نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذۡ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٞ لَّكُمۡۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلۡفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكُمۡ إِنِّيٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوۡنَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} (48)

ولما كان بين لهم فساد أعمالهم لفساد نياتهم تنفيراً منها ، زاد في التنفير بالإشارة إلى الأمر بدوام تذكرها بعاطف على غير معطوف عليه مذكور فقال ؛ { وإذ } فعلم أن التقدير قطعاً : اذكروا ذلك واذكروا إذ ، وزاد في التنفير بذكر العدو المبين والتنبيه على أن كل ما يأمر به إنما هو خيال لا حقيقة له كما{[35093]} كان ما سول لهم في{[35094]} هذا الأمر فقال : { زين لهم الشيطان } أي العدو المحترق البعيد من الخير { أعمالهم } التي أتقنوها بزعمهم في معاداة النبي صلى الله عليه وسلم{[35095]} ، وذلك أنه تبدى لهم في صورة{[35096]} سراقة بن مالك بن جعشم الكناني حين خافوا من قومه بني كنانة أن يخلفوهم في أهليهم{[35097]} بسوء لما كان بينهم مما يوجب ذلك ، فكاد ذلك أن يثبطهم عن المسير { وقال } غارّاً لهم في أنفسهم { لا غالب لكم } والجار خبر { لا } وإلاّ لا انتصب اسمها لكونه يكون إذ ذاك شبيهاً بالمضاف { اليوم من الناس } وغارّاً لهم فيمن خلفوه بقوله : { وإني جار لكم } من أن تخلفكم كنانة بشيء تكرهونه ، وسار معهم إلى بدر{[35098]} ينشطهم و{[35099]} ينشدهم ويسلطهم{[35100]} بهذا القول الظاهر إلى ما{[35101]} يوسوس لهم به في الصدور { فلما تراءت الفئتان } أي رأت كل فئة الأخرى ورأى جبريل عليه السلام في{[35102]} جنود الله{[35103]} { نكص } أي رجع يمشي القهقرى وبطل كيده وآثار وسوسته { على عقبيه } أي إلى ورائه{[35104]} ، فقالوا أين أي{[35105]} سراق ؟ ولا يظنونه إلا سراقة ، فمر ولم يجبهم ولا عرج عليهم { وقال } أي بلسان الحال أو القال وهو يسمعونه أو لا يسمعونه { إني بريء منكم } ثم علل براءته منهم بقوله : { إني أرى } أي بعين بصري { ما لا ترون } أي من الملائكة والغضب الذي هو{[35106]} نازل بكم ، فقال له الحارث بن هشام وكانت يده في يده : {[35107]}والله{[35108]} ما نرى إلا جواسيس يثرب ! فاستأنف قوله مؤكداً لإنكارهم لذلك : { إني أخاف الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً أن يهلكني معكم بالمعاجلة بالعقاب { والله } أي الملك الأعظم { شديد العقاب* } فكانوا يقولون : انهزم بنا سراقة ، فقال ؛ بلغني أنكم تقولون كذا ! والله ما علمت بمسيركم هذا{[35109]} إلا عندما بلغني انهزامكم فكانوا يكذبونه حتى أسلموا فعلموا أن الذي غرهم الشيطان ، وذلك مشهور في السير ، وهو أولى من أن يحمل على مجرد الوسوسة ، وفي الحديث " ما رئي إبليس يوماً أصغر ولا أحقر ولا أغيظ من يوم عرفة لما يرى من نزول الرحمة إلا ما رئي{[35110]} يوم بدر


[35093]:زيد من ظ.
[35094]:من ظ، وفي الأصل: من.
[35095]:زيد من ظ.
[35096]:سقط من ظ.
[35097]:في ظ: أهلهم.
[35098]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35099]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35100]:من ظ، وفي الأصل: يشدهم ويبسطهم.
[35101]:زيد من ظ.
[35102]:في ظ: جنوده.
[35103]:في ظ: جنوده.
[35104]:في ظ: وراء.
[35105]:في ظ: أبى.
[35106]:سقط من ظ.
[35107]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35108]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35109]:سقط من ظ.
[35110]:من ظ وموطأ الإمام مالك ـ جامع الحج، وفي الأصل: يرى.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِذۡ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٞ لَّكُمۡۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلۡفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكُمۡ إِنِّيٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوۡنَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} (48)

قوله : { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب } .

روي عن ابن عباس قال : جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين معه ، رأيته في صورة رجل من بني مدلج في صورة سراقة بن مالك بن جعشم . فقال الشطان للمشركين : لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم . فلما اصطف الناس أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من التراب فرمى بها في وجوه المشركين فولوا مدبرين ، وأقبل جبريل إلى إبليس ، فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع إبليس يده فولى مدبرا هو وشيعته : فقال الرجل : يا سراقة تزعم أنك لنا جار . قال : غني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب } ، وذلك حين رأى الملائكة{[1674]} . لقد زين الشطان للمشركين أعمالهم في معاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصد عن دين الله بكل وسائل الإغراء والترهيب والفتنة . ووسوس لهم بإيحائه الموهم المرجف أنهم لن يغلبوا ما داموا يركنون إليه وإلى جنوده من الشياطين . فما أن تلاقى الفريقان ورأى إبليس الملائكة { نكص على عقبيه } أي رجع وحجم وولى مدبرا هو وجنوده وتبرأ من المشركين ؛ إذ بطل كيده حين نزلت جنود الله .


[1674]:تفسير الطبري جـ 10 ص 14.