نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{سَمَّـٰعُونَ لِلۡكَذِبِ أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحۡتِۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُمۡ أَوۡ أَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡۖ وَإِن تُعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيۡـٔٗاۖ وَإِنۡ حَكَمۡتَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ} (42)

ولما ذكر التحريف ، ذكر أثره وهو الحكم به فقال مكرراً لوصفهم زيادة في توبيخهم{[25847]} وتقبيح شأنهم : { سمّاعون } أي هم في غاية الشهوة والانهماك في سماعهم{[25848]} ذلك{[25849]} { للكذب أكّالون } أي على وجه المبالغة { للسحت } أي الحرام الذي يسحت البركة أي يستأصلها ، وهو كل ما لا يحل كسبه ، وذلك أخذهم الرشى{[25850]} ليحكموا بالباطل على نحو ما حرفوه وغيره من كلام الله ، قال الشيخ أبو العباس المرسي : ومن آثر من الفقراء السماع لهواه ، وأكل ما حرمه مولاه ، فقد استهوته{[25851]} نزعة يهودية ، فإن القوال{[25852]} يذكر{[25853]} العشق و{[25854]}المحبة والوجد{[25855]} وما عنده منها شيء .

ولما كانوا قد يأخذون الرشوة ولا يقدرون على إبرام الحكم بما أرادوه ، فيطمعون في أن يفعلوا ذلك بواسطة ترافعهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيترافعون إليه ، فإن حكم بينهم بما أرادوا قبلوه واحتجوا به على من لعله يخالفهم ، وإن حكم بما لم يريدوه قالوا : ليس هذا في ديننا - طمعاً في أن يخليهم فلا يلزمهم بما حكم ، أعلمه الله تعالى بما يفعل في أمرهم ، وحذره غوائل مكرهم ، فقال مفوضاً الخيرة إليه في أمر المعاهدين إلى مدة - وأما أهل الجزية فيجب الحكم بينهم إذا ترافعوا إلى حاكمنا - مسبباً عن أكلهم الحرام وسماعهم الكذب : { {[25856]}فإن جاءوك{[25857]} } أي{[25858]} طمعاً في أن تؤتيهم ما حرفوا إليه الكلم{[25859]} { فاحكم بينهم } أي إن شئت بما أنزل الله عليك{[25860]} من الحق { أو اعرض عنهم } أي كذلك{[25861]} .

ولما كان قوله : { وإن } دالاً بعطفه على غير معطوف عليه أن التقدير : فإن حكمت بينهم{[25862]} لم ينفعوك شيئاً لإقبالك عليهم ، قال : وإن { تعرض عنهم } أي الكفرة كلهم{[25863]} من المصارحين والمنافقين { فلن يضروك شيئاً } أي لإعراضك عنهم واستهانتك{[25864]} بهم .

ولما كان هذا التخيير{[25865]} غير مراد الظاهر في جواز الحكم بينهم عند الترافع إلينا وعدمه ، بل معناه عدم المبالاة بهم ، أعرض عنهم أولاً ، فحقيقته بيان العاقبة على تقديري الفعل والترك ، علَّمه{[25866]} كيف يحكم بينهم ، فقال عاطفاً على ما قدرته : { وإن حكمت } أي فيهم { فاحكم } أي أوقع الحكم{[25867]} { بينهم بالقسط } أي العدل الذي أراكه الله - على أن الآية ليست في أهل الذمة ، والحكم في ترافع الكفار إلينا أنه كان منهم أو من أحدهم التزام لأحكامنا أم{[25868]} منا التزام للذب{[25869]} عنهم وجب ، لقوله تعالى { فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم } وإلا لم يجب ، ثم علل ذلك بقوله : { إن الله } أي الذي له صفات الكمال { يحب المقسطين } أي الفاعلين للعدل السوي من غير حيف أصلاً .


[25847]:في ظ: توضيحهم.
[25848]:سقط من ظ.
[25849]:زيد من ظ.
[25850]:في ظ: الربا.
[25851]:سقط من ظ.
[25852]:في ظ: القول.
[25853]:تكرر في الأصل.
[25854]:في ظ: الوجد والمحبة.
[25855]:في ظ: الوجد والمحبة.
[25856]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[25857]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[25858]:تأخر في ظ عن " فاحكم بينهم".
[25859]:تأخر في ظ عن " فاحكم بينهم".
[25860]:سقط من ظ.
[25861]:في ظ: لذلك.
[25862]:زيدت الواو بعده في ظ.
[25863]:زيد من ظ.
[25864]:من ظ، وفي الأصل: استهانة.
[25865]:في ظ: التحذير.
[25866]:من ظ، وفي الأصل: علم.
[25867]:سقط من ظ.
[25868]:في ظ: أو.
[25869]:في ظ: للكذب.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{سَمَّـٰعُونَ لِلۡكَذِبِ أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحۡتِۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُمۡ أَوۡ أَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡۖ وَإِن تُعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيۡـٔٗاۖ وَإِنۡ حَكَمۡتَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ} (42)

قوله تعالى : { سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ( 42 ) وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين } .

كرر قوله : { سماعون للكذب } على سبيل التأكيد والتفخيم . والمراد بالكذب هنا الدعوى الباطلة وما كان يفتريه الأحبار من أكاذيب وتحريف للتوراة . أما السحت فالأصل فيه أنه الهلاك والاستئصال . أسحت أي استأصل . والمراد هنا بالسحت المال الحرام أو ما خبث من المكاسب فيلزم عنه العار . وقد سمي سحتا ، لأنه يسحت الطاعات ويسحت البركة أي يذهبها ويستأصلها{[971]}وقيل : سمي الحرام سحتا ، لأنه يسحت مروءة الإنسان . فإنه بذهاب الدين تذهب المروءة ، ولا مروءة لمن ليس له دين . وقيل : المراد به هنا الرشوة في الحكم . وفي الحديث عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل لحم نبث من سحت فالنار أولى به " قيل : يا رسول الله . وما السحت ؟ قال : " الرشوة في الحكم " . وأخرج عبد الرزاق عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هدايا الأمراء سحت " وأخرج ابن المنذر عن مسروق قال : قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : أرأيت الرشوة في الحكم أمن السحت هي ؟ قال : لا . ولكن كفر . إنما السحت أن يكون للرجل عند السلطان جاه ومنزلة ويكون للآخر إلى السلطان حاجة فلا يقضي حاجته حتى يهدي إليه هدية .

وذكر الرازي في قوله : { سماعون للكذب أكالون للسحت } ثلاثة وجوه :

الأول : كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه من كان مبطلا في دعواه برشوة سمع كلامه ولا يلتفت إلى خصمه . فكان يسمع الكذب ويأكل السحت . وهو قول الحسن .

الثاني : قال بعضهم : كان فقراؤهم يأخذون من أغنيائهم مالا ليقيموا على ما هم عليه من اليهودية فالفقراء كانوا يسمعون أكاذيب الأغنياء ويأكلون السحت الذي يأخذونه منهم .

الثالث : سماعون للأكاذيب التي كانوا ينسبونها إلى التوراة ، أكالون للربا{[972]} .

قوله : { فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } هذا تخيير من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بين الحكم في أهل الذمة من اليهود أو الإعراض عنهم . أي إن جاءك هؤلاء متحاكمين إليك فيما شجر بينهم من الخصومات { فاحكم بينهم } أي بما أراك الله { أو أعرض عنهم } من غير أن تعبأ بهم أو تكثرت ، فهذا تخيير للنبي صلى الله عليه وسلم بين الحكم بين أهل الذمة لدى تحاكمهم إلينا ، والإعراض عنهم . فالآية على هذا التأويل محكمة لم ينسخها ناسخ . وهو قول فريق من التابعين .

وقيل : إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } وقد روي النسخ عن ابن عباس . وقال به أكثر السلف . وهو مذهب الحنفية والشافعية وآخرين . قالوا : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان أولا مخيرا بين الأمرين ، ثم أمره الله بإجراء الأحكام عليهم . قال النحاس في " الناسخ والمنسوخ " قوله تعالى : { فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } منسوخ ، لأنه إنما نزل أول ما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود فيها يومئذ كثير . وكان الأدعى لهم والأصلح أن يردوا إلى أحكامهم . فلما قوي الإسلام أنزل الله عز وجل { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } وقال الشافعي في كتاب " الجزية " : ولا خيار له إذا تحاكموا إليه ، لقوله عز وجل : { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صغرون } أي أن من مقتضى صغارهم إجراء أحكام المسلمين عليهم . فإذا وجب ذلك كانت الآية منسوخة .

وعلى هذا وجب أن تجري على أهل الذمة أحكام الشريعة الإسلامية . ومن أقوال الحنفية في هذا المعنى : أهل الذمة محملون على أحكام الإسلام في البيوع والمواريث وسائر العقود إلا في بيع الخمر والخنزير فإنهم يقرون عليه ويمنعون من الزنا كالمسلمين فإنهم نهوا عنه .

قوله : { وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا } قال صاحب الكشاف في تأويل ذلك : كانوا لا يتحاكمون إليه لطلب الأيسر والأهون عليهم كالجلد مكان الرجم . فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومة لهم شق عليهم وتكرهوا إعراضه عنهم وكانوا خلقاء بإن يعادوه ويضاروه فأمن الله سربه{[973]} .

قوله : { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين } روي عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية : كانت قريظة والنضير . وكان النضير أشرف من قريظة ، فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به ، وإذا قتل رجل من النضير رجلا من قريظة أدى مائة وسق وتمر ، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلا من قريظة ، فقالوا : ادفعوه إلينا فقالوا : بيننا وبينكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط } {[974]} .

وفي الآية يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحكم بين أهل الكتاب بالعدل . والعدل بتمامه وكماله ما تضمنه شريعة الإسلام . الشريعة الربانية المميزة القائمة على الحق والعدل .

والله جلت قدرته يحب الذين يحكمون بين الناس بالحق والعدل والنصفة . أولئك سينالهم من الله فضل وجزاء كريم فوق ما ينالهم من عاطر الذكر والسيرة مما يستجيش القلوب والألسن أن تديم الثناء والدعاء للمقسطين بالخير .


[971]:- القاموس المحيط ج 1 ص 155 ومختار الصحاح ص 288 وروح المعاني ج 6 ص 140.
[972]:- تفسير الرازي ج 11 ص 241 وروح المعاني ج 6 ص 140 وتفسير القرطبي ج 6 ص 183.
[973]:- سربه: السرب بالكسر بمعنى النفس والقلب والبال. وهو أيضا القطيع من القطا والظباء والخيل والحمر والنساء. انظر مختار الصحاح ص 293 والقاموس المحيط ج 1 ص 84 وانظر الكشاف ج 1 ص 614.
[974]:- تفسير القرطبي ج 6 ص 156.