا بعده فيها إلا يسيرا . وذلك الذي وقع ؛ فإنه لم يكن بعد هجرته من بين أظهرهم بعد اشتداد أذاهم له إلا سنة ونصف سنة حتى جمعهم الله وإياه ببدر على غير ميعاد فأمكنه الله منهم ونصره عليهم ، فقتل أشرافهم ، وكسر شوكتهم ، وأعادهم إلى مكة منتكسين مقهورين{[2723]} . و ( يستفزونك ) ، يعني يستخفونك ويخرجونك . وذلك من الاستفزاز وهو الإزعاج{[2724]} فقد همّ المشركون بإخراج النبي ( ص ) من مكة ولو أخرجوه لما أمهلوا . لكن الله أمره بالهجرة فخرج ؛ أي أن النبي ( ص ) ما خرج بسبب إخراج المشركين إياه ؛ بل خرج بأمر من الله .
قوله : ( وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا ) أي لو أخرجوك فسوف لا يمكثون بعد إخراجك إلا زمنا يسيرا . وقد كان ذلك ؛ فإنهم لم يلبثوا بعد خروج النبي ( ص ) من مكة إلا مدة يسيرة ؛ إذ أخرجهم الله ليلاقوا مصارعهم يوم بدر .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.