{ من أجل ذلك } : أي بسبب ذلك القتل .
{ أو فساد في الأرض } : بحربه لله ورسوله والمؤمنين .
{ ومن أحياها } : قدر على قتلها وهي مستوجبة له فتركها .
{ بالبينات } : الآيات الواضحات حاملة للشرائع والدلائل .
{ لمسرفون } : مكثرون من المعاصي والذنوب .
يقول تعالى : إنه من أجل قبح جريمة القتل وما يترتب عليها من مفاسد ومضار لا يقادر قدرها أوجبنا على بني إسرائيل لكثرة ما شاع بينهم من القتل وسفك الدماء فقد قتلوا الأنبياء والآمرين بالقسط من الناس لأجل هذه الضراوة على القتل فقد قتلوا رسولين زكريا ويحيى وهموا بقتل كل من المرسلين العظيمين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم من أجل ذلك شددنا عليهم في العقوبة إذ من قتل منهم نفساً بغير نفس أي ظلماً وعدواناً . أو قتلها بغير فساد قامت به في الأرض وهو حرب الله ورسوله والمؤمنين فكأنما قتل الناس جميعاً بمعنى يعذب عذاب قتل الناس جميعاً يوم القيامة ومن أحياها بأن استوجبت القتل فعفا عنها وتركها لله إبقاء عليها فكأنما أحيا الناس جميعاً يعني يُعطى أجر من أحيا الناس جميعاً كل هذا شرعه الله تعالى لهم تنفيراً لهم من القتل الذي أصروا عليه ، وترغيباً لهم في العفو الذي جافوه وبعدوا عنه فلم يعرفوه وقوله تعالى : { ولقد جاءتهم رسولهم بالبينات } يخبر تعالى عن حالهم مسلياً رسوله محمداً عما يحمله من همّ منهم وهم الذين تآمروا على قتله أن الشر الذي لازم اليهود والفساد الذي أصبح وصفاً لازماً لهم وخاصة المؤامرات بالقتل وإيقاد نار الحروب لم يكن عن جهل وعدم معرفة منهم لا أبداً بل جاءتهم رسولهم بالآيات البينات والشرائع القويمة والآدب الرفعية ولكنهم قوم بهت متمردون على الشرائع مسرفون في الشر والفساد ولذا فإن كثيراً منهم والله لمسرفون في الشر والفساد ، وبنهاية هذه الآية ومن قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم . . } وهي الآية ( 11 ) انتهى الحديث عن اليهود المتعلق بحادثة همهم بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقد ذكر تسلية لرسول الله وأصحابه ، كما هو تسلية لكل مؤمن يتعرض لمكر اليهود عليهم لعائن الله .
- تأديب الرب تعالى لبني إسرائيل ومع الأسف لم ينتفعوا به .
- فساد بني إسرائيل لم ينشأ عن الجهل وقلة العلم بل كان اتباعاً للأهواء وجريا وراء عارض الدنيا . فلذا غضب الله عليهم ولعنهم لأنهم عالمون .
- بالرغم من تضعيف جزاء الجريمة على اليهود ، ومضاعفة أجر الحسنة له فإنهم أكثر الناس إسرافاً في الشر والفساد في الأرض .
قوله تعالى : { من أجل ذلك كتبنا على بني إسرءيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينت ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون } من أجل ذلك ، أي بسبب هذه النازلة المريعة وهي قتل ابن آدم أخاه ظلما { كتبنا على بني إسرءيل . . . فكأنما قتل الناس جميعا } أي قضينا وشرعنا لهم أن من قتل نفسا بغير سبب من قصاص ، أو لفساد في الأرض موجب لهدر الدم كالشرك أو قطع الطريق { فكأنما قتل الناس جميعا } وتأويل ذلك موضع خلاف وتفصيل نعرض له في عدة وجوه :
الوجه الأول : المقصود المبالغة في تعظيم أمر القتل العمد العدوان وتفخيم شأنه . أي فكما أن قتل كل الناس أمر فظيع ومستعظم ، فكذلك يجب أن يكون قتل الواحد من الناس فظيعا ومستعظما . أي أن المقصود اشتراكهما في البشاعة والفظاعة والاستعظام .
الوجه الثاني : أن الذي يقتل النفس المؤمنة ظلما وعدوانا جعل الله جزاءه جهنم وغضب عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما . وكذا الذي يقتل الناس جميعا لم يزد جزاؤه على ذلك .
الوجه الثالث : المعنى أن من قتل نفسا فيلزمه من القود والقصاص ما يلزم من قتل الناس جميعا .
الوجه الرابع : أن الله جعل إثم قاتل الواحد إثم قاتل الجميع . وقيل : كان هذا الحكم مختصا ببني إسرائيل تغليظا عليهم . وقيل غير ذلك{[937]} .
قوله : { ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا } إحياؤها يراد به استنقاذها من سائر المهالك كالحرق والغرق والإفراط في الجوع والعطش والبرد والحر المفضي إلى الموت . وتأويل إحياء النفس الواحدة بما يكافئ إحياء النفوس جميعا يشبه ما بيناه من أن قتل النفس الواحدة كقتل النفوس جميعا . وجملة ذلك : المبالغة في تعظيم استنقاذ النفس المؤمنة من سائر أسباب الهلكة . وأن من يستنقذ النفس المؤمنة من براثن الموت ليس له من الجزاء ممن يستنقذ الناس جميعا{[938]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.