أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (6)

شرح الكلمات :

{ إذا قمتم إلى الصلاة } : أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون أي على غير وضوء .

{ فاغسلوا وجوهكم } : أي بعد غسل الكفين ثلاثاً والمضمضة والاستنشاق والاستنثار ثلاثاً ثلاثاً لبيان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك .

{ وأرجلكم إلى الكعبين } : أي واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين إلا أن يكون عليها خف ساتر فإنه يجوز المسح عليه دون حاجة إلى نزعه وغسل الرجلين ، وذلك إن لبسه بعد وضوء ولم يمض على لبسه أكثر من يوم وليلة إن كان مقيماً ، أو ثلاثة أيام إن كان مسافراً بهذا جاءت السنة .

{ وإن كنتم جنباً } : الجنب من قامت به جنابة وهي شيئآن : غياب رأس الذكر في الفرج ، وخروج المنى بلذة في نوم أو يقظة .

{ فاطهروا } : يعني فاغتسلوا ، والغسل هو غسل سائر الجسد بالماء .

{ الغائط } : كناية عن الخارج من أحد السبيلين من عذرة أو فساء أو ضراط ، أو بول أو مذى .

{ أو لامستم النساء } : ملامسة النساء كناية عن الجماع ، كما أن من لامس امرأة ليتلذذ بها أو لامسها لغير قصد اللذة ووجد اللذة فقد انتقض وضوءه ومن هذا مس الفرج باليد لأنه مظنة اللذة لذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم " من أفضى منكم بيده إلى فرجه فليتأوضأ " .

{ فتيمموا صعيداً } : اقصدا تراباً أو حجراً أو رملاً أو سبخة مما صعد على وجه الأرض .

{ الحرج } : المشقة والعسر والضيق .

المعنى :

نادى الرب تعالى عباده المؤمنين به وبرسوله ووعده ووعيده ليأمرهم بالطهارة إذا هم أرادوا الصلاة وهي مناجاة العبد لربه لحديث المصلي يناجي ربه ، وبين لهم الطهارة الصغرى منها وهي الوضوء ، والكبرى وهي الغسل ، وبين لهم ما ينوب عنهما إذا تعذر وجود الماء الذي به الطهارة أو عجزوا استعماله وهو التيمم فقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغتسلوا وجوهكم } وحدُّ الوجه طولاً من منبت الشعر أعلى الجبهة إلى منتهى الذقن أسفل الوجه وحده عرضاً من وتد الأذن اليمنى إلى وتد الأذن اليسرى { وأيديكم إلى المرافق } فيشمل الغسل الكفين والذراعين إلى بداية العضدين فيدخل في الغسل المرفقان { وامسحوا برؤوسكم } واللفظ محتمل للكل والبعض والسنة بينت أن الماسح يقبل بيديه ويدبر بهما فيمسح جميع رأسه وهو أكل وذلك ببل يكون في كفيه ، كما بينت السنة مسح الأذنين ظاهراً وباطناً بعد مسح الرأس { وأرجلكم إلى الكعبين } أي واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين وهما العظمان الناتئان عند بداية الساق ، وبينت السنة رخصة المسح عل الخفين بدلاً من غسل الرجلين ، كما بينت غسل الكفين والمضمضة والاستنشاق والاستنثار ، وكون الغسل ثلاثاً ثلاثاً على وجه الاستحباب ، وقول بسم الله عند الشروع أي البدء في الوضوء .

كما بينت السنة وجوب الترتيب بين الأعضاء المغسولة الأولى فالأولى ، ووجوب الفور بحيث لا يفصل بزمن بين أعضاء الوضوء حال غسلها بل يفعلها في وقت واحد إن أمكن ذلك وأكدت وجوب النية حتى لكأنه شرط في صحة الوضوء وقال تعالى : { وإن كنتم جنباً فاطهروا } أي وإن أصبت أحدكم جنابة وهي الجماع والاحتلام فمن جامع زوجته فأولج ذكره في فرجها ولو لم ينزل أي لم يخرج منه المنىّ فقد أجنب كما أن من احتلم فخرج منه منىّ فقد أجنب بل كلّ من خرج منه منيّّ بلذة في نوم أو يقظة فقد أجنب وانقطاع دم حيض المرأة ودم نفاسها كالجنابة يجب منه الغسل ، وقوله { فاطهروا } يريد فاغتسلوا وقد بينت السنة كيفية الغسل وهي ينوي المرء رفع الحدث الأكبر بقلبه ويغسل كفيه قائلاً بسم الله ويغسل فرجيه وما حولها ، ثم ينوي المرء رفع الحدث الأصغر المعروف ، ثم يخلل أصول شعر رأسه ببلل يديه ، ثم يغسل رأسه ثلاث مرات ، ثم يقبض الماء على شق جسده الأيمن كله من أعلاه إلى أسفله ، ثم الأيسر ، ويتعاهد الأماكن التي قد ينبوا عنها الماء فلا يمسها كالسرة وتحت الإبطين ، والرفقين وهما أصل الفخذين ، وقوله تعالى : { وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء } ذكر تعالى في هذه الجملة الكريمة نواقض الوضوء وموجب الانتقال منه إلى التيمم فقال : { وإن كنتم مرضى } فالمريض قد يعجز عن الوضوء لضعف جسمه بعدم القدرة على التحرك ، وقد تكون به جراحات أو دماميل يتعذر معها استعمال الماء حيث يزداد المرض بمس الماء ، وقوله { أو على سفر } إذ السفر مظنة عدم وجود الماء هذه موجبات الانتقال من الوضوء إلى التيمم ، وقوله عز وجل : { أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء } .

ذكر في الجملة الأولى نواقض الوضوء إجمالاً وهو الخارج من السبيلين من عذرة وفساء وضراط وبول ومذي كنى عنه بقوله : { أو جاء أحد منكم الغائط } وهو مكان التغوط والتبول وذكر موجب الغسل وهو الجماع وكنىّ عنه بالملامسة تعليماً لعباده المؤمنين الآداب الرفيعة في مخاطباتهم ، وقوله : { فلم تجدوا ماء } للوضوء أو الغسل بعد أن طلبتموه فلم تجدوه فتيمموا ، اقصدوا من أمَّ الشيء إذا قصده صعيداً طيباً يريد ما صعد على وجه الأرض من أجزائها كالتراب والرمل والسبخة والحجارة وقوله : { طيباً } يريد به طاهراً من النجاسة والقذر ، وقوله : { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } بين فيه كيفية التيمم ، وهي أن يقصد المرء التراب الطاهر وإن تعذر ذلك فما تيسر له من أجزاء الأرض فيضرب بكفيه الأرض فيمسح بهما وجهه وكفيه ظاهراً وباطناً مرة واحدة وقوله تعالى : { منه } أي من ذلك الصعيد وبهذا بين تعالى كيفية التيمم وهي التي علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر رضي الله عنه وقوله تعالى : { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } يخبر تعالى أنه يأمرنا بالطهارة بقسميها الصغرى وهي الوضوء والكبرى وهي الغسل ، وما ينوب عنهما عند العجز وهو التيمم ، ما يريد بذلك إيقاعنا في الضيق والعنت ، ولكنه تعالى يريد بذلك تطهيرنا من الأحداث والذنوب ، لأن الوضوء كفارة لذنب المتوضىء كما جاء بيانه في السنة وهو قوله تعالى : { ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم } أي بهدايتكم إلى الإِسلام وتعليمكم شرائعه فيعدكم بذلك لشكره وهو طاعته بالعمل بما جاء به الإِسلام من الأعمال الباطنة والظاهرة وهو معنى قوله { لعلكم تشكرون } .

هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( 6 ) .

الهداية

من الهداية :

- الأمر بالطهارة وبيان كيفية الوضوء وكيفية الغسل ، وكيفية التيمم .

- بيان الأعذار الناقلة للمؤمن من الوضوء إلى التيمم .

- بيان موجبات الوضوء والغسل .

- الشكر هو العلة الإِنعام .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (6)

فلما أتم ما ألزمه نفسه الأقدس من عهد الربوبية فضلاً منه ، أتبعه الأمر بالوفاء بعهد العبودية ، وقدم منه{[24403]} الصلاة لأنها أشرفه بعد الإيمان ، وقدم الوضوء لأنه شرطها فقال : { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا به{[24404]} ! صدقوه بأنكم{[24405]} { إذا } عبر بأداة التحقيق بشارة{[24406]} بأن الأمة مطيعة { قمتم } أي بالقوة ، وهي العزم الثابت على القيام الذي هو سبب القيام { إلى الصلاة } أي جنسها محدثين ، لما بينه النبي صلى الله عليه وسلم بجمعه{[24407]} بعده صلوات بوضوء واحد وإن كان التجديد أكمل ، وخصت الصلاة ومس المصحف من بين الأعمال بالأمر بالوضوء تشريفاً لهما{[24408]} ويزيد حمل{[24409]} الإيمان على الصلاة حسناً تقدم قوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم }[ المائدة : 3 ] الثابت أنها نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم بعد عصر يوم عرفة والنبي صلى الله عليه وسلم على ناقته يخطب ، وكان من خطبته في ذلك الوقت أو{[24410]} في يوم النحر أو{[24411]} في كليهما : " ألا إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب{[24412]} ، ولكن في التحريش بينهم " رواه أحمد ومسلم في صفة القيامة والترمذي عن جابر رضي الله عنه ، فقوله " المصلون " إشارة إلى أن الماحي للشرك هو الصلاة ، فما دامت قائمة فهو زائل ، ومتى زالت والعياذ بالله - رجع ، وإلى ذلك يشير ما رواه مسلم في صحيحه وأصحاب السنن الأربعة عن جابر رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " بين العبد والكفر ترك الصلاة " وللأربعة وابن حبان في صحيحه والحاكم عن بريدة رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الذي{[24413]} بيننا وبينهم الصلاة ، فمن تركها فقد{[24414]} كفر{[24415]} " ولأبي يعلى بسند ضعيف عن أنس رضي الله عنه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أول ما افترض الله على الناس من دينهم الصلاة ، وآخر ما يبقى الصلاة " . ولما كان الوضوء في سورة النساء إنما هو على سبيل الإشارة إجمالاً ، صرح به هنا على سبيل الأمر وفصله ، فقال مجيباً للشرط إعلاماً بأن الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة ، لأن{[24416]} المعلق على الشيء بحرف الشرط يعدم عند عدم الشرط : { فاغسلوا } أي لأجل إرادة الصلاة ، ومن هنا يعلم{[24417]} وجوب النية ، لأن فعل العاقل لا يكون إلا مقصوداً ، وفعل المأمور به لأجل الأمر هو النية { وجوهكم }{[24418]} وحدّ الوجه منابت شعر الرأس ومنتهى الذقن طولاً وما بين الأذنين عرضاً ، وليس منه داخل العين وإن كان مأخوذاً من المواجهة ، لأنه من الحرج ، وكذا إيصال الماء إلى البشرة إذا كثفت اللحية خفف للحرج واكتفى عنه{[24419]} بظاهر اللحية ، وأما العنفقة ونحوها من الشعر الخفيف فيجب { وأيديكم } .

ولما كانت اليد تطلق على ما بين المنكب ورؤوس الأصابع ، قال مبيناً إن ابتداء الغسل يكون من الكفين ، لأنهما لعظم النفع أولى بالاسم : { إلى المرافق } أي آخرها ، أخذاً من بيان النبي صلى الله عليه وسلم بفعله ، فإنه كان يدير الماء على مرفقيه ، وإنما كان{[24420]} الاعتماد على{[24421]} البيان لأن الغاية تارة تدخل كقوله{[24422]} تعالى{ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى{[24423]} }[ الإسراء : 1 ] وتارة لا تدخل كقوله{[24424]} تعالى

{ ثم أتموا الصيام إلى اللّيل{[24425]} }[ البقرة : 187 ] والمرفق ملتقى العظمين ، وعفي عما فوق ذلك تخفيفاً { وامسحوا } ولما عدل عن تعدية الفعل إلى الرأس ، فلم يفعل كما فعل في الغسل مع الوجه ، بل أتى بالباء فقال : { برءوسكم } علم أن المراد إيجاد ما يسمى مسحاً في أي موضع كان من الرأس ، دون خصوص التعميم وهو معنى قول الكشاف : المراد إلصاق المسح بالرأس ، وماسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح .

ولما كان غسل الرجل مظنة الإسراف فكان مأموراً بالاقتصاد فيه ، وكان المسح على الخف سائغاً كافياً ، قرىء : { وأرجلكم } بالجر على المجاورة{[24426]} إشارة إلى ذلك أو لأن الغاسل يدلك في الأغلب ، قال في القاموس : المسح كالمنع : إمرار اليد على الشيء السائل . فيكون في ذلك إشارة أيضاً إلى استحباب الدلك ، والقرينة الدالة على استعمال هذا المشترك في أحد المعنيين قراءة النصب وبيان النبي صلى الله عليه وسلم ، ومر استعماله فيه{[24427]} وفيه الإشارة إلى الرفق{[24428]} بالنصب على الأصل .

ولما كانت الرجل من موضع الانشعاب{[24429]} من الأسفل إلى آخرها ، خص بقوله دالاً بالغاية على أن المراد الغسل - كما مضى في المرافق ، لأن المسح{[24430]} لم يرد فيه غاية في الشريعة و{[24431]} على أن{[24432]} ابتداء الغسل يكون من رؤوس الأصابع ، لأن القدم بعظم{[24433]} نفعه أولى باسم الرجل : { إلى{[24434]} الكعبين } وهما العظمان الناتيان عند مفصل الساق والقدم ، وثنى إشارة إلى أن لكل رجل كعبين ، ولو قيل : إلى الكعاب ، لفهم أن الواجب كعب واحد من كل رجل - كما ذكره الزركشي في مقابلة الجمع بالجمع من حرف الميم من قواعده ، والفصل بالمسح بين{[24435]} المغسولات معلم بوجوب الترتيب ، لأن عادة العرب - كما نقله الشيخ محيي الدين النووي في شرح المهذب عن الأصحاب - أنها لا تفعل ذلك إلاّ للإعلام بالترتيب ، وقال غيره معللاً لما ألزمته العرب : ترك التمييز بين النوعين بذكر كل منهما على حدته مستهجن{[24436]} في الكلام البليغ لغير فائدة ، فوجب تنزيه كلام الله عنه أيضاً ، فدلالة الآية على وجوب البداءة بالوجه مما لا مدفع له لترتيبها له بالحراسة على الشرط بالفاء{[24437]} ، وذلك مقتضٍ لوجوب الترتيب في الباقي إذ لا قائل بالوجوب بالبعض دون البعض ، ولعل تكرير الأمر بالغسل والتيمم للاهتمام بهما ، وللتذكير{[24438]} بالنعمة في التوسعة بالتيمم ، وأن حكمه باقٍ عند أمنهم وسعتهم كراهة أن يظن{[24439]} أنه إنما كان عند خوفهم وقلتهم وضيق التبسط{[24440]} في الأرض ، لظهور الكفار وغلبتهم ، كما كانت المتعة تباح تارة وتمنع أخرى نظراً إلى الحاجة وفقدها ، وللإشارة إلى أنه من خصائص هذه الأمة ، والإعلام بأنه لم يُرد به ولا بشيء من المأمورات والمنهيات قبله الحرج ، وإنما أراد طهارة الباطن والظاهر من أدناس الذنوب وأوضار الخلائق السالفة{[24441]} ، فقال تعالى معبراً بأداة الشك إشارة إلى أنه قد يقع و{[24442]} قد لا يقع{[24443]} وهو نادر{[24444]} على تقدير{[24445]} وقوعه ، عاطفاً على ما تقديره : هذا إن كنتم محدثين حدثاً أصغر : { وإن كنتم }{[24446]} أي حال القصد للصلاة { جنباً } أي ممنين باحتلام أو غيره { فاطهروا } أي بالغسل إن كنتم خالين عن عذر لجميع البدن ، لأنه أطلق ولم يخص ببعض الأعضاء كما في الوضوء .

ولما أتم أمر الطهارة عزيمة بالماء من الغسل والوضوء ، وبدأ بالوضوء لعمومه ، ذكر الطهارة رخصة بالتراب ، فقال معبراً بأداة الشك إشارة إلى أن الرخاء أكثر من الشدة : { وإن كنتم{[24447]} مرضى } أي بجراح أو غيره ، فلم تجدوا ماء حساً أو{[24448]} معنى بعدم القدرة على استعماله وأنتم جنب{[24449]} { أو على سفر } طويل أو قصير كذلك ، ولما ذكر الأكبر أتبعه الأصغر فقال{[24450]} { أو جاء أحد منكم } وهو غير جنب { من الغائط } أي الموضع المطمئن من الأرض وهو أي{[24451]} مكان التخلي ، أي قضيتم حاجة الإنسان التي لا بد له{[24452]} منها ، وينزه الكتاب عن التصريح بها لأنها من النقائص المذكِّرة{[24453]} له بشديد عجزه وعظيم ضرورته{[24454]} وفقره{[24455]} ليكف من إعجابه وكبره وترفعه وفجره . كما ورد أن بعض الأمراء لقي{[24456]} بعض البله في طريق{[24457]} فلم يفسح له ، فغضب وقال : كأنك ما تعرفني ؟ فقال بلى والله ! إني لأعرفك ، أولك{[24458]} نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة ، وأنت فيما بين{[24459]} ذلك تحمل العذرة{[24460]} .

ولما ذكر ما يخص الأصغر ذكر ما{[24461]} يعم الأكبر فقال : { أو لامستم النساء } أي بالذكر أو غيره أمنيتم أولا { فلم تجدوا ماء } أي حساً أو معنى بالعجز عن{[24462]} استعماله للمرض{[24463]} بجرح أو غيره { فتيمموا } أي اقصدوا{[24464]} قصداً متعمداً { صعيداً } أي تراباً { طيباً } أي طهوراً خالصاً { فامسحوا } .

ولما كان التراب لكثافته لا يصل إلى ما يصل إليه الماء بلطافته ، قصَّر الفعل وعدَّاه بالحرف إشارة إلى الاكتفاء بمرة والعفو عن المبالغة ، وبينت السنة{[24465]} أن المراد جميع العضو ، فقال : { بوجوهكم وأيديكم منه } أي حال النية التي هي القصد الذي هو التيمم ، ثم أشار لهم إلى حكمته سبحانه في هذه الرخصة فقال مستأنفاً : { ما يريد الله } أي الغنى الغنى{[24466]} المطلق { ليجعل عليكم }{[24467]} وأغرق{[24468]} في النفي بقوله : { من حرج } أي ضيق علماً منه بضعفكم ، فسهل عليكم ما كان عسره على من كان{[24469]} قبلكم ، وإكراماً لكم لأجل نبيكم صلى الله عليه وسلم ، فلم يأمركم إلا بما يسهل عليكم ليقل عاصيكم { ولكن يريد ليطهركم } أي ظاهراً وباطناً بالماء والتراب وبامتثال الأمر على ما{[24470]} شرعه سبحانه ، عقلتم معناه أو لا ، مع تسهيل الأوامر والنواهي{[24471]} لكيلا يوقعكم التشديد{[24472]} في المعصية التي هي رجس الباطن { وليتم نعمته } أي في التخفيف في{[24473]} العزائم ثم في الرخص ، وفي وعدكم بالأجور على ما شرع لكم من الأفعال { عليكم } لأجل تسهيلها ، ليكون فعلكم لها واستحقاقكم لما رتب عليها من الأجر مقطوعاً به ، إلا لمن لج طبعه في العوج ، وتمادى في الغواية والجهل والبطر { لعلكم{[24474]} تشكرون * } أي و{[24475]} فعل ذلك كله .

هذا{[24476]} التسهيل وغيره ليكون حالكم لما سهل عليكم حال من يرجى صرفه لنعم ربه عليه{[24477]} في طاعته{[24478]} المسهلة له{[24479]} المحببة إليه ، روى البخاري في التفسير وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت : " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم{[24480]} في بعض أسفاره ، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي ، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم{[24481]} على التماسه ، وأقام الناس معه ، وليسوا على ماء وليس معهم ماء . وفي رواية : سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون{[24482]} المدينة ، فأناخ النبي صلى الله عليه وسلم ونزل ، فثنى رأسه في حجري راقداً . فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا : ألا ترى ما صنعت عائشة ؟ فجاء أبو بكر{[24483]} فلكزني لكزة شديدة وقال : حبست النبي صلى الله عليه وسلم في قلادة ، فبى{[24484]} الموت لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أوجعني ، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد ، فنزلت { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة } [ المائدة : 6 ] ، وفي رواية : فأنزل الله آية التيمم { فتيمموا } فقال أسيد بن حضير{[24485]} : لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر !{[24486]} ما أنتم إلا بركة لهم ، وفي رواية : ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر{[24487]} ، قالت : فبعثنا{[24488]} البعير الذي كنت عليه فإذا العقد تحته{[24489]} " وفي رواية له عنها في النكاح أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناساً{[24490]} من أصحابه في طلبها ، فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء ، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم شكوا ذلك إليه فنزلت آية التيمم ، فقال أسيد بن حضير : جزاك الله خيراً ! فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجاً ، وجعل للمسلمين{[24491]} فيه بركة " وهذا الحديث يدل على أن هذه الآية نزلت قبل آية النساء ، فكانت تلك نزلت بعد ذلك لتأكيد هذا الحكم ومزيد الامتنان به ، لما فيه من عظيم اليسر وليحصل في التيمم من الجنابة نص خاص ، فيكون ذلك أفخم لشأنها وأدل على الاهتمام به{[24492]} .


[24403]:سقط من ظ.
[24404]:سقط من ظ.
[24405]:زيد من ظ.
[24406]:زيد من ظ.
[24407]:من ظ، وفي الأصل: بجميعه.
[24408]:زيد من ظ.
[24409]:سقط من ظ.
[24410]:من ظ، وفي الأصل "و".
[24411]:من ظ، وفي الأصل "و".
[24412]:سقط من ظ.
[24413]:سقط كم ظ.
[24414]:سقط من ظ.
[24415]:تكرر بعده في ظ: فمن تركها فقد كفر.
[24416]:من ظ، وفي الأصل: لا.
[24417]:من ظ، وفي الأصل: تعلم.
[24418]:العبارة من هنا إلى " الخفيف فيجب" تأخرت في الأصل عن " ملتقى العظمين".
[24419]:سقط من ظ.
[24420]:في ظ: على اعتماد.
[24421]:في ظ: على اعتماد.
[24422]:في ظ: لقوله.
[24423]:سورة 18 آية 1.
[24424]:في ظ: لقوله.
[24425]:سورة 2 آية 187.
[24426]:في ظ: المجاوزة.
[24427]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[24428]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[24429]:في ظ: أشعاب.
[24430]:في ظ: المراد.
[24431]:سقط من ظ.
[24432]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[24433]:من ظ، وفي الأصل: العظم.
[24434]:زيد من ظ والقرآن الكريم.
[24435]:سقط من ظ.
[24436]:في ظ: مهجين- كذا.
[24437]:سقط من ظ.
[24438]:في ظ: التذكير.
[24439]:في ظ: تظن.
[24440]:في ظ: البسط.
[24441]:في ظ: السافلة
[24442]:في ظ: قد يقع.
[24443]:في ظ: قد يقع.
[24444]:في ظ: قادر.
[24445]:في ظ: تقديره، والعبارة من بعده إلى "ما تقديره" ساقطة منه.
[24446]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24447]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24448]:من ظ، وفي الأصل "و".
[24449]:في ظ: جنبا.
[24450]:في ظ: جنبا.
[24451]:زيد من ظ.
[24452]:سقط من ظ.
[24453]:في الأصل و ظ : المذكورة.
[24454]:في ظ: سورته.
[24455]:من ظ، وفي الأصل: فقر.
[24456]:في ظ: ألقى.
[24457]:في ظ: الطريق.
[24458]:في ظ: تلك.
[24459]:سقط من ظ.
[24460]:هي الغائط وأردأ ما يخرج من الطعام.
[24461]:في ظ: بما.
[24462]:من ظ، وفي الأصل: من.
[24463]:في ظ: للمريض.
[24464]:سقط من ظ.
[24465]:من ظ، وفي الأصل: بالسنة.
[24466]:سقط من ظ.
[24467]:في ظ: أو عرف.
[24468]:في ظ: أو عرف.
[24469]:زيد من ظ.
[24470]:زيد من ظ.
[24471]:في ظ: ليلا يوقعكم الشديد.
[24472]:في ظ: ليلا يوقعكم الشديد.
[24473]:في ظ "و".
[24474]:في الأصل و ظ: ولعلكم، والتصحيح من القرآن الكريم.
[24475]:سقط من ظ.
[24476]:في ظ: في.
[24477]:في ظ: عليكم.
[24478]:في ظ: يشتمله- كذا.
[24479]:في ظ: يشتمله- كذا.
[24480]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24481]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24482]:زيد في ظ: في.
[24483]:من ظ، وفي الأصل: أبا بكر.
[24484]:من صحيح البخاري، وفي الأصل: فهي، وفي ظ: فمتى.
[24485]:من الصحيح، وفي الأصل و ظ: الحضير.
[24486]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24487]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24488]:في ظ: فبعث.
[24489]:من الصحيح، وفي الأصل: بحجته، وفي ظ: بمنه- كذا.
[24490]:من ظ والصحيح، وفي الأصل: ناس.
[24491]:من ظ والصحيح، وفي الأصل: للمسكين.
[24492]:زيد من ظ.