ولما بين سبحانه استكبار فرعون المدعى في قوله { فكذب وأبى } وختمه سبحانه بأنه يهلك العاصي كائناً من{[49577]} كان ، وينجي الطائع ، أتبع ذلك{[49578]} شاهداً محسوساً عليه{[49579]} كفيلاً ببيان أنه لم يغن عن فرعون شيء من قوته ولا استكباره ، فقال عاطفاً على " ولقد أريناه آياتنا " : { ولقد أوحينا } {[49580]}أي بعظمتنا لتسهيل ما يأتي من الأمور الكبار{[49581]} { إلى موسى } غير مكترثين{[49582]} لشيء من أقوال فرعون ولا أفعاله ، {[49583]}وهذا الإيحاء بعد ما تقدم من أمر السحرة بمدة مديدة جرت فيها خطوب طوال كانت بسببها الآيات الكبار ، وكأنها حذفت لما تدل عليه من قساوة القلوب ، والمراد هنا الانتهاء لما تقدم من مقصود السورة{[49584]} { أن أسر } {[49585]}أي ليلاً ، لأن السري سير الليل ؛ وشرفهم بالإضافة إليه فقال{[49586]} : { بعبادي } أي بني إسرائيل{[49587]} الذين{[49588]} لفت قلب فرعون حتى أذن في مسيرهم بعد أن كان قد{[49589]} أبى{[49590]} أن يطلقهم أو يكف عنهم العذاب ، فاقصد بهم ناحية بحر القلزم { فاضرب لهم } أي{[49591]} اعمل بضرب البحر بعصاك ، ولذلك سماه ضرباً .
ولما كان ضرب البحر بالعصا سبباً لوجود الطريق الموصوفة ، أوقع الفعل عليها فقال : { طريقاً في البحر }{[49592]} ووصفها بالمصدر مبالغة{[49593]} فقال : { يبساً } حال كونها أو كونك{[49594]} { لا تخاف } والمراد بها الجنس ، فإنه كان لكل سبط طريقاً { دركاً } أي {[49595]}أن يدركك شيء{[49596]} من طغيان البحر أو{[49597]} بأس العدو أو غير ذلك{[49598]} .
ولما كان الدرك مشتركاً بين اللحاق والتبعة ، أتبعه بقوله : { ولا تخشى* } أي شيئاً غير ذلك أصلاً إنفاذاً{[49599]} لأمري وإنقاذاً لمن أرسلتك لاستنقاذهم ، وسوقه على هذا الوجه من {[49600]}إظهار القدرة والاستهانة بالمعاند مع كبريائه ومكنته استدلالاً شهودياً على ما قرر أول السورة من شمول القدرة وإحاطة العلم للبشارة بإظهار هذا الدين بكثرة الأتباع وإبارة{[49601]} الخصوم والإسعاد برد{[49602]} الأضداد وجعل بغضهم وداً ، وإن كانوا قوماً لداً ؛
قوله تعالى : { ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى ( 77 ) فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم ( 78 ) وأضل فرعون قومه وما هدى ( 79 ) } .
هذه آيات قصار وقلائل يتدفق من خلالها الإعجاز الظاهر المستعذب . إعجاز ندي وكريم يستشرفه القارئ بفطرته السليمة ليجد فيه من حلاوة النغم وعذوبة الإيقاع ما يثير الوجدان والخاطر ، ويملأ القلب والخيال بهجة وسكينة ، لفرْط ما يتجلى في هذا النظم العجيب من جمال الكلم ، بألفاظه المميزة المصطفاة ، وحروفه الشجية الندية التي تفيض على الجو والخيال ظلالا من النسائم الروحية العطرة . فلكأن القارئ الذي يعشق مثل هذا النظم الباهر يستشعر في أعماقه بنُقلة روحية ونفسية وذهنية يتملاها الخيال ويعشقها الحس . فيا لله لهذا الكلام الرباني العجيب .
أما المعنى للآية : فإنه لما قضى الله أن يهلك فرعون وجنوده الظالمين أمر رسوله موسى أن يخرج ببني إسرائيل من مصر ليلا فيأخذ بهم طريق البحر . ولما وصل موسى وبنو إسرائيل البحر ، وفرعون يتبع أثرهم بجنوده حتى إذا تراءى الجمعان ، أصاب بني إسرائيل الهلع والذعر ؛ إذ ظنوا حينئذ انه لا منجاة لهم ولا ملجأ ، يفرون إليه ، فالبحر من أمامهم ، وفرعون وجنوده من ورائهم ، لكن الله نصير المؤمنين الصابرين ومغيث المكروبين المظلومين ، ومعز رسله الأبرار الطاهرين ، قد أمر نبيه وكليمه موسى أن يضرب للبحر بعصاه . وهو قوله : ( فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا ) يبسا منصوب على أنه صفة لقوله : ( طريقا ) وهو مصدر . نقول : يبس يبسا ويُبسا أي لا ماء فيه ولا طين .
لقد ضرب موسى البحر بعصاه فانفلق منه اثنا عشر طريقا يابسا لا ماء فيه ولا طين وبين كل طريقين ماء قائم كالجبال وهو قوله في آية ثانية ( فكان كل فرق كالطود العظيم ) أي الجبل الكبير . فأخذ كل سبط من بني إسرائيل طريقا يمشي فيه آمنا سالما من كل مكروه ، لا جرم أن هذا من أعظم المعجزات التي امتنّ الله بها على بني إسرائيل .
قوله : ( لا تخاف دركا ) الجملة الفعلية في موضع نصب على الحال . والتقدير : فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ؛ أي غير خائف إدراك فرعون{[2976]} والدرك والإدراك بمعنى اللحاق .
قوله : ( ولا تخشى ) أي لا تخشى من البحر أن يغشاكم . فلا فرعون يدرككم ولا البحر مغرقكم أو مطبق عليكم . ولكنكم آمنون سالمون وستمضون وسط البحر فوق اليبس في منجاة من كل سوء أو مكروه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.