البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{وَإِنَّهُۥ فِيٓ أُمِّ ٱلۡكِتَٰبِ لَدَيۡنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} (4)

{ أم الكتاب } : اللوح المحفوظ ، لأنه الأصل الذي أثبتت فيه الكتب ، وهذا فيه تشريف للقرآن ، وترفيع بكونه .

لديه علياً : على جميع الكتب ، وعالياً عن وجوه الفساد .

حكيماً : أي حاكماً على سائر الكتب ، أو محكماً بكونه في غاية البلاغة والفصاحة وصحة المعاني .

قال قتادة وعكرمة والسدي : اللوح المحفوظ : القرآن فيه بأجمعه منسوخ ، ومنه كان جبريل ينزل .

وقيل : أم الكتاب : الآيات المحكمات ، لقوله : { هو الذين أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب } ومعناه : أن سورة حم واقعة في الآيات المحكمات التي هي الأم .

وقرأ الجمهور : في أم ، بضم الهمزة ، والإخوان بكسرها ، وعزاها ابن عطية يوسف بن عمرو إلى العراق ، ولم يعزها للإخوان عقلة منه .

يقال : ضرب عن كذا ، وأضرب عنه ، إذا أعرض عنه .

والذكر ، قال الضحاك وأبو صالح : القرآن ، أي افترائي عنكم القرآن .

وقولهم : ضرب الغرائب عن الحوض ، إذا أدارها ونحاها ، وقال الشاعر :

اضرب عنك الهموم طارقها *** ضربك بالسيف قونس الفرس

وقيل : الذكر : الدعاء إلى الله والتخويف من عقابه .

قال الزمخشري : والفاء للعطف على محذوف تقديره : أنهملكم فنضرب عنكم الذكر إنكاراً ؟ لأن يكون الأمر على خلاف ما قدم من إنزاله الكتاب وخلقه قرآناً عربياً لتعقلوه وتعملوا بموجبه . انتهى .

وتقدم الكلام معه في تقديره فعلاً بين الهمزة والفاء في نحو : { أفلم يسيروا } { أفلا تعقلون } وبينها وبين الواو في نحو : { أولم يسيروا } كما وأن المذهب الصحيح قول سيبويه والنحويين : أن الفاء والواو منوي بهما التقديم لعطف ما بعدهما على ما قبلهما ، وأن الهمزة تقدمت لكون الاستفهام له صدر الكلام ، ولا خلاف بين الهمزة والحرف ، وقد رددنا عليه قوله : وقال ابن عباس ومجاهد : المعنى : أفنترك تذكيركم وتخويفكم عفواً عنكم وعفواً عن إجرامكم ؟ أن كنتم أو من أجل أن كنتم قوماً مسرفين ؟ أي هذا لا يصلح .

ونحا قتادة إلى أن المعنى صفحاً ، أي معفوا عنه ، أي نتركه .

ثم لا تؤاخذون بقوله ولا بتدبره ، ولا تنبهون عليه .

وهذا المعنى نظير قول الشاعر :

ثم الصبا صفحاً بساكن ذي الفضا *** وبصدع قلبي أن يهب هبوبها

وقول كثير :

صفوحاً فما تلقاك إلا بخيلة *** فمن مل منها ذلك الوصل ملت

وقال ابن عباس : المعنى : أفحسبتم أن نصفح عنكم ولما تفعلوا ما أمرتم به ؟ وقال الكلبي : أن نترككم هملاً بلا أمر ولا نهي ؟ وقال مجاهد أيضاً : أن لا نعاقبكم بالتكذيب ؟ وقيل : أن نترك الإنزال للقرآن من أجل تكذبيهم ؟ وقرأ حسان بن عبد الرحمن الضبغي ، والسميط بن عمير ، وشميل بن عذرة : بضم الصاد ، والجمهور : بفتحها ، وهما لغتان ، كالسد والسد .

وانتصاب صفحاً على أنه مصدر من معنى أفنضرب ، لأن معناه : أفنصفح ؟ أو مصدر في موضع الحال ، أي صافحين ، قالهما الحوفي ، وتبعه أبو البقاء .

وقال الزمخشري : وصفحاً على وجهين : إما مصدر من صفح عنه ، إذا أعرض منتصباً على أنه مفعول له على معنى : أفنعزل عنكم إنزال القرآن وإلزام الحجة به إعراضاً عنكم ؟ وإما بمعنى الجانب من قولهم : نظر إليه بصفح وجهه .

وصفح وجهه على معنى : أفننحيه عنكم جانباً ؟ فينصب على الظرف ، كما تقول : ضعه جانباً ، وامش جانباً .

وتعضده قراءة من قرأ صفحاً بالضم .

وفي هذه القراءة وجه آخر ، وهو أن يكون تخفيف صفح جمع صفوح ، وينتصب على الحال ، أي صافحين معرضين .

وقال ابن عطية : صفحاً ، انتصابه كانتصاب صنع الله . انتهى .

يعني أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة ، فيكون العامل فيه محذوفاً ، ولا يظهر هذا الذي قاله ، فليس انتصابه انتصاب صنع الله .

وقرأ نافع والإخوان : بكسر الهمزة ، وإسرافهم كان متحققاً .

فكيف دخلت عليه إن الشرطية التي لا تدخل إلا على غير المتحقق ، أو على المتحقق الذي أنبهم زمانه ؟ قال الزمخشري : هو من الشرط الذي ذكرت أنه يصدر عن المدل بصحة الأمر المتحقق لثبوته ، كما يقول الأجير : إن كنت عملت لك فوفني حقي ، وهو عالم بذلك ، ولكنه يخيل في كلامه أن تفريطك في الخروج عن الحق فعل من له شك في الاستحقاق ، مع وضوحه ، استجهالاً له .

وقرأ الجمهور : أن بفتح الهمزة ، أي من أجل أن كنتم .

قال الشاعر :

أتجزع أن بان الخليط المودع . . .

وقرأ زيد بن علي : إذ كنتم ، بذال مكان النون ،