أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{قُلۡ ءَامِنُواْ بِهِۦٓ أَوۡ لَا تُؤۡمِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهِۦٓ إِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ يَخِرُّونَۤ لِلۡأَذۡقَانِۤ سُجَّدٗاۤ} (107)

شرح الكلمات :

{ أوتوا العلم من قبله } : أي مؤمنوا أهل الكتاب من اليهود والنصارى كعبد الله بن سلام ، وسلمان الفارسي .

{ للأذقان سجداً } : أي سجداً على وجوهم ، ومن سجد على وجهه فقد خر على ذقنه ساجداً .

المعنى :

وقوله تعالى : { قل آمنوا به أو لا تؤمنوا } أي قل يا رسولنا للمنكرين للوحي القرآني من قومك ، آمنوا أو لا تؤمنوا فإن إيمانكم بهد كعدمه لا يغير من واقعه شيئاً فسوف يؤمن به ويسعد عليه غيركم إن لم تؤمنوا أنتم به وهاهم أولاء الذين أوتوا العلم من قبله من علماء أهل الكتابين اليهود والنصارى قد آمنوا به ، يريد أمثال عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي والنجاشي أصحم الحبشي وإنهم { إذا يتلى عليهم } أي يقرأ عليهم { يخرون للأذقان سجداً } أي يخرون ساجدين على أذقانهم ووجوهم ويقولون حال سجودهم .

الهداية :

- تقرير النبوة المحمدية بنزول القرآن وإيمان من آمن به من أهل الكتاب .

- بيان حقيقة السجود وأنه وضع على الأرض .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قُلۡ ءَامِنُواْ بِهِۦٓ أَوۡ لَا تُؤۡمِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهِۦٓ إِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ يَخِرُّونَۤ لِلۡأَذۡقَانِۤ سُجَّدٗاۤ} (107)

فلما طالت الدلائل ، وزالت الشبه ، وعلم أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ، وعلم أن الحظ لمن أقبل ، والخيبة لمن أدبر ، أمره أن يقول منبهاً لهم على ذلك مبكتاً لهم بتقاعسهم عنه وعنادهم فيه بقوله تعالى : { قل آمنوا به } أي القرآن { أو لا تؤمنوا } فالإيمان به غير محتاج إليكم ولا موقوف عليكم لأنكم إن آمنتم به كان الحظ لكم ، وإلا لم تضروا إلا أنفسكم ، وهو احتقار لهم حيث صرف لهم من كل مثل فأبوا إلا كفوراً ، ثم علل ذلك بما يقبل بكل ذي لب إليه ، فإن كان ل " قل " فهو تسلية له صل الله عليه وعلى آله وسلم ، وإن كان لما بعدها فهو تبكيت لهم وتحقير ، فقال تعالى : { إن الذين أوتوا العلم } وبني للمفعول دلالة على أن العلم الرباني - وهو العلم في الحقيقة من أيّ مؤتٍ كان ، حاث على الإيمان بهذا القرآن ، وتنبيهاً على أن من كان يعلم ولا يحمله علمه على الإيمان بهذا الكتاب الذي لا شيء أبين من حقيقته بمصادقته لكتب الأنبياء الذين ثبتت رسالاتهم ومضت عليها الدهور ، واطمأنت بها النفوس ، وزيادته عليها بما أودعه الله من الإعجاز والحكم - فعلمه بلا علم بل هو أجهل الجهلة ، سواء كان ممن سألتموه عني أو من غيرهم - كما سيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في الزمر .

ولما كان المراد أن من اتصف بهذا الوصف ولو زمناً يسيراً نفعه ، أدخل الجار فقال مرغباً في العلم ليحمل على الإيمان بالقرآن : { من قبله } أي قبل إنزاله ممن آمن من بني إسرائيل الذين أمرني الله بسؤالهم تسميعاً لكم وتثبيتاً لكونكم أقبلتم عليهم بالسؤال وجعلتموهم محط الوثوق : { إذا يتلى } أي من أيّ تالٍ كان { عليهم } في وقت من الأوقات ، ينقلهم من حال إلى حال ، فيرقيهم في مدارج القرب ومعارج الكمال ، إلى أعلى الرتب ، بأنهم { يخرون } أي يسقطون بسرعة ؛ وأكد السرعة وأفاد الاختصاص بقوله تعالى : { للأذقان } باللام دون إلى أو على ، دالاً بالأذقان على أنهم من شدة ما يحصل لهم من الخشوع يسقطون سقوط من ليس له اختيار ، وأول ما يلاقي الأرض ممن يسقط كذلك ذقنه ، وهو مجتمع اللحيين من منبت لحيته - فإن الإنسان مجبول بالطبع على صيانة وجهه ، فهو يرفع رأسه فتصير ذقنه وفمه أقرب ما في وجهه إلى الأرض حال السقوط ، ولهذا قال شاعرهم : فخر سريعاً لليدين وللفم .

ثم بين أن ذلك ليس سقوطاً اضطرارياً من كل جهة بقوله تعالى : { سجداً * } أي يفعلون ذلك لما يعلمون من حقيته بما أوتوا من العلم السالف ، وما في قلوبهم من الإذعان ، والخشية للرحمن