الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{وَإِذۡ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٞ لَّكُمۡۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلۡفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكُمۡ إِنِّيٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوۡنَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} (48)

{ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ } وكانت الزينة لهم على ما قاله ابن عباس وابن إسحاق والسدي والكلبي وغيرهم : إن قريشاً لمّا أجمعت المسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر بن عبد مناف بن كنانة من الحرب التي بينها وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب ، فكان ذلك أن يثبتهم ، فجاء إبليس في جند من الشياطين معه رايته فتبدّى في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الشاعر الكناني ، وكان من أشراف كنانة .

قال الشاعر :

يا ظالمي أنّى تروم *** ظلامتي والله من كل الحوادث خالي

{ فَلَمَّا تَرَآءَتِ الْفِئَتَانِ } أي التقى الجمعان ورأى إبليس الملائكة نزلوا من السماء وعلم أنّه لا طاقة له بهم { نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ } . قال الضحاك : ولّى مدبراً . قال النضر بن شميل : رجع القهقري على قفاه هارباً ، وقال قطرب وابان بن ثعلبة : رجع من حيث جاء .

قال الشاعر :

نكصتم على أعقابكم يوم جئتمُ *** وتزجون أنفال الخميس العرمرم

وقال عبد الله بن رواحة : فلمّا رأيتم رسول الله نكصتم على أعقابكم هاربينا .

قال الكلبي : لما التقوا كان إبليس في صف المشركين على صورة سراقة بن كنانة آخذاً بيد الحرث بن هشام ، فنكص على عقبيه وقال له الحرث : يا سراقة أين ؟ أتخذلنا على هذه الحالة ؟ فقال له { إِنَّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ } فقال : والله ما نرى إلا جواسيس يثرب . فقال : { إِنَّي أَخَافُ اللَّهَ } .

قال الحرث : فهلاّ كان هذا أمس ، فدفع في صدر الحرث فانطلق وانهزم الناس ، فلمّا قدموا مكة قالوا هزم الناس سراقة فبلغ ذلك سراقة فقال بلغني أنكم تقولون أني هزمت الناس ، فوالله ماشعرت حتى بلغني هزيمتكم ، فقالوا أما أتيتنا في يوم كذا فحلف لهم ، فلمّا تابوا علموا أن ذلك كان الشيطان .

وقال الحسن في قوله : ( أني أرى مالا ترون ) فأتى إبليس جبرئيل معتجراً بردة يمشي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وفي يده اللجام يقود الفرس ماركب .

سمعت أبا القاسم الحبيبي سمعت أبا زكريا العنبري ، سمعت أبا عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي يقول أفخر بيت قيل في الإسلام قوله بغيض الأنصاري يوم بدر :

وببئر بدر إذ نردّ وجوههم *** جبريل تحت لوائنا ومحمد

وقال قتادة وابن إسحاق . قال إبليس : إني أرى مالا ترون وصدق الله في عدوّه ، وقال : إني أخاف الله ، وكذب عدوّ الله ، والله ما به مخافة الله ولكن علم أنّه لا قوة له ولا منعة فأيّدهم وأسلمهم ، وذلك عادة عدو الله لمن أطاعه ، حتى إذا التقى الحق والباطل أسلمهم وتبرّأ منهم .

قال عطاء إني أخاف الله أن يهلكني فيمن هلك ، وقال الكلبي : خاف أن يأخذه جبرئيل ويعرّفهم حاله فلا يطيعوه من بعد ، وقال معناه : إني أخاف الله ، أي أعلم صدق وعده لأوليائه لأنه على ثقة من أمره .

قال الاستاذ الامام أبو إسحاق ، رأيت في بعض التفاسير : إني أخاف الله عليكم والله شديد العقاب .

قال بعضهم هذا حكاية عن إبليس ، وقال أخرون : انقطع الكلام عند قوله : إني أخاف الله قال الله { وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ } .

إبراهيم بن أبي عبلة عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما رؤي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أدجر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة ، وما ذاك إلا لمّا رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر " ، وذلك أنه رأى جبرائيل وهو يزع الملائكة .