{ إبراهيم } : هو خليل الرحمن أبو الأنبياء عليه السلام .
{ يطمئن قلبي } : يسكن ويهدأ من التطلع والتشوق إلى الكيفيّة .
{ فصرهنّ إليك } : أملهن واضممهن إليك وقطعهن أجزاء .
{ سعيا } : مشياً سريعاً وطيرانا .
{ عزيز } : غالب لا يمتنع عنه ولا منه شيء أراده بحال من الأحوال .
{ حكيم } : لا يخلُق عبثا ولا يوجد لغير حكمه ، ولا يضع شيئا في غير موضعه اللائق به .
هذا مثل ثالث يوجه إلى الرسول والمؤمنين حيث تتجلّى لهم ولايته تعالى لعباده المؤمنين بإخراجهم من الظلمات إلى النور حتى مجرّد ظلمة باستبعاد شيء عن قدرة الله تعالى ، أو تطلع إلى كيفيّة إيجاد شيء ومعرفة صورته . فقال تعالى : اذكروا { إذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى } . سأل إبراهيم ربّه أن يريه طريقة الإِحياء كيف تتم هل هي جارية على نواميس معيّنة أم هي مجرد قدرة يقول صاحبها للشيء كون فيكون ، فسأله ربه وهو عليم به : أتقول الذي تقول ولم تؤمن ؟ قال إبراهيم : بلى أنا مؤمن بأنك على كل شيء قدير ، ولكن أريد أن أرى صورة لذلك يطمئن لها قلبي ويسكن من التطلع والتشوق إلى معرفة المجهور لدي . فأمره تعال إجابة له لأنه وليّه فلم يشأ أن يتركه يتطلع إلى كيفيّة إحياء ربه الموتى ، أمره بأخذ أربعة طيور وذبحها وتقطيعها أجزاء وخلطها مع بعضها بعضا ثم وضعها على أربعة جبال على كل جبل ربع الأجزاء المخلوطة ، ففعل ، ثم أخذ برأس كل طير على حِدَةٍ ودعاه فاجتمعت أجزاؤه المفرقة المختلطة بأجزاء غيره وجاءه يسعى فقدم له رأسه فالتصق به وطار في السماء وإبراهيم ينظر ويشاهد مظاهر قدرة ربّه العزيز الحكيم . سبحانه لا إله غيره ولا رب سواه .
- غريزة الإِنسان في حب معرفة المجهول والتطلع إليه .
- ولاية الله تعالى لإِبراهيم حيث أراه من آياته ما اطمأن به قلبه وسكنت له نفسه .
- ثبوت عقيدة الحياة الثانية ببعث الخلائق أحياء للحساب والجزاء .
- زيادة الإيمان واليقين كلما نظر العبد إلى آيات الله الكونية ، أو قرأ وتدبر آيات الله القرآنية .
قوله تعالى : ( وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم ) سأل الخليل عليه الصلاة والسلام ربه أن يريه كيفية إحياء الموتى . وما كان الخليل عليه السلام شاكا في قدرة الله على الإحياء ، وإنما كان يبتغي أن يزداد يقينا إلى يقينه . وذلك هو طبع ابن آدم ، فإنه مطبوع على الرغبة في المعاينة أو المشاهدة الحسية بما يحمله على التصديق الكامل والإيمان المستيقن على نحو يدنو دونه مجرد الإخبار . وفي ذلك يقول النبي ( ص ) : " ليس الخبر كالمعاينة " . فلا جرم أن المعاينة الحسية أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة واليقين .
أما سؤال إبراهيم ( كيف تحي الموتى ) لا يحمل أية دلالة على الشك في ذهنه عليه السلام ، بل إن الاستفهام بكيف- كما هو معلوم- إنما هو سؤال عن أمر موجود ومتقرر بالفعل لدى كل من السائل والمسؤول . وعلى هذا فالسؤال بكيف يأتي استفهاما عن هيئة الإحياء الثابت المتقرر .
وقوله : ( أو لم تؤمن ) أي بقدرتي على الإحياء . وقد سأله ذلك مع علمه أن إبراهيم مؤمن وأنه ما كان شاكا . وإنما كان سؤاله له ليبين للناس أن غرض إبراهيم أن يستزيد إيمانا وأن يترقى من يقين إلى يقين ؛ لذلك جاء قوله سبحانه : ( قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) .
وقيل في قوله : ( أو لم تؤمن ) الهمزة للإيجاب والتقرير وليست للاستفهام . ويشبه ذلك ما قاله الشاعر : ألستم خير من ركب المطايا . فالهمزة هنا غير استفهامية بل للتقرير والتحقيق ، والراجح عندي القول الأول . والله أعلم .
وقوله : ( بلى ولكن ليطمئن قلبي ) يطمئن من الطمأنينة وهي الاعتدال والسكون . نقول : اطمأنت الأعضاء أي اعتدلت وسكنت فلا تريم . يقول النبي ( ص ) في كيفية الصلاة الصحيحة : " ثم اركع حتى تطمئن راجعا " . وأما طمأنينة القلب فهي أن يؤمن إيمانا ليس فيه نقص . وقيل : طمأنينة أن يزداد يقينا مع يقينه .
قوله : ( قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا ) لا حاجة لنا في الوقوف على نوعية الطير المذكور في الآية . والأهم من ذلك جوهر القضية القائمة على المعجزة الربانية من أجل أن يستيقن قلب إبراهيم عليه الصلاة والسلام ويطمئن بعد أن يشهد عيانا عملية الإحياء للموتى . فقد أمره ربه أن يأتي بأربعة أطيار ، وقال له : ( فصرهن إليك ) من الفعل صار يصور والمصدر صور وهو التقطيع . نقول : رأيت صوارا من البقر بالكسر أي قطيعا . وأصار الشيء فانصار بمعنى أماله{[337]} . فالمراد من قوله : ( فصرهن إليك ) أي أملهن إليك ثم اذبحن وقطعن تقطيعا ، ثم ضع على كل جبل قطعة من هذه الأجزاء المقطعة ثم ادعهن ، من الدعاة وهو النداء . أي يقول لهن : تعالين بإذن الله . حتى إذا دعاهن جئن إليه ساعيات مسرعات وقد رد الله إليهن أرواحهن .
وذلك ليشهد إبراهيم عملية الإحياء فيطمئن قلبه أي يزداد إيمانا مع إيمانه وليعلم أن الله جلّت قدرته قادر قوي لا يعز عليه أمر ولا يعجزه شيء وأنه سبحانه وتعالى حكيم فيما يقضي وفيما يفعل ( واعلم أن الله عزيز حكيم ) {[338]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.