نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{وَقَالُوٓاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلۡهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفۡ مِنۡ أَرۡضِنَآۚ أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنٗا يُجۡبَىٰٓ إِلَيۡهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَيۡءٖ رِّزۡقٗا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ} (57)

ولما عجب من حال قريش في طلبهم من الآيات مثل ما أوتي موسى عليه الصلاة والسلام ثم كفرهم به وبما هو أعظم منه ، وختم بأنه أعلم بأهل الخير وأهل الشر ، إشارة إلى الإعراض عن الأسف على أحد ، والإقبال على عموم الدعاء للقريب والبعيد على حد سواء ، قال دليلاً على ذلك لأنهم إنما يتبعون أهواءهم ، عاطفاً على قالوا { لولا أوتي } { وقالوا إن نتبع } أي غاية الاتباع { الهدى } أي الإسلام فنوحد الله من غير إشراك { معك } أي وأنت على ما أنت عليه من مخالفة الناس { نتخطف } أي من أي خاطف أردنا ، لأنا نصير قليلاً في كثير . من غير نصير { من أرضنا } كما تتخطف العصافير لمخالفة كافة العرب لنا ، وليس لنا نسبة إلى كثرتهم ولا قوتهم فيسرعو إلينا فيتخطفونا ، أي يتقصدون خطفنا واحداً واحداً ، فإنه لا طاقة لنا على إدامة الاجتماع وأن لا يشذ بعضنا عن بعض ؛ قال البغوي : والاختطاف : الانتزاع بسرعة .

ولما كان التقدير في الرد على هذا الكلام الواهي : ألم نحمك ومن اتبعك منهم وقد جئتموهم من الخلاف بمثل ما يخالفون هم ، به العرب أو أشد ، ولا نسبة لكم إلى عددهم ولا جلدهم ، عطف عليه قوله : { أولم نمكن } أي غاية التمكين { لهم } في أوطانهم ومحل سكناهم بما لنا من القدرة { حرماً آمناً } أي ذا أمن يأمن فيه كل خائف حتى الطير من كواسرها والوحش من جوارحها ، حتى أن سيل الحل لا يدخل الحرم ، بل إذا وصل إليه عدل عنه ؛ قال ابن هشام في استيلاء كنانة وخزاعة على البيت : وكانت مكة في الجاهلية لا تقر فيها ظلماً ولا بغياً ، لا يبغي فيها أحد إلا أخرجته - انتهى . وكان الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه فيها فلا يهيجه ولا يعرض له بسوء ؛ وروى الأزرقي في تأريخ مكة بسنده عن حويطب بن عبد العزى رضي الله عنه قال : كانت في الكعبة حلق يدخل الخائف يده فيها فلا يريبه أحد ، فجاء خائف ليدخل يده فاجتذبه رجل فشلت يده ، فلقد رأيته في الإسلام وإنه لأشل ، وروي عن ابن جريج قصة العرب من غير قريش في أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة إلا إن أعارتهم قريش ثياباً ، فجاءت امرأة فطافت عريانة وكان لها جمال فرآها رجل فأعجبته فدخل فطاف إلى جنبها ، فأدنى عضده من عضدها ، فالتزقت عضده بعضدها ، فخرجا من المسجد هاربين على وجوههما فزعين لما أصابهما من العقوبة ، فلقيهما شيخ من قريش فأفتاهما أن يعودا إلى المكان الذي أصابا فيه الذنب ، فيدعوان ويخلصان أن لا يعودا ، فدعوا وأخلصا النية ، فافترقت أعضادهما فذهب كل واحد منهما في ناحية ، وبسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أخذ رجل ذود ابن عم له فأصابه في الحرم فقال : ذودي : فقال اللص : كذبت ، قال : فاحلف ، فحلف عند المقام ، فقام رب الذود بين الركن والمقام باسطاً يديه يدعو ، فما برح مقامه يدعو حتى ذهب عقل اللص وجعل يصيح بمكة : ما لي ، وللزود ، ما لي ، ولفلان - رب الزود ، فبلغ ذلك عبد المطلب فجمع الزود فدفعه إلى المظلوم ، فخرج به وبقي الآخر متولهاً حتى وقع من جبل فتردى فأكلته السباع .

وعن أيوب بن موسى أن امرأة في الجاهلية كان معها ابن عم لها صغير فقالت له : يا بني : إني أغيب عنك وإني أخاف أن يظلمك أحد ، فإن جاءك ظالم بعدي فإن لله بمكة بيتاً لا يشبهه شيء من البيوت ، وعليه ثياب ولا يقاربه مفسد ، فإن ظلمك ظالم يوماً فعذبه ، فإن له رباً سيمنعك ، فجاءه رجل فذهب به فاسترقه ، قال : وكان أهل الجاهلية يعمرون أنعامهم فأعمر سيده ظهره ، فلما رأى الغلام البيت عرف الصفة فنزل يشتد حتى تعلق بالبيت ، وجاءه سيده فمد يده إليه ليأخذه ، فيبست يده ، فمد الأخرى فيبست ، فاستفتى فأفتى أن ينحر عن كل واحدة من يدية بدنة ، ففعل فأطلقت يداه ، وترك الغلام وخلى سبيله . وعن عبد العزيز بن أبي رواد أن قوماً انتهوا إلى ذي طوى ، فإذا ظبي قد دنا منهم ، فأخذ رجل منهم بقائمة من قوائمه فقال له أصحابه : ويحك ! أرسله ، فجعل يضحك ويأبى أن يرسله ، فبعر الظبي وبال ؛ ثم أرسله ، فناموا في القائلة فانتبهوا ، فإذا بحية منطوية على بطن الرجل الذي أخذ الظبي ، فلم تنزل الحية عنه حتى كان منه من الحديث مثل ما كان من الظبي . وعن مجاهد قال : دخل قوم مكة تجاراً من الشام في الجاهلية فنزلوا ذا طوى فاختبزوا ملة لهم ولم يكن معهم إدام ، فرمى رجل منهم ظبية من ظباء الحرم وهي حولهم ترعى فقاموا إليها فسلخوها وطبخوا لحمها ليأتدموا به ، فبينما قدرهم على النار تغلي بلحمة إذ خرجت من تحت القدر عنق من النار عظيمة فأحرقت القوم جميعاً ولم تحترق ثيابهم ولا أمتعتهم ولا السمرات التي كانوا تحتها .

وفي سيرة أبي ربيع بن سالم الكلاعي أن رجلاً من كنانة بن هذيل ظلم ابن عم له فخوفه بالدعاء في الحرم ، فقال : هذه ناقتي فلانة اركبها فاذهب إليه فاجتهد في الدعاء ، فجاء الحرم في الشهر الحرام ، فقال : اللهم إني ادعوك جاهداً مضطراً على ابن عمي فلان ترميه بداء لا دواء له ، ثم انصرف فوجد ابن عمه قد رمي في بطنه فصار مثل الزق ، فما زال ينتفخ حتى انشق ، وأن عمر رضي الله عنه سال رجلاً من بني سليم عن ذهاب بصره ، فقال : يا أمير المؤمنين ! كنا بني ضبعاء عشرة ، وكان لنا ابن عم فكنا نظلمه فكان يذكرنا بالله ، وبالرحم ، فلما رأى أنا لا نكف عنه انتهى إلى الحرم في الأشهر الحرم فجعل يرفع يديه يقول :لا همّ أدعوك دعاء جاهداً *** اقتل بني الضبعاء إلا واحدا

ثم اضرب الرجل ودعه قاعداً *** أعمى إذا قيد يعيي القائدا

قال : فمات إخوتي التسعة في تسعة أشهر في كل شهر واحد ، وبقيت أنا فعميت ، ورماني الله عز وجل في رجلي ، فليس يلائمني قائد ، فقال عمر رضي الله عنه : سبحان الله إن هذا لهو العجب ، جعل الله هذا في الجاهلية إذ لا دين حرمة حرمها وشرفها ، لينتكب الناس عن انتهاك ما حرم مخافة تعجيل العقوبة ، فلما جاء الدين ، صار الموعد الساعة ، ويستجيب الله لمن يشاء ، فاتقوا الله وكونوا مع الصادقين - انتهى . وكأنه لمثل ذلك عبر بالتمكين ويتخطف الناس من حولهم كما يأتي تأكيده في التي بعدها ، وقد كان قبل ذلك بقعة من بقاع الأرض لا مزية له على غيره بنوع مزية ، فالتقدير : إنما فعلنا ذلك بعد سكنى إسماعيل عليه الصلاة والسلام ، توطئة لما أردنا من الحكم والأحكام ، أو ليس الذي قدر على ذلك وفعله لمن يعبد غيره بقادر على حماية من يدخل في دينه ، وقد صار من حزبه بأنواع الحمايات ، وإعلائه على كل من يناويه إلى أعلى الدرجات ، كما فعل في حمايتكم منهم ومن غيرهم من سائر المخالفين أعداء الدين .

ولما وصفه بالأمن ، أتبعه ما تطلبه النفس بعده فقال : { يجبى } أي يجمع ويجلب مما لا يرجونه ولا قدرة لهم على استجلابه { إليه } أي خاصة ، دون غيره من جزيرة العرب { ثمرات كل شيء } من النبات الذي بأرض العرب من ثمر البلاد الحارة كالبسر والرطب والموز والنبق ، والباردة كالعنب والتفاح والرمان والخوخ ، وفي تعبيره بالمضارع وما بعده إشارة إلى الاستمرار وأنه يأتي إليه بعد ذلك من كل ما في الأرض من المال ، ما لم يخطر لأحد منهم في بال ، وقد صدق الله فيما قال كما تراه - ومن أصدق من الله قيلاً .

ولما كان مجموع ما رزقهم في هذا الحرم من الأمن بأسبابه من الإسراع باصابة من آذى فيه بأنواع العقوبات ، وجباية هذه الثمرات ، في غاية الغرابة في تلك الأراضي اليابسة الشديدة الحر ، المحفوفة من الناس بمن لا يدين ديناً ، ولا يخشى عاقبة ، ولا له ملك قاهر من الناس يرده ، ولا نظام من سياسة العباد يمنعه ، عبر عنه سبحانه مع مظهر العظمة بلدن فقال : { رزقاً من لدنا } أي من أبطن ما عندنا وأغربه ، لا صنع لأحد فيه كما تعلم ذلك كله أنت ومن أتبعك ومن فيه قابلية الهداية منهم ، وكل ذلك إنما هو لأجلك بحلولك في هذا الحرم مضمراً في الأصلاب ، ومظهراً في تلك الشعاب ، توطئة لنبوتك ، وتمهيداً لرسالتك ، ومتى غبت عنهم غاب عنهم ذلك كله وسينظرون .

ولما كان هذا الذي أبدوه عذراً عن تخلفهم عن الهدى يظنونه من نفائس العلم ، رده تعالى نافياً عمن لم يؤمن منهم جميع العلم الذي بنفيه ينتفي أن يكون هذا الفرد علماً ، فقال في أسلوب التأكيد لذلك : { ولكن أكثرهم } أي أهل مكة وغيرهم ممن لا هداية له { لا يعلمون* } أي ليس لهم قابلية للعلم حتى يعلموا أنا نحن الفاعلون لذلك بترتيب أسبابه حتى تمكن ذلك وتم فلا قدرة لأحد على تغييره ، وإنا قادرون على أن نمنعهم - إذا تابعوا أمرنا - ممن يريدهم ، بل نسلطهم على كل من ناواهم ، كقدرتنا على ما مكنا لهم وهو خارج عن القياس على ما يقتضيه عقول الناس ، وإنا قادرون على سلب ذلك كله عنهم لإصرارهم على الكفر ، ولا بد أن نذيقهم ذلك أجمع بعد هجرتك ليعلموا أنه إنما نالهم ذلك ببركتك ، ولو علموا ذلك لشكروا ، ولكنهم جهلوا فكفروا ، ولذلك أنذروا { ولتعلمن نبأه بعد حين } .