ولما ذكر سعة مملكته وتمام علمه وشمول قدرته أتبع ذلك الدلالة عليه بقصة{[24912]} بني إسرائيل في{[24913]} استنقاذهم من أسر العبودية والرق وإعلاء شأنهم وإيراثهم أرض الجبارين{[24914]} بعد إهلاك فرعون وجنوده وغير ذلك مما تضمنته القصة ، إظهاراً{[24915]} - بعدم ردهم إلى مصر التي باد أهلها - لتمام القدرة وسعة الملك ونفوذ الأمر ، وهي مع ذلك دالة على نقضهم الميثاق وقساوتهم ونقض ما ادعوه{[24916]} من بنوتهم ومحبتهم ، وذلك أنها ناطقة بتعذيبهم وتفسيقهم وتبرئهم من الله ، ولا شيء من ذلك فعل حبيب ولا ولد ، فقال عاطفاً{[24917]} على نعمة في
{ واذكروا نعمة الله عليكم }[ المائدة : 7 ] تذكيراً لهذه الأمة بنعمة التوثيق للسمع والطاعة التي أباها بنو إسرائيل بعدما رأوا من الآيات ، وبما كف عنهم على ضعفهم وشجع به قلوبهم ، وألزمهم الطاعة وكره إليهم المعصية بضد ما فعل ببني إسرائيل - وغير ذلك مما يرشد إليه إنعام النظر في القصة : { وإذ } أي واذكروا{[24918]} حين { قال موسى لقومه } أي من اليهود { يا قوم اذكروا{[24919]} } أي بالقلب واللسان ، أي{[24920]} ذكر اعتبار واتعاظ بما لكم من قوة{[24921]} القيام بما تحاولونه ليقع منكم الشكر { نعمة الله } أي إنعام الملك الأعظم الذي له الإحاطة بالجلال والإكرام ، وعبر عن الإنعام بالغاية لأنها المقصود { عليكم } وعظم ذلك التذكير بالاسم الأعظم ، ونبه بذكر ظرفها على أجل النعم ، وهي النبوة المنقذة لهم من النار فقال : { إذ } أي حين { جعل فيكم } وبشرهم بمن يأتي بعده من الأنبياء من بني إسرائيل فجمع جمع الكثرة في قوله : { أنبياء } أي يحفظونكم من المهالك الدائمة ، ففعل معكم - بذلك وغيره من النعم التي فضلكم بها على العالمين في تلك الأزمان - فعل المحب مع حبيبه والوالد مع ولده ، ومع ذلك عاقبكم حين عصيتم ، وغضب عليكم إذ أبيتم ، فعلم أن الإكرام و{[24922]} الإهانة دائران بعد{[24923]} مشيئته{[24924]} على الطاعة والمعصية .
ولما نقلهم من الحيثية التي كانوا فيها عبيداً لفرعون ، لا يصلحون معها لملك{[24925]} ، ولا تحدثهم أنفسهم به ، إلى حيثية الحرية القابلة{[24926]} لأن يكون{[24927]} كل منهم{[24928]} معها ملكاً{[24929]} بعد أن أرسل فيهم رسولاً وبشر بأنه{[24930]} يتبعه من الأنبياء ما لم يكن في أمة من الأمم غيرهم ، قال : { وجعلكم ملوكاً } أي فكما{[24931]} جعلكم كذلك بعد ما كنتم غير طامعين في شيء منه ، فقد نقله منكم وجعله في غيركم بتلك القدرة التي أنعم عليكم بها ، وذلك لكفركم بالنعم وإيثاركم الجهل على العلم ، فإنكاركم لذلك{[24932]} وتخصيص{[24933]} النعم بكم تحكم وترجيح بلا مرجح ، ويوضح ذلك أن كفر النعمة سبب لزوالها{[24934]} ، وقد كانوا يهددون في التوراة وغيرها بما هم فيه الآن من ضرب الذلة والمسكنة التي لا يصلحون معها لملك إن هم كفروا - كما سيأتي بعض ذلك في هذه السورة .
ولما ذكرهم تعالى بما{[24935]} ذكرهم به{[24936]} من النعم العامة ، أتبعه التذكير بنعمة خاصة فقال : { وآتاكم ما لم يؤت } أي في زمانكم ولا فيما قبله من سالف الزمان - كما اقتضاه التعبير بلم{[24937]} { أحداً من العالمين * } من الآيات التي أظهرها على يد موسى عليه السلام ، فأخرجكم بها من الظلمات إلى النور ، والكتاب الذي جعله تبياناً لكل شيء ؛
قوله تعالى : { وإذ قال موسى لقومه يقوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وءاتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين ( 20 ) يقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين ( 21 ) قالوا يموسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ( 22 ) قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ( 23 ) قالوا يا موسى لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ( 24 ) قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ( 25 ) قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين } .
هذا نصيب من قصة إسرائيل مع نبيهم ومنقذهم كليم الله موسى وأخيه هارون عليهما الصلاة والسلام . وقصة موسى مع قومه مريرة أليمة تثير في النفس الدهشة والحيرة ، وذلك لغرابة الطبع وشذوذ الفطرة ، ولفرط ما لاقاه موسى من قومه في كيفية تفكيرهم وعجيب تصرفهم وسلوكهم بما ليس له في تاريخ الشعوب والمجتمعات نظير .
وهذه الآيات تتجلى فيها الصورة عن طبيعة بني إسرائيل لتأتي واضحة متبينة للعيان لا ينكرها أو يغفل عنها إلا خاسئ كذاب أو غبي موغل في الضلالة والجهالة .
قوله : { وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا } ذلك مما امتن الله به على بني إسرائيل . فلقد امتن عليهم بمنن كثيرة لم يقدموا لله الشكران عليها ، بل غالوا في الجحود والتغاضي والنسيان وأول هذه المنن أن جعل منهم أنبياء . فإن الله ما بعث في أمة من الأمم مثل ما بعثه في بني إسرائيل من الأنبياء .
وثاني هذه المنن أن جعلهم ملوكا . وتأويل ذلك يحتمل وجوها ثلاثة :
أحدهما : أنه جعلهم أحرارا يملكون أنفسهم بعد ما كانوا مملوكين في أيدي القبط ، فصاروا بعد ذلك سادة غالبين لا مغلوبين ولا مقهورين .
ثانيها : أنهم جميعا ملوك . والملك من كان له الزوجة والخادم والدار .
وقيل : من كان له مركب ونزل وخادم سمي ملكا . وجملة ذلك أن من أوتي أسباب الرفاهة والراحة في الدنيا سمي ملكا . وفي الحديث " من أصبح منكم معافى في جسده آمنا في سربه{[931]} عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها " .
ثالثها : لكثرة الملوك فيهم ، صاروا كلهم كأنهم ملوك لسلوكهم مسلكهم في السعة والترفه ، أو لأن الملوك تكاثروا فيهم تكاثر الأنبياء{[932]} .
قوله : { وءاتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين } وهذه المنة الثالثة من الله على بني إسرائيل إذ اختصهم بجملة عطايا ما أعطيت لغيرهم من الأمم . وذلك من فضل الله عليهم ليخبتوا له حق الإخبات ويشكروه حق الشكران لكنهم عتوا وعصوا .
ومن هذه العطايا فلق البحر عقب ضربه بالعصا . وإغراق فرعون وزبانيته وجنوده ، وتراكم المياه على حفاف الطرق وسك البحر كأنها الجبال الشوامخ لتمر أسباط إسرائيل الاثنا عشرة وهي آمنة مطمئنة ، وتظليلهم بالغمام ، وانفجار الماء من الصخر الصلد ، وإنزال المن والسلوى وغير ذلك مما من الله عليهم من العطايا المخصوصة .
وقوله : { العالمين } ألف التعريض يحتمل معنيين . أحدهما : العهد . أي أن الله آتاهم من الآلاء والعطايا ما لم يؤت أحدا من العالمين في زمانهم .
ثانيهما : الاستغراق . فيكون التأويل أنهم أعطوا جملة عطايا لم تعطها أمة من الأمم . وذلك مثل كثرة الأنبياء ، والمن والسلوى ، وانفلاق البحر وغير ذلك مما ستكون لله به الحجة عليهم يوم القيامة لعتوهم وجحودهم النعم . لكنهم مع ذلك ليسوا خير الأمم كافة ولا أفضلها فإن تفضيل الأمة من عدة وجوه لا يستلزم تفضيلها من كل الوجوه . فإنه قد يكون للمفضول ما ليس للفاضل . وعلى أية حال فليس أفضل ولا أكرم ولا أصدق من أمة الإسلام . فهي بكريم محتدها وكمال ملتها وسداد شريعتها وروعة نبيها لا جرم أنها على الذروة السامقة من سلامة الفطرة وجمال الطبائع والأخلاق وحميد الخصال والصفات .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.