البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{قُلۡ ءَامِنُواْ بِهِۦٓ أَوۡ لَا تُؤۡمِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهِۦٓ إِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ يَخِرُّونَۤ لِلۡأَذۡقَانِۤ سُجَّدٗاۤ} (107)

{ قل آمنوا به أو لا تؤمنوا } يتضمن الإعراض عنهم والاحتقار لهم والازدراء بهم وعدم الاكثرات بهم وبإيمانهم وبامتناعهم منه ، وأنهم لم يدخلوا في الإيمان ولم يصدقوا بالقرآن وهم أهل جاهلية وشرك ، فإن خيراً منهم وأفضل هم العلماء الذي قرؤوا الكتاب وعلموا ما الوحي وما الشرائع ، قد آمنوا به وصدقوه وثبت عندهم أنه النبيّ العربي الموعود في كتبهم ، فإذا تُلي عليهم خروا { سُجَّدًا } وسبحواً الله تعظيماً لوعده ولإنجازه ما وعد في الكتب المنزلة وبشر به من بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن عليه ، وهو المراد بالوعد في قوله { إن كان وعد ربنا لمفعولاً } .

و { إن الذين أوتوا العلم من قبله } يجوز أن يكون تعليلاً لقوله { آمنوا به أو لا تؤمنوا } أي إن لم تؤمنوا به فقد آمن به من هو خير منكم ، وأن يكون تعليلاً لقل على سبيل التسلية كأنه قيل { قل } عن إيمان الجاهلية بإيمان العلماء انتهى من كلام الزمخشري ، وفيه بعض تلخيص .

وقال غيره : { قل آمنوا } الآية تحقير للكفار ، وفي ضمنه ضرب من التوعد والمعنى أنكم لستم بحجة فسواء علينا أأمنتم أم كفرتم وإنما ضرر ذلك على أنفسكم ، وإنما الحجة أهل العلم انتهى .

والظاهر أن الضمير في { قل آمنوا به } عائد على القرآن ، و { الذين أوتوا العلم } هم مؤمنو أهل الكتاب .

وقيل : ورقة بن نوفل ، وزيد بن عمرو بن نفيل ومَن جري مجراهما ، فإنهما كانا ممن أوتي العلم واطّلعاً على التوراة والإنجيل ووجدا فيهما صفته عليه الصلاة والسلام .

وقيل : هم جماعة من أهل الكتاب جلسوا وهم على دينهم ، فتذكروا أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه .

وقرئ عليهم منه شيء فخشعوا وسجدوا لله وقالوا : هذا وقت نبوّة المذكور في التوراة وهذه صفته ، ووعد الله به واقع لا محالة ، وجنحوا إلى الإسلام هذا الجنوح فنزلت هذه الآية فيهم .

وقيل : المراد بالذين { أوتوا العلم من قبله } هو محمد صلى الله عليه وسلم ، والظاهر أن الضمير في { من قبله } عائد على القرآن كما عاد عليه في قوله : { به } ويدل عليه ما قبله وما بعده .

وقيل الضمير إن في { به } وفي { من قبله } عائدان على الرسول عليه الصلاة والسلام .

واستأنف ذكر القرآن في قوله { إذا يتلى عليهم } والظاهر في قوله { إذا يتلى عليهم } أن الضمير في { يتلى } عائد على القرآن .

وقيل : هو عائد على التوراة وما فيها من تصديق القرآن ومعرفة النبيّ عليه الصلاة والسلام ، والخرور هو السقوط بسرعة ، ومنه { فخر عليهم السقف } وانتصب { سجداً } على الحال ، والسجود وهو وضع الجبهة على الأرض هو غاية الخرور ونهاية الخضوع ، وأول ما يلقي الأرض حالة السجود الذقن ، أو عبر عن الوجوه بالأذقان كما يعبر عن كل شيء ببعض ما يلاقيه .

وقال الشاعر :

فخروا الأذقان الوجوه تنوشهم . . . ***سباع من الطير العوادي وتنتف

وقيل : أريد حقيقة الأذقان لأن ذلك غاية التواضع وكان سجودهم كذلك .

وقال ابن عباس : المعنى للوجوه .

وقال الزمخشري : فإن قلت : حرف الاستعلاء ظاهر المعنى إذا قلت خر على وجهه وعلى ذقنه فما معنى اللام في خر لذقنه ؟ قال :

فخر صريعاً لليدين وللفم . . .

قلت : معناه جعل ذقنه ووجهه للخرور ، واختصه به لأن اللام للاختصاص انتهى .