نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشۡتَرُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَأَيۡمَٰنِهِمۡ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَـٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيۡهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ} (77)

ولما كانت النفوس نزاعة{[18026]} إلى الخيانة{[18027]} رواغة عند مضائق الأمانة ، وكانت الخيانة تجر{[18028]} إلى الكذب بسط في الإنذار فقال : { إن الذين يشترون } أي يلجون{[18029]} في أن يأخذوا على وجه العوض { بعهد الله } أي الذي عاهدوه عليه من الإيمان بالرسول الذي عاهدهم على الإيمان به وذكر صفته للناس ، وهو سبحانه أعلى وأعز من كل شيء {[18030]}فهو محيط بكل شيء{[18031]} قدرة وعلماً { وأيمانهم } أي التي عقدوها بالتزام متابعة الحق على ألسنة الرسل{[18032]} بما دل عليه العقل { ثمناً قليلاً } في الدنيا { أولئك } أي البعيدو الرتبة في الدناءة{[18033]} { لا خلاق } أي نصيب { لهم في الآخرة } أي{[18034]} لبيعهم له بنصيب الدنيا { ولا يكلمهم الله } أي الملك الأعظم استهانة بهم وغضباً عليهم{[18035]} بما انتهكوا{[18036]} من حرمته .

ولما زادت هذه عن آية البقرة العهد والحلف ، وكان من عادة{[18037]} الحالف والمعاهد النظر إلى من فعل ذلك لأجله زاد قوله : { ولا ينظر إليهم } أي{[18038]} بل يعدهم أحقر{[18039]} شيء بما أعرضوا عنه ، ولما كان لكثرة الجمع مدخل عظيم في مشقة الخزي قال : { يوم القيامة } الذي من{[18040]} افتضح في جمعه{[18041]} لم يفز{[18042]} { ولا يزكيهم } لأنهم لم يزكوا اسمه { ولهم } أي مع ذلك

{ عذاب أليم * } يعرفون به ما جهلوا من عظمته{[18043]} .


[18026]:من مد، وفي الأصل وظ: للخيانة.
[18027]:من مد، وفي الأصل وظ: للخيانة.
[18028]:من ظ ومد، وفي الأصل: يجر.
[18029]:من مد، وفي الأصل: يلحوا، وفي ظ : يلحون.
[18030]:سقط من ظ.
[18031]:سقط من ظ.
[18032]:في مد: الوصل.
[18033]:في ظ: الدنيا.
[18034]:سقط من ظ ومد.
[18035]:من مد، وفي الأصل: كما ابتهلوا، وفي ظ: بما انهتكوا.
[18036]:من مد، وفي الأصل: كما ابتهلوا، وفي ظ: بما انهتكوا.
[18037]:في ظ : غاية.
[18038]:زيد من ظ ومد.
[18039]:في ظ: أحقر ـ كذا.
[18040]:زيد بعده في الأصل: جاء، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[18041]:زيدت الواو بعده في الأصل وظ، ولم تكن في مد فحذفناها.
[18042]:في ظ: لم يفز ـ كذا.
[18043]:من ظ ومد، وفي الأصل: عظمة.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشۡتَرُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَأَيۡمَٰنِهِمۡ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَـٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيۡهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ} (77)

قوله تعالى : ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ) نزلت هذه الآية في نفر من رؤساء اليهود منهم حيي بن أخطب ، إذ كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة من شأن محمد صلى الله عليه و سلم ، وبدلوه ، وكتبوا بأيديهم غيره ، وحلفوا أنه من عند الله لئلا يفوتهم الرشا{[499]} . والمآكل التي كانت لهم على أتباعهم{[500]} . ومعنى الآية أن هؤلاء اليهود الذين يعتاضون عما عاهدوا الله عليه من الإيمان بمحمد صلى الله عليه و سلم واتباع دينه وشرعه وبيان صفته وحقيقته للناس ، ويعتاضون عن أيمانهم الفاجرة الكاذبة بأنهم يؤمنون بالنبي وبنصرته ، بالأثمان الخسائس من عروض هذه الدنيا العاجلة الفانية ( أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ) أي لا حظ لهم في خيرات الآخرة ولا نصيب لهم من نعيم الجنة ( ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ) أي لا يكلمهم بما يسرهم وينفعهم . وكلام الله لعباده المؤمنين يوم القيامة فيه تشريف لهم وتكريم ، لكن الفساق الكفرة لا ينالهم من ذلك أيما تكريم ، وكذلك لا ينظر إليهم بعين اللطف والرحمة .

قوله : ( ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ) أي لا يطهرهم من دنس الذنوب والمعاصي ثم يبوؤون بالعذاب الموجع جزاء عتوهم وفسقهم عن أمر الله الذي أوجب عليهم أن يظهروا للناس ما حوته التوراة من نبوة محمد صلى الله عليه و سلم وصدق رسالته .


[499]:- الرشا: بكسر الراء وضمها، وهو جمع ومفرده الرشوة بكسر الراء وضمها، انظر مختار الصحاح ص 244.
[500]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 74.