نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ} (49)

ولما كان الأمر بالحكم فيما مضى لكونه مسبباً عما قبله من إنزال الكتاب على الأحوال المذكورة ، أعاد الأمر به{[26368]} سبحانه مصرحاً بذلك لذاته لا لشيء آخر ، ليكون الأمر به{[26369]} مؤكداً غاية التأكيد بالأمر به مرتين : مرة لأن الله أمر به ، وأخرى لأنه على وفق الحكمة ، فقال تأكيداً له وتنويهاً بعظيم شأنه ومحذراً من الأعداء فيما يلقونه{[26370]} من الشبه للصد عنه : { وأن } أي احكم بينهم بذلك لما قلنا من السبب{[26371]} وما ذكرنا من العلة{[26372]} في جعلنا لكل ديناً ، ولأنا قلنا آمرين لك أن { احكم بينهم } أي أهل الكتب وغيرهم { بما أنزل الله } أي المختص بصفات الكمال لأنه يستحق أن يتبع أمره لذاته ، وبين أن مخالفتهم له وإعراضهم عنه إنما هو مجرد هوى ، لأن كتابهم داع إليه ، فقال : { ولا تتبع أهواءهم } أي في عدم التقييد{[26373]} به { واحذرهم أن يفتنوك } أي يخالطوك بكذبهم على الله وافترائهم وتحريفهم الكلم ومراءاتهم مخالطة تميلك { عن بعض ما أنزل الله } أي الذي لا أعظم منه ، فلا وجه أصلاً للعدول عن أمره { إليك فإن تولوا } أي كلفو أنفسهم الإعراض عما حكمت به بينهم مضادين لما دعت إليه الطفرة الأولى من اتباع الحق ودعت إليه كتبهم من اتباعك { فاعلم إنما يريد الله } أي الذي له جميع العظمة { أن يصيبهم } لأنه لو أراد بهم الخير لهداهم إلى القبول الذي يطابق عليه شاهد العقل بما تدعو إليه الفطرة الأولى والنقل بما في كتبهم ، إما من الأمر بذلك الحكم بعينه ، وإما من الأمر باتباعك { ببعض ذنوبهم } أي التي هذا منها ، وأبهمه زيادة في استدراجهم وإضلالهم وتحذيراً لهم من جميع مساوي أعمالهم ، لئلا يعلموا عين الذنب الذي اصيبوا به ، فيحملهم ذلك على الرجوع عنه ، ويصير ذلك كالإلجاء ، أو يكون إبهامه للتعظيم كما أن التنكير يفيد التعظيم ، فيؤذن السياق بتعظيم هذا التولي{[26374]} وبكثرة ذنوبهم واجترائهم على مواقعتها .

ولما كان التقدير : فإنهم بالتولي فاسقون ، عطف عليه : { وإن كثيراً من الناس } أي هم وغيرهم { لفاسقون * } أي خارجون{[26375]} عن دائرة الطاعات ومعادن السعادات ، متكلفون لأنفسهم إظهار ما في بواطنهم من خفي الحيلة بقوة ؛


[26368]:سقط من ظ.
[26369]:سقط من ظ.
[26370]:من ظ، وفي الأصل: يتبعونه.
[26371]:في ظ: السبت.
[26372]:في ظ: في .
[26373]:في ظ: التقييد.
[26374]:من ظ، وفي الأصل: التوالي.
[26375]:في ظ: خارجين.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ} (49)

قوله تعالى : { وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون } .

قال ابن عباس في سبب نزول هذه الآية : إن جماعة من اليهود منهم كعب بن أسيد وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس ، قال بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى محمد ، عليه الصلاة والسلام ، لعلنا نفتنه عن دينه ، فأتوه فقالوا : يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وأنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود ولن يخالفونا ، وإن بيننا وبين قوم خصومة . ونحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك . فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله فيهم { واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك } {[999]} .

قوله : { وأن احكم } في محل نصب معطوف على الكتاب . وتقدير الكلام : وأنزلنا إليك الكتاب . وأنزلنا إليك أن احكم بينهم بما أنزل الله . وتكرير الأمر بالحكم يأتي للتأكيد على الالتزام بشرع الله والحكم بما أنزل في كتابه الكريم دون غيره من الأحكام والشرائع . واستدلوا بهذه الآية على نسخ التخيير في قوله تعالى :

{ فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } .

قوله : { ولا تتبع أهواءهم } تقدم تفسير ذلك وجملته أن لا تترك العمل بما جاءك من الحق لتعمل بأهوائهم ومرادهم .

قوله : { واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك } أي احذر فتنة اليهود وغيرهم من الماكرين المضلين مخافة أن يستزلوك أو يصرفوك عن أقل القليل مما أنزل إليك .

وفي قوله : { عن بعض } ما يثير التنبه إلى خطورة الانصراف عن أقل القليل من شريعة الله . لا مجال ولا مساغ بحال أن يتهاون المسلمون في شيء من تعاليم الإسلام مهما قلت ومهما كان السبب إلا في الأخذ بالرخص عند الضرورة ووقوع الحرج . لا مبرر في غير ذلك البتة لغض الطرف عن أي حكم من أحكام الشريعة . بل إن شريعة الإسلام وافية متكاملة لا مناص من الأخذ بها كليا . وأيما تقاعس أو تناس أو تهاون في واحد من معاني الإسلام لا جرم أنه انفتال فاحش عن صراط الله المستقيم . انفتال عن منهج الله الكامل الشامل الذي لا يقبل التجزئة والمداهنة . انفتال مثير لا يطاق ولا يحتمل فهو في تصور الإسلام مرفوض .

قوله : { فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم } هؤلاء اليهود الذين اختصموا عندك يا محمد ، إن أبوا حكمك وأعرضوا عنك فاعلم أن الله جل جلاله إنما يريد أن يتعجل لهم العقوبة في الدنيا في مقابلة بعض من ذنوبهم التي اقترفوها . وقد عذبهم الله بالجلاء والتقهقر أمام جند الإسلام بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قوله : { وإن كثيرا من الناس لفاسقون } المراد أكثر الناس فاسقون أي خارجون عن منهج الله متمردون على أوامره مستنكفون عن طاعته . وقيل : المراد بهم هنا اليهود . والراجح الأول ، ويؤيده قوله تعالى : { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين } وقوله : { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله } .

ولا يخفى على البصير المدكر ما في الآية من تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما يكفكف عن نفسه الألم والإحساس بالمرارة كلما تزاحمت عليه الخطوب من فرط كيد اليهود ، وما تشبت به المشركون العرب من ضلالات الجدود{[1000]} .


[999]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 133.
[1000]:- تفسير الطبري ج 6 ص 177 وتفسير القرطبي ج 6 ص 214 وروح المعاني ج 6 ص 155.