نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ} (50)

ولما كان من المعلوم أن من أعرض عن حكم الله أقبل ولا بد على حكم الشيطان الذي هو عين الهوى الذي هو دين أهل الجهل الذين لا كتاب لهم هاد ولا شرع ضابط ، سبب عَن إعراضهم الإنكار عليهم بقوله : { أفحكم الجاهلية } أي خاصة مع أن أحكامها لا يرضى بها عاقل ، لكونها لم يدع إليها كتاب ، بل إنما هي مجرد أهواء وهم أهل كتاب { يبغون } أي يريدون بإعراضهم عن حكمك مع ما دعا إليه كتابهم من اتباعك{[26376]} ، وشهد به{[26377]} كتابك بالعجز عن معارضته من وجوب رسالتك إلى جميع الخلائق ، وقراءة{[26378]} ابن عامر بالالتفات إلى الخطاب أدل{[26379]} على الغضب{[26380]} .

ولما كان حسن الحكم تابعاً لإتقانه ، وكان إتقانه دائراً على صفات الكمال من تمام العلم وشمول القدرة وغير ذلك ، قال - معلماً أن حكمه أحسن الحكم {[26381]} عاطفاً على ما تقديره{[26382]} : فمن أضل منهم : { ومن } ويجوز أن تكون الجملة حالاً من واو{[26383]} يبغون ، أي{[26384]} يريدون ذلك والحال أنه يقال{[26385]} : من{[26386]} { أحسن من الله } أي المستجمع لصفات الكمال { حكماً } ثم زاد في تقريعهم بكثافة الطباع وجمود الأذهان ووقوف الأفهام بقوله معبراً بلام البيان إشارة إلى{[26387]} المعنى بهذا الخطاب : { لقوم } أي فيهم نهضة وقوة محاولة لما يريدونه { يوقنون * } أي يوجد منهم اليقين يوماً ما{[26388]} وأما غيرهم فليس بأهل الخطاب فكيف بالعتاب ! إنما عتابه شديد العقاب ، وفي ذلك أيضاً غاية التبكيت لهم والتقبيح عليهم من حيث إنهم لم يزالوا يصفون أهل الجاهلية بالضلال ، وأن دينهم لم ينزل الله به من سلطان ، وقد عدلوا في هذه{[26389]} الأحكام إليه تاركين جميع ما أنزل{[26390]} الله من كتابهم والكتاب الناسخ له ، فقد ارتكبوا الضلال بلا شبهة على علم ، وتركوا الحق المجمع عليه .


[26376]:من ظ، وفي الأصل: ادعايك.
[26377]:سقط من ظ.
[26378]:في ظ: قرا.
[26379]:من ظ، وفي الأصل: دل.
[26380]:في ظ: العطب.
[26381]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[26382]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[26383]:في ظ: أو.
[26384]:في ظ: أو.
[26385]:في ظ: نقاد- كذا.
[26386]:سقط من ظ.
[26387]:زيد بعده في ظ: إن.
[26388]:سقط من ظ.
[26389]:زيد من ظ.
[26390]:زيد بعده في الأصل: من، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ} (50)

قوله تعالى : { أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } الاستفهام للإنكار والتوبيخ والفاء للعطف على مقدر . أي أيتولون عن حكمك فيبغون حكم الجاهلية . حكم ، منصوب بالفعل بعده { يبغون } والجاهلية كلمة جامعة شاملة تعني كل ضروب الملل والشرائع البعيدة عن منهج الله ، والتي تقف من رسالة السماء موقف المخالف الخصيم ، ولأنها لا تستند إلى وحي السماء ولا تصدر عن كتاب الله الحكيم .

فهي صريح الهوى ، والتمرد الصارخ على الدين الحق ارتضاه الله حكما للبشرية .

الجاهلية في ذاتها ملة عامة تضم عامة المذاهب والفلسفات والآراء والنحل والقوانين التي تخالف المنهج الإلهي الكامل والتي لا تركن لغير الرأي الممحض القاصر . فهي بذلك كفر شنيع ولا يدعو لها أو يحرض عليها أو يتشبث بها إلا معاند كفور .

قال صاحب الكشاف في بيان الجاهلية : الملة الجاهلية التي هي هوى وجهل ولا تصدر عن كتاب سماوي ولا ترجع إلى وحي من الله وقال الحسن البصري في حكم الجاهلية : هو عام في كل من يبغي غير حكم الله .

ويقول الأستاذ سيد قطب في حقيقة الجاهلية : إن معنى الجاهلية يتحدد بهذا النص . فالجاهلية – كما يصفها الله ويحددها قرآنه – هي حكم البشرللبشر ، لأنها عبودية البشر للبشر ، والخروج من عبودية الله ورفض ألوهية الله والاعتراف في مقابل هذا الرفض بألوهية بعض البشر وبالعبودية لهم من دون الله .

إن الجاهلية – في ضوء هذا النص – ليست فترة من الزمان ولكنها وضع من الأوضاع . هذا الوضع يوجد بالأمس ويوجد اليوم ويوجد غدا فيأخذ صفة الجاهلية المقابلة للإسلام والمناقضة للإسلام .

قوله : { ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } الاستفهام للإنكار والتعجيب وحكما ، منصوب على التمييز . واللام للبيان فيكون المعنى أن هذا الخطاب بما فيه من إنكار وتعجيب إنما هو لقوم يوقنون . أي يتدبرون ويعقلون شرع الله وهم موقنون أن الله أحكم الحاكمين{[1001]} .


[1001]:- الكشاف ج 1 ص 619 وروح المعاني ج 6 ص 155 وفي ظلال القرآن لسيد قطب ج 6 ص 183.