نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَقَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجۡهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكۡفُرُوٓاْ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ} (72)

ولما ذكر لبسهم دل عليه بقوله عطفاً{[17934]} على { ودت طائفة } مبيناً لنوع إضلال{[17935]} آخر : { وقالت طائفة من أهل الكتاب } أي من يهود{[17936]} المدينة { آمنوا } أي أظهروا الإيمان { بالذي أنزل على الذين آمنوا } متابعة لهم { وجه } أي أول { النهار } سمي وجهاً لأنه أول ما يستقبلك منه وهو ما يظهر ، ولذا{[17937]} عبروا به{[17938]} عن الأول الذي يصلح {[17939]}لاستغراق النصف{[17940]} ، لأن مرادهم التلبيس بظاهر{[17941]} لا باطن له ، ولفظ لا حقيقة له ، في جزء{[17942]} يسير جداً { واكفروا آخره } أي ليظنوا أنه لا غرض لكم إلا الحق ، وأنه ما ردكم عن دينهم بعد اتباعكم{[17943]} له إلا ظهور بطلانه { لعلهم يرجعون * } أي ليكون حالهم حال من يرجى رجوعه عن دينه { ولا تؤمنوا } أي توقعوا التصديق الحقيقي { إلا لمن تبع دينكم } فصوبوا{[17944]} طريقته وصدقوا دينه وعقيدته .


[17934]:في ظ: عظيما.
[17935]:في ظ: ضلال.
[17936]:من ظ ومد، وفي الأصل: اليهود.
[17937]:في ظ: وكذا.
[17938]:زيد من مد.
[17939]:من ظ ومد، وفي الأصل: الاستغراق المتصف.
[17940]:من ظ ومد، وفي الأصل: الاستغراق المتصف.
[17941]:من ظ ومد، وفي الأصل: ظاهر.
[17942]:زيد من ظ ومد.
[17943]:في ظ: اتباعهم.
[17944]:في ظ: فصبوا.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَقَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجۡهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكۡفُرُوٓاْ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ} (72)

قوله تعالى : ( وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ) .

جاء في سبب نزول هذه الآية أن اثني عشر حبرا من يهود خيبر قد تواطأوا فيما بينهم لبعث الريبة والشك في أذهان الضعفة من الناس ، فقال بعضهم لبعض : ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد ، واكفروا به في آخر النهار وقولوا : إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمدا ليس بذلك وظهر لنا كذبه وبطلان دينه . فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينهم . وقالوا : إنهم أهل كتاب وهم أعلم به منا ، فيرجعون عن دينهم إلى دينكم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية وأخبر نبيه محمدا صلى الله عليه و سلم والمؤمنين{[492]} .

وهذه حيلة خبيثة مما ابتكرته عقول الحاقدين والحاسدين من شرار البرية . أولئك الذين يديمون التواطؤ ويصلون الليل بالنهار وهم يأتمرون بهذا الدين ليجتثوه من جذوره إن استطاعوا ، أو يثيروا من حوله الأكاذيب والشبهات ليرتاب المسلمون في دينهم فينقلبوا عنه انقلاب المرتكس المخذول ، ولينثنوا عنه انثناء المتردد الحائر :

حيلة خبيثة نكراء بادر أهل الكتاب لاصطناعها والتشبث بها عسى أن تتزلزل العقيدة الإسلامية في نفوس أصحابها ، فيكون ذلك مدعاة لانهيار الإسلام وتداعيه كليا- لا قدر الله- .

هكذا يتمنى الحاقدون والحاسدون من أهل الكتاب ، لكن هذه مجرد أحلام وأماني تظل تتزاحم في نفوس هؤلاء الأفاكين الدجاجلة لتقضهم قضا ولتؤز نفوسهم أزا . أما الإسلام فلا جرم أنه باق بقاء الدهر والزمان حتى يرث الله الدهر والزمان !

الإسلام باق برعاية الله وكلاءته كيما تستظل البشرية بأفيائه الدفيئة اللطاف .

وإذا كان الأمر بالظالمين كذلك من حيث التواطؤ فيما بينهم وتأمرهم على الإسلام بابتكار هذه الحيلة الماكرة ، وهي تظاهر بعضهم باعتناق الإسلام في الظاهر أول النهار ثم ارتدادهم عنه آخر النهار ، أو أن يكون الاعتناق فترة من الوقت ثم يعقبه الارتداد ؛ ليرتاب الضعفة من المسلمين في دينهم أو ينثنوا عنه إلى ملل الكفر . . إذا كان الأمر كان كذلك بات لزاما أن يتصدى الإسلام بتشريعه لمثل هؤلاء المخادعين فيوجب إنزال الحد بالقتل في حق المرتدين عن ملة الإسلام ؛ سدا لذريعة الفتنة والغواية التي يثيرها دهاقنة المكر والخيانة والتربص بالإسلام . وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه لدى الحديث عن حد الردة إن شاء الله .


[492]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 71.