نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوۡمَهُۥ لِيُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَنَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡ وَإِنَّا فَوۡقَهُمۡ قَٰهِرُونَ} (127)

ولما قنع فرعون في ذلك الوقت الذي بهرت{[32975]} قومه تلك المعجزة الظاهرة بالانفصال على هذا الوجه الذي لم يدع فيه حيلة إلا{[32976]} خيل بها ، وخلص موسى عليه السلام بقومه متمكناً منهم بعض التمكن ، وكان السياق لبيان أن أكثر الخلق فاسق ، أخبر تعالى بما قال قوم فرعون بعدما{[32977]} رأوا من المعجز القاهر{[32978]} دليلاً على ذلك ، فقال عاطفاً على { وألقي السحرة ساجدين }{[32979]} وما بعده ، أو على قول فرعون : { وقال الملأ } أي الأشراف { من قوم فرعون } أي{[32980]} ظانين أن فرعون متمكن مما يريد بموسى عليه السلام من{[32981]} الأذى منكرين لما وصل إليه الحال من أمر موسى عليه السلام حين فعل ما فعل وآمن به السحرة ، وما عمل فرعون شيئاً ، لا قتله ولا حبسه ، لأنه كان لا يقدرعلى ذلك ولا يعترف به لقومه { أتذر موسى وقومه } .

ولما كان ما كان في أول مجلس من إيمان السحرة جديراً بأن يجر إليه أمثاله ، سموه فساداً وجعلوه مقصوداً لفرعون إحماء له واستغضاباً فقالوا : { ليفسدوا } أي يوقعوا الفساد وهو تغيير الدين { في الأرض } أي التي هي الأرض كلها ، وهي أرضنا هذه ، أو الأرض كلها ، لكون مثل هذا الفعل جديراً برد أهل الأرض كلهم عن عقائدهم { ويذرك وآلهتك } قيل : كان أمر قومه أن يعبدوا الأصنام تقرباً إليه ، وقال الإمام : الأقرب{[32982]} أنه كان دهرياً منكراً لوجود الصانع ، وكان يقول : مدبر هذا العالم السفلي هو الكواكب ، وأنه المخدوم في العالم للخلق أو لتلك الطائفة والمربي لهم ؛ ثم قال : وإذا كان مذهبه ذلك لم يبعد أن يقال : إنه كان قد اتخذ أصناماً على صور الكواكب ويعبدها على ما هو دين عبدة الكواكب انتهى{[32983]} .

ولذلك قال :{ أنا ربكم الأعلى }[ النازعات : 24 ] ، - هكذا قيل ، وهو ظاهر عبارة التوراة الآتية في آية القمل ، ولكن إرادته غير ملائمة لهذه المعادلة ، بل الظاهر أنه كان سمى أمراءه آلهة{[32984]} ، وسمى لكل أمير قوماً يتألهونه أي يطيعونه ، فإنه نقل عنهم أنهم كانوا يسمون الحاكم بل والكبير إلهاً كما سيأتي عن عبارة التوراة ، فحيث وقعت الموازنة بين{[32985]} موسى عليه السلام وقومه{[32986]} وبين فرعون وقومه{[32987]} ، عبر بالآلهة تعظيماً لجانبه بالإشارة إلى أنه إله أي حاكم معبود ، ليس وراءه منتهى وملؤه كلهم آلهة أي حكام دونه{[32988]} ، وموسى عليه السلام ليس بإله ولا في قومه إله بل هم محكوم عليهم فهم ضعفاء فكيف يتركون ! وحيث نفي الإلهية عن غيره فبالنظر إلى خطابه للملأ{ ما علمت لكم من إله غيري }{[32989]} وحيث حشر الرعية ناداهم بقوله{ أنا ربكم الأعلى }{[32990]} وكأن ذلك كان{[32991]} يطلق على الحاكم مجازاً ، فجعلوه حقيقة وصاروا يفعلون ما يختص به الآلهة {[32992]}من التحليل والتحريم كما قال تعالى{ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله }{[32993]} فكفروا بادعاء {[32994]}الربوبية بمعنى العبودية{[32995]} ، ونفي المعبود الحق بدليل آية { ما علمت } ، والحاصل أنهم عيروه بالرضى بأن يكون رئيساً على القبط وموسى عليه السلام رئيساً{[32996]} على بني إسرائيل فيكونوا{[32997]} بهذه المتاركة أكفاء للقبط .

ولما أعجزه الله سبحانه أن يفعل بهم أكثر مما كان يعمل قبل مجيء موسى عليه السلام لما يراد به من الاستدراج إلى الهلاك ، أخبر عنه سبحانه بما يفهم ذلك فقال مستأنفاً{[32998]} : { قال } أي فرعون { سنقتل } أي تقتيلاً كثيراً { أبناءهم } أي كما كنا نفعل { ونستحيي نساءهم } أي نبقيهم أحياء إذلالاً لهم وأمناً من غائلتهم في المستقبل { وإنا فوقهم } أي الآن { قاهرون* } ولا أثر لغلبة موسى لنا في هذه المناظرة لئلا تتوهم{[32999]} العامة أنه المولود الذي تحدث{[33000]} المنجمون والكهنة بذهاب ملكهم على يده فيثبطهم ذلك عن الطاعة ، موهماً{[33001]} بهذا أن تركه لأذى موسى عليه السلام لعدم التفاته ؟ إليه ، لايعجزه شيء{[33002]} عنه .


[32975]:- من ظ، وفي الأصل: يهرب.
[32976]:- في ظ: إلى.
[32977]:- زيد من ظ.
[32978]:- في ظ: الباهر.
[32979]:-في ظ: الساجدين.
[32980]:-سقط من ظ.
[32981]:- في ظ: الأقر.
[32982]:-في ظ: صبرنا.
[32983]:-زيد من ظ.
[32984]:- من ظ، وفي الأصل: الهتي.
[32985]:- زيد بعده في ظ: يدي.
[32986]:-سقط ما بين الرقمين من ظ.
[32987]:-سقط ما بين الرقمين من ظ.
[32988]:- زيد بعده في الأصل: وملاوه كلهم آلهة، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[32989]:- سورة 28 آية 38.
[32990]:- سورة 79 آية 24.
[32991]:سقط من ظ.
[32992]:- زيد من ظ.
[32993]:- سورة 9 آية 31.
[32994]:- من ظ، وفي الأصل: بالدعاء.
[32995]:- في ظ: المعبودية.
[32996]:8- زيد من ظ.
[32997]:- في ظ: فيكون.
[32998]:- زيدت الواو بعده في الأصل، ولم تكن في ظ ولا في القرآن الكريم فحذفناها.
[32999]:- من ظ، وفي الأصل: يتوهم.
[33000]:- في ظ: لا تحدث.
[33001]:- من ظ، وفي الأصل: توهما.
[33002]:- سقط من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوۡمَهُۥ لِيُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَنَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡ وَإِنَّا فَوۡقَهُمۡ قَٰهِرُونَ} (127)

قوله تعالى : { وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون } الاستفهام للإنكار على فرعون من أجل تركه موسى . يعني : أتترك موسى وقومه الذين آمنوا ليفسدوا أرض مصر ، فيفسدوا عليك شعبك وخدمك ، ويثيروا في الأرض الفرقة وشتات الشمل . وقوله : { وآلهتك } أي عبادتك يعني : أتترك كذلك موسى يترك طاعتك وعبادتك . وقيل : كانت للفراعنة آلهة من الأوثان كالشمس والنجوم .

كذلك قال الأشراف المنافقون من قوم فرعون . وهذا هو دين كل بطانة فاسدة مضلة من حول الحاكم المسلط المغرور . أولئك الذين يلهثون وراء الساسة والرؤساء الطغاة نفاقا وخيانة ثم يسولون لهم قتل الصالحين من الناس الذين يؤمنون بالله ورسوله ويدعون لإعلاء كلمته ودينه في الآفاق هذا هو ديدن المنافقين المبتذلين الأنذال في كل أمة وموضع . وأولئك الذين يطوفون من حول الحاكم الفاسد الغاشم تزلفا ونفاقا ليحرضوه على إبادة الإسلام وليسولوا له التنكيل بالمسلمين وفي طليعتهم العاملون الدعاة إلى الله .

قوله : { قال سنقتل أبناءهم ونستحي نساءهم } ذلك جواب الطاغية المغرور فرعون . أجاب حاشية وزبانيته من المنتفعين ومنافقين والأنذال –وهو تنتفخ أوداجه حماقة وصلفا وغرورا- أنه سيبطش برسول الله موسى ومن معه من المؤمنين ، وسيقتل- بالتشديد للمبالغة في التقتيل- أبناءهم الذكور ويستحي نساءهم ، أي يستبقيهن في الحياة من أجل التسخير والاستمتاع .

قوله : { وإنا فوقهم قاهرون } يعني : وإنا عالون عليهم بالقهر والإذلال . كذلك كان فرعون ، يخاطب المستضعفين من قوم موسى ، وهو تحفه من حوله فئة النفاق والتزلف والتحريض من المنتفعين والأنذال ، علاوة على طبيعة هذا الحاكم الغاشم المغرور الذي طغى وتجبر على نحو ليس له في العالمين نظير . وليس أدل على ذلك من اصطناعه الإلهية لنفسه بقوله لأهل مصر من القبط { أنا ربكم الأعلى } ولفرعون من الأشباه والنظراء من الساسة والقادة المتسلطين كثيرون أولئك الذين يتعالون على عباد الله المؤمنين ، ويكلون لهم صنوف التنكيل والقهر والعذاب في كل زمان{[1502]} .


[1502]:تفسير الطبري جـ 9 ص 17، 18.