نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمۡۚ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡ أَدَعَوۡتُمُوهُمۡ أَمۡ أَنتُمۡ صَٰمِتُونَ} (193)

ولما تبين{[34328]} من هذا الاستفهام الإنكاري المعجب من حالهم في ضلالهم في أسلوب الغيبة أن من أشركوه ليس فيه نوع قابلية لما أهلوه ، فإن المعبود يجب أن يكون قادراً ، ومن كان عاجزاً نوع عجز كان مربوباً{[34329]} ، وكان للتنبيه بالخطاب ما ليس له بالغيبة ؛أتبع ذلك في أسلوبه تعجيباً آخر منهم أشد من الأول ، وذلك أن معبوداتهم التي{[34330]} أشركوا بها كما أنها لا تفعل شيئاً من تلقاء أنفسها ، لا {[34331]}تفعله عند دعاء الداعي ولا تهتدي إليه فقال تعالى { وإن تدعوهم } أي وإن تدعوا أيها المشركون أصنامكم دعاء مستمراً متجدداً { إلى الهدى } أي إلى{[34332]} الذي يدل الداعي إليه قطعاً ، على{[34333]} أن المتخلف عنه سيىء المزاح ، محتاج إلى العلاج ، لكونه تخلف عما لا يتخلف عنه من له نوع صلاح لكونه أشرف الأشياء ، فالمتخلف عنه راض لنفسه بالدون { لا يتبعوكم } أي في ذلك الهدى الذي دعوتموهم إليه ولو بالغتم في الاستتباع ، ولعله عبر بصيغة الافتعال إشارة إلى أنها لا يتصور منها قصد التبع فضلاً{[34334]} عن إيجاده ، ثم بين أن ذلك ليس بأمر عارض ، بل هو{[34335]} مستمر دائم بقوله مستأنفاً تأكيداً للمعنى : { سواء عليكم } .

ولما كان السواء{[34336]} لا يكون إلا بين أمرين ، تشوف السامع إليهما فقال ؛ { أدعوتموهم } أي وجد منكم ذلك الدعاء الذي أشير إلى استمراره ، وعبر بالاسمية إشارة إلى أنهم لا يدعونهم{[34337]} في وقت الشدائد ، بل يدعون الله فقال : { أم أنتم صامتون* } أي عن ذلك على الدوام على عادتكم في الإعراض عن دعائهم في أوقات الملمات ، فالذين يدعون معتقديهم في وقت الضرورات أقبح حالاً في ذلك من المشركين{[34338]} ويجوز أن تكون الآية من الاحتباك ، فيكون نظمها : أدعوتموهم مرة أم أنتم داعوهم دائماً أم صَممَتُّمْ عن دعائهم في وقت ما أم أنتم صامتون دائماً عن دعائهم ، حاكم في كل هذه الأجوبة سواء في عدم الإجابة ، لا اختلاف فيه بوجه ، دل بالفعل أولاً على حذف مثله ثانياً ، وبالاسم ثانياً على حذف مثله أولاً{[34339]} .


[34328]:- في ظ: بين.
[34329]:- من ظ، وفي الأصل: مربا له.
[34330]:- في ظ: الذين.
[34331]:- سقط من ظ.
[34332]:- زيد من ظ.
[34333]:- في ظ: كما.
[34334]:زيد من ظ.
[34335]:- سقط من ظ.
[34336]:- في ظ: السوء.
[34337]:- من ظ، وفي الأصل: لا يدعوهم.
[34338]:- من ظ، وفي الأصل: المشركون.
[34339]:- زيد من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمۡۚ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡ أَدَعَوۡتُمُوهُمۡ أَمۡ أَنتُمۡ صَٰمِتُونَ} (193)

قوله : { وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم } ذلك تيئيس من هداية الأنداد والآلهة المصطنعة التي يعبدها المشركون السفهاء ؛ أي إن تدعوا هؤلاء الشركاء أو الآلهة المختلفة المفتراة إلى ما هو هدى ورشاد أو تدعوهم إلى أن يهدوكم كما تطلبون من الله والرشاد فإنهم لا يتبعونكم على مرادكم ولا يجيبونكم لما دعوتموهم إليه ؛ ؟ لأنهم صم بكم لا يعقلون . وإن كان المعبودون من البشر ؛ فإن قلوبهم قاسية وغلف ، وهم ميئوس من هدايتهم ، فأنى بهم –وهم على هذه الحال من طمس القلوب وعمى الأبصار- أن يهتدوا أو يهدوا غيرهم .

قوله : { سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون } أي دعاؤكم إياهم وصمتكم عنهم سيان ؛ فهم لا يعون ولا يبصرون ولا يستجيبون بل إنهم عمي وصم . وقيل : الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، وضمير النصب للكفار ؛ أي إن تدعوا هؤلاء المشركين الضالين على الهدى لا يقبلوا منكم دعاءكم ، فدعاؤكم وصمتكم سيان ، أي مثلان{[1602]} .


[1602]:البحر المحيط جـ 4 ص 441 والتبيان للطوسي جـ 5 ص 56.