أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{يَسۡـَٔلُكَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيۡهِمۡ كِتَٰبٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِۚ فَقَدۡ سَأَلُواْ مُوسَىٰٓ أَكۡبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ بِظُلۡمِهِمۡۚ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَعَفَوۡنَا عَن ذَٰلِكَۚ وَءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا} (153)

شرح الكلمات :

{ جهرة } : عيانا نشاهده ونراه بأبصارنا .

{ الصاعقة } : صوت حاد ورجفة عنيفة صعقوا بها .

{ بظلمهم } : بسبب ظلمهم بطلبهم ما لا ينبغي .

{ اتخذوا العجل } : أي إلها فعبدوه .

{ فعفونا عن ذلك } : أي لم يؤاخذهم به .

{ سلطاناً مبيناً } : حجة واضحة وقدرة كاملة قهر بها أعداءه .

المعنى :

لما نعى الربّ تعالى عن أهل الكتاب قولهم نؤمن ببعض الرسل ونكفر ببعض حيث آمن اليهود بموسى وكفروا بعيسى وآمن النصارى بعيسى وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم كما كفر به اليهود أيضاً ذكر تعالى لرسوله أن اليهود إذا سألوا أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فلا تعجب من قولهم ولا تحفل به إذ هذه سنتهم وهذا دأبهم ، فإنهم قد سألوا موسى قبلك أعظم من هذا فقالوا له أرنا الله جهرة فأغضبوا الله تعالى فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون واتخذوا العجل إلهاً يعبدونه في غياب موسى عليهم ، وكان ذلك منهم بعد مشاهداتهم البيّنات حيث فلق الله لهم البحر وأنجاهم وأغرق عدوهم ومع هذا فقد عفا الله عنهم ، وآتى نبيهم سلطانا مبيناً ، ولم يؤثر ذلك في طباعهم هذا ما تضمنته الآية الأولى ( 153 ) وهي قوله تعالى { يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البيّنات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطاناً مبيناً } .

الهداية :

من الهداية :

- تعنت أهل الكتاب إزاء الدعوة الإِسلامية وكفرهم بها على علم أنها دعوة حق .

- بيان قبائح اليهود وخبثهم الملازم لهم طوال حياتهم .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَسۡـَٔلُكَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيۡهِمۡ كِتَٰبٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِۚ فَقَدۡ سَأَلُواْ مُوسَىٰٓ أَكۡبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ بِظُلۡمِهِمۡۚ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَعَفَوۡنَا عَن ذَٰلِكَۚ وَءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا} (153)

ولما أخبر تعالى بما على{[23200]} المفرقين بين الله ورسله وما لأضدادهم أتبعه بعض ما أرادوا به الفرقة ، وذلك أن كعب بن الأشرف وفنحاص{[23201]} بن عازورا من اليهود قالا كذباً : إن كنت نبياً فأتنا بكتاب{[23202]} جملة من السماء نعاينه حين ينزل - كما أتى موسى عليه الصلاة والسلام بكتابه كذلك{[23203]} ، فأنزل الله تعالى موبخاً لهم على هذا الكذب مشيراً إلى كذبهم فيه موهياً لسؤالهم محذراً من غوائله مبيناً لكفرهم بالله ورسله : { يسألك } .

ولما كانت هذه من أعظم شبههم التي أضلوا بها من أراد الله{[23204]} ، وذلك أنهم رأوا أن هذا الكتاب المبين أعظم المعجزات ، وأن العرب لم يمكنهم{[23205]} الطعن فيه على وجه يمكن قبوله ، فوجهوا مكايدهم نحوه بهذه الشبهة ونحوها ، زيفها سبحانه وتعالى أتم تزييف ، وفضحهم بسببها غاية الفضيحة ، وزاد سبحانه في تبكيتهم بقوله : { أهل الكتاب } إشارة إلى أن العالم ينبغي له أن يكون أبعد الناس من التمويه فضلاً عن الكذب الصريح { أن تنزل عليهم } أي خاصاً بهم بإثبات أسمائهم { كتاباً من السماء } ؛ وما أوهموا به في قولهم هذا من أن موسى عليه الصلاة والسلام أتى بالتوراة جملة كذبة تلقفها{[23206]} منهم من أراد الله تعالى {[23207]}من أهل الإسلام{[23208]} ، ظناً منهم أن الله تبارك وتعالى أقرهم عليها وليس كذلك - كما يفهمه السياق كله{[23209]} ، ويأتي ما هو كالصريح فيه في قوله : { إنا أوحينا إليك } - الآية كما سيأتي بيانه ، واليهود الآن معترفون بأنها لم تنزل{[23210]} جملة ، وقال الكلبي في قصة البقرة التي ذبحوها لأجل القتيل الذي تداروا فيه : وذلك قبل نزول القسامة في التوراة .

ولما كان هذا مما يستعظمه النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى ذلك مبيناً تسلية له صلى الله عليه وسلم أن عادتهم التعنت ، وديدنهم {[23211]}الكفر وأنهم أغرق الناس في غلظ الأكباد وجلافة الطبائع ، وأن أوائلهم تعنتوا على من يدعون الإيمان به الآن ، وأنهم على شريعته ، {[23212]}وأحب شيء فيه ما أراهم من تلك الآيات العظام التي منها استنقاذهم{[23213]} من العبودية بل من الذبح وأن ذلك تكرر منهم مع ما يشاهدونه{[23214]} من القوارع والعفو فقال : { فقد } أي إن تستعظم{[23215]} ذلك فقد { سألوا } أي{[23216]} آباؤهم ، {[23217]}أي وهم{[23218]} على نهجهم{[23219]} في التعنت فهم شركاؤهم { موسى } لغير داع سوى التعنت { أكبر } أي أعظم { من ذلك } أي الأمر العظيم الذي واجهوك به بعد ما ظهرت من المعجزات ما أوجبنا على كل من{[23220]} علمها الإيمان بك والتأديب معك ، ثم بينه بقوله : { فقالوا أرنا الله } أي الملك الأعلى الذي لا شبيه{[23221]} له ، وتقصر العقول عن الإحاطة بعظمته { جهرة } أي عياناً من غير ستر ولا حجاب ولا نوع من خفاء بل تحيط به أبصارنا كما يحيط السمع بالقول الجهر ، وهذا يدل على أن كلاً من السؤالين ممنوع لكونه ظلماً ، لأدائه إلى الاستخفاف بما نقدمه من المعجزات ، وعده غير كاف مع أن إنزا الكتاب جملة غير مناسب للحكمة التي بنيت عليها هذه الدار من ربط المسببات{[23222]} بالأسباب وبنائها عليها ، لأن من المعلوم أن تفريق الأوامر سبب لخفة حملها ، وذلك أدعى لامتثالها وايسر لحفظها وأعون على فهمها ، وأعظم تثبيتاً{[23223]} للمنزل عليه وأشرح لصدره وأقوى لقلبه وأبعث لشوقه ، والرؤية على هذا الوجه الذي طلبوه{[23224]} - وهو الإحاطة - محال فسؤالهم لذلك استخفاف مع أنه تعنت ، ولذلك سبب عن سؤالهم قوله : { فأخذتهم } أي عقب هذا السؤال وبسببه من غير إمهال أخذ قهر وغلبة { الصاعقة } أي نار نزلت من السماء بصوت عظيم هو جدير بأن لا يسمى غيره - إذا نسب{[23225]} إليه - صاعقة ، فأهلكتهم { بظلمهم } أي بسبب ظلمهم بهذا السؤال وغيره ، لكونه تعنتاً من غير مقتض له أصلاً ، وبطلب الرؤية على وجه محال وهو طلب الإحاطة { ثم } بعد العفو عنهم وإحيائهم من إماتة هذه الصاعقة { اتخذوا العجل } أي تكلفوا أخذه وعتوا أنفسهم باصطناعه .

ولما كان الضال بعد فرط البيان أجدر بالتبكيت قال : { من بعد } وأدخل الجار إعلاماً بأن اتخاذهم لم يستغرق زمان {[23226]}البعد ، بل تابوا{[23227]} عنه { ما جاءتهم البينات } أي بهذا الإحياء وغيره من المعجزات { فعفونا } أي على ما لنا من العظمة { عن ذلك } أي الذنب العظيم بتوبتنا عليهم من غير استئصال لهم{[23228]} { وآتينا } أي بعظمتنا التي لا تدانيها عظمة { موسى سلطاناً } أي تسلطاًَ{[23229]} واستيلاء قاهراً { مبيناً * } أي ظاهراً فإنه أمرهم بقتل أنفسهم فبادروا الامتثال بعد ما ارتكبوا من عظيم هذا الضلال ، وفي رمز ظاهر إلى أنه سبحانه وتعالى يسلط محمداً صلى الله عليه وسلم على كل من يعانده أعظم من هذا التسليط .


[23200]:في ظ: علل.
[23201]:من مد والكشاف 236، وفي الأصل: فحاص، وفي ظ: تخاص ـ كذا.
[23202]:من ظ ومد، وفي الأصل: لكتاب.
[23203]:في ظ: لذلك.
[23204]:سقط من ظ.
[23205]:من ظ ومد، وفي الأصل: لم يتمكنهم.
[23206]:أي تناولها.
[23207]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[23208]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[23209]:سقط من ظ.
[23210]:من ظ ومد، وفي الأصل: لم ينزل.
[23211]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[23212]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[23213]:وسقطت من هنا صفحتان من مد.
[23214]:في ظ: يشاهدون.
[23215]:في ظ: استعظم.
[23216]:زيد من ظ.
[23217]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[23218]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[23219]:زيد من ظ.
[23220]:من ظ، وفي الأصل: شيء ـ كذا.
[23221]:في الأصل: سبب، وفي ظ: سببه ـ كذا.
[23222]:في ظ: المسباب ـ كذا.
[23223]:في ظ: تثبتا.
[23224]:من ظ: وفي الأصل: طلبوها.
[23225]:من ظ، وفي الأصل: انسب.
[23226]:في ظ: التعديل تابوا ـ كذا.
[23227]:في ظ: التعديل تابوا ـ كذا.
[23228]:سقط من ظ.
[23229]:من ظ، وفي الأصل: تسليطا.