فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوۡرَىٰةُ وَٱلۡإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (65)

( يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون 65 ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون66 )

( يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده ) لما ادعت كل طائفة من طائفتي اليهود والنصارى أن إبراهيم عليه السلام كان على دينهم ، رد الله سبحانه ذلك عليهم وأبان بأن الملة اليهودية والملة النصرانية إنما كانتا من بعده .

قال الزجاج هذه الآية أبين حجة على اليهود والنصارى أن التوراة والإنجيل نزلا من بعده وليس فيهما اسم لواحد من الأديان ، واسم الإسلام في كل كتاب ، وفيه نظر فإن الإنجيل مشحون بالآيات من التوراة وذكر شريعة موسى والاحتجاج بها على اليهود ، وكذلك الزبور فيه مواضع ذكر شريعة موسى ، وفي أوائله التبشير بعيسى ، ثم في التوراة ذكر كثير من الشرائع المتقدمة ، يعرف كل هذا من يعرف هذه الكتب المنزلة .

وقد اختلف في قدر المدة التي بين إبراهيم وموسى . والمدة التي بين موسى وعيسى ، قال القرطبي يقال كان بين إبراهيم وموسى ألف سنة وبين موسى وعيسى ألفا سنة ، وكذا في الكشاف وقيل كان بين إبراهيم وموسى خمسمائة سنة وخمس وسبعون سنة ، وبين موسى وعيسى ألف وستمائة واثنان وثلاثون سنة .

وقيل كان بين إبراهيم وموسى خمسمائة سنة وخمس وستون سنة ، وبين موسى وعيسى ألف سنة وتسعمائة وعشرون سنة .

عن ابن عباس قال اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتنازعوا عنده ، فقالت الأحبار ما كان إبراهيم إلا يهوديا وقالت النصارى ما كان إبراهيم إلا نصرانيا فنزل فيهم ( يا أهل الكتاب لم تحاجون ) الآية {[334]} ، وقد روى نحو هذا عن جماعة من السلف ( أفلا تعقلون ) أي تتفكرون في دحوض حجتكم وبطلان قولكم حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال .


[334]:ابن كثير 1/372. وقد توسع ابن الجوزي في هذه المسألة في كتابه القيم زاد المسير 1/402.