نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ} (156)

ولما{[5808]} كان للصابر الثاني البشرى{[5809]} بالسلامة من عقوبة الآخرة و{[5810]}منالهم لما نولهم{[5811]} وشتان بين من كان الله معه وبين من قيل لنبيه بشره بصبره على بلاء التخلف{[5812]} ، و{[5813]}لما كان للأنفس مدخل في تحمل الصبر شرفاً وحفيظة على الأحساب والرتب الدنيوية خلص تعالى الصابرين له من الصابرين تطبعاً وتحاملاً فقال : { الذين إذا أصابتهم } من الإصابة وهو{[5814]} وقوع المسدد على {[5815]}حد ما سدد{[5816]} له من موافق لغرض النفس أو مخالف لها { مصيبة } خصيصة{[5817]} عرف الاستعمال بما لا يوافق نكرها لخصوص ذكره - انتهى . {[5818]}والمراد أي{[5819]} مصيبة كانت ولو قلّت وضعفت بما أفهمه تأنيثه{[5820]} الفعل { قالوا إنا لله } أي {[5821]}الملك المحيط بكل شيء{[5822]} إسلاماً بأنفسهم لربهم فهو يفعل بنا من هذه المصيبة وغيرها ما يريد {[5823]}فهو المسؤول في{[5824]} أن يكون ذلك أصلح لنا .

ولما كان التقدير بياناً لكونهم لله تقريراً للاستسلام{[5825]} به : نحن مبتدئون ، عطف عليه { وإنا إليه } {[5826]}أي لا إلى غيره{[5827]} { راجعون{[5828]} } {[5829]}معنى في أن جميع أمورنا لا يكون شيء منها إلا به وحساباً لبعث وظهور ذلك بعده ظهوراً تاماً . قال الحرالي{[5830]} : لتكون{[5831]} ذلك غاية في إسلام ثمراتهم وأموالهم وما نقصوا من أنفسهم ، فحين لم يجاهدوا في سبيل الله فأصابتهم المصائب كان تلافيهم أن يسلموا أمرهم لله ويذكروا مرجعهم إليه ويشعروا أن ما أخذ من أنفسهم وما معها ذخيرة{[5832]} عنده ، فيكون ذلك شاهد إيمانهم ورجائهم للقائهم فتقع{[5833]} مجاهدتهم لأنفسهم في ذلك بموقع جهادهم في سبيل الله الذي فاتهم وجعلها{[5834]} جامعة مطلقة لكل من أصابته مصيبة فاسترجع بها ثبت أجره بما أصيب وتلاقاه الله بالاهتداء إلى ما تقاصر عنه قبل ذلك .


[5808]:ليس في م ومد
[5809]:منم ومد و ظ، وفي الأصل: اليسرى - كذا
[5810]:من م و ظ ومد، وفي الأصل: ينالهم لما تولهم
[5811]:من م و ظ ومد، وفي الأصل: ينالهم لما تولهم
[5812]:في م: المتخلف
[5813]:قال أبو حيان الأندلسي: قالوا: والصبر من خواص الإنسان، لأنه يتعارض فيه العقل والشهوة وهو بدني، وهو إما فعلي كتعاطي الأعمال الشاقة، وإما احتمال كالصبر على الضرب الشديد، ونفسي وهو قمع النفس عن مشتهيات الطبع؛ فكان من شهوة الفرج والبطن سمي عفة، وإن كان من احتمال مكروه اختلفت أساميه باختلاف المكروه، ففي المصيبة يقتصر عليه باسم الصبر ويضاده الجزع، وإن كان في الغنى سمي ضبط النفس ويضاده البطر، وإن كان في حرب سمي شجاعة ويضاده الجبن، وإن كان في نائبة مضجرة سمي سعة صدر ويضاد الضجر، وإن كان في إخفاء كلام سمي كتمانا ويضاده الإعلان، وإن كان في فضول الدنيا سمي زهدا ويضاده والحرص، وإن كان على يسير من المال سمي قناعة ويضاده الشره؛ وقد جمع الله أقسام ذلك وسمي جميعها صبرا فقال: "والصابرين في البأساء" أي المصيبة "والضراء" أي الفقر "وحين البأس" أي المحاربة –البحر المحيط 1/ 451.
[5814]:في م و ظ ومد:وهي
[5815]:من م و ظ ومد، وفي الأصل: حدم وأسدد.
[5816]:من م و ظ ومد، وفي الأصل:حدم وأسدد.
[5817]:في مد: خصيصه، وفي م و ظ: خصصه
[5818]:العبارة من هنا إلى "الفعل" ليست في ظ
[5819]:زيد من م ومد
[5820]:كذا في الأصل ومد، وفي م: تأنيث.
[5821]:ليست في ظ
[5822]:ليست في ظ
[5823]:العبارة زمن هنا إلى "عطف عليه" ليست في ظ.
[5824]:زيد من م ومد
[5825]:من م ومد، وفي الأصل: للاستلام
[5826]:ليست في ظ
[5827]:ليست في ظ
[5828]:وفي البحر المحيط 1/ 451: إقرار بالبعث وتنبيه على مصيبة الموت التي هي أعظم المصائب وتذكير أن ما أصاب الإنسان دونها فهو قريب ينبغي أن يصبر له... وفي المنتخب ما ملخصه: إن إسناد الإصابة إلى المصيبة لا إلى الله تعالى ليعم ما كان من الله وما كان من غيره، فما كان من الله فهو داخل تحت قوله {أنا الله} لأن في الإقرار بالعبودية تفويضا للأمور إليه، وما كان من غيره فتكليفه أن يرجع إلى الله في الإنصاف منه ولا يتعدى كأنه في الأول: إنا لله يدبر كيف يشاء، وفي الثاني: إنا إليه ينصف لنا كيف يشاء.
[5829]:ليست في ظ
[5830]:ليست في ظ
[5831]:في م و ظ ومد: ليكون
[5832]:في م: وخيره، وفي ظ وخيرة –كذا
[5833]:من م ومد، وفي الأصل: فنقطع، وفي ظ: فيقع
[5834]:زيد في م و ظ ومد: تعالى
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ} (156)

وقوله : ( الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ) أولئك هم الصابرون الذين يبشرهم الله على لسان نبيه الكريم ، والذين يبادرون بكلمة الحق التي تعلن الولاء الكامل لله والإقرار المطلق بأنه سبحانه مالك كل شيء ؛ فهو مالك الناس والأموال والخيرات والثمرات ، وأنه ما من شيء إلا هو راجع إليه وذلك في يوم حافل معلوم . يوم تتلاقى فيه الأحياء جميعا لتجد جزاءها والحساب .

على أن الصبر على المحن إنما يكون معتبرا إذا كان عند صدمة الخبر الفادح ، فإذا ما ثبت المؤمن لدى ورود الصدمة واسترجع فذلكم الذي له البشرى بالرحمة والرضوان . وفي ذلك قد أخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه عن النبي ( ص ) قال : " إنما الصبر عند الصدمة الأولى " .

وشرط الصبر لتمامه وكمال شرفه ألا يجزع المبتلى عند صدمة الخبر الداهم ، وألا يبث للناس شكايته على سبيل الإياس والزعزعة والابتئاس ، ولكن ليكظم ألمه ويحبس نفسه عن البث والشكوى أو الأنين في ضعف وخور .

ولا تنحصر المصيبة في أنواع معلومة مما يصيب الإنسان فيؤزه ويؤلمه ، ولكنها تشمل كل صورة من صور الابتلاء مهما كان حجمها أو تأثيرها . وبذلك فإن المصيبة كما يراها الدين تتضمن كل وجه من وجوه الشر التي تصيب الإنسان فتؤذيه ، صغيرا كان الأذى أو كبيرا . فقد ذكر أن مصبح رسول الله ( ص ) قد انطفأ ذات ليلة فقال : ( إنا لله وإنا إليه راجعون ) فقيل : أمصيبة هي يا رسول الله ؟ قال : " نعم كل ما آذى المؤمن فهو مصيبة " وأخرج مسلم في صحيحه بإسناده عن أبي سعيد وعن أبي هريرة رضي الله عنهما أنهما سمعا رسول الله ( ص ) يقول : " ما يصيب المؤمن من وصب{[165]} ولا نصب{[166]} ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمُّه إلا كفّر به من سيئاته " {[167]} .


[165]:- الوَصَب : المرض أو الوجع. أنظر مختار الصحاح ص 724 والمصباح المنير جـ 2 ص 337.
[166]:- النَّصب: التعب. انظر المعجم الوسيط جـ 2 ص 925.
[167]:- صحيح مسلم (4/1993) برقم 2573.