أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ وَٱلۡمَوۡقُوذَةُ وَٱلۡمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسۡتَقۡسِمُواْ بِٱلۡأَزۡلَٰمِۚ ذَٰلِكُمۡ فِسۡقٌۗ ٱلۡيَوۡمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ فِي مَخۡمَصَةٍ غَيۡرَ مُتَجَانِفٖ لِّإِثۡمٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (3)

شرح الكلمات :

{ الميتة } : ما مات من بهيمة الأنعام حتف أنفه أي بدون تذكية .

{ وما أهل لغير الله به } : أي ما ذكر عليه اسم غير اسم الله تعالى مثل المسيح ، أو الولي ، أو صنم .

{ المنخنقة } : أي بحبل ونحوه فماتت .

{ الموقوذة } : أي المضروبة بعصا أو حجر فماتت به .

{ المترديّة } : الساقطة من عال إلى أسفل مثل السطح والجدار والجبل فماتت .

{ النطيحة } : ما ماتت بسبب نطح أختها لها بقرونها أو رأسها .

{ وما أكل السبع } : أي ما أكلها الذئب وغيره من الحيوانات المفترسة .

{ إلا ما ذكيتم } : أي أدركتم فيه الروح مستقرة فذكيتموه بذبحة أو نحره .

{ وما ذبح على النصب } : أي ما ذبح على الأصنام التي تمثل إلهاً أو زعيماً أو عظيماً ، ومثلها ما ذبح على أضرحة الأولياء وقبورهم وعلى الجان .

{ وان تستقسموا } : أي وحرم عليكم ما تحصلون عليه بالاستقسام بالأزلام ومثله ما يأخذه صاحب الكهانة والشواقة وقرعة الأنياء . والحروز الباطلة التي فيها طلاسم وأسماء الجن والعفاريت .

{ ذلكم فسق } : أي ما ذكر من أكل الميتة إلى الاستقسام بالأزلام خروج عن طاعة الله تعالى ومعصية له سبحانه تعالى .

{ فمن اضطر } : أي من ألجأته ضرورة الجوع فخاف على نفسه الموت فلا بأس أن يأكل مما ذكر .

{ في مخمصة } : المخمصة شدة الجوع حتى يضمر البطن لقلة الغذاء به .

{ غير متجانف } : غير مائل لإِثم يريد غير راغب في المعصية بأكل ما أكل من الميتة وذلك بأن يأكل أكثر مما يسد به رمقه ويدفع به غائلة الجوع المهلك .

المعنى الكريمة الكريمة :

هذه الآية الكريمة هي تفسير وتفصيل لقوله تعالى في الآية الأولى من هذه السورة وهو قوله : { إلا ما يتلى عليكم } حيث ذكر في هذه الآية سائر المحرمات من اللحوم وهي عشر كما يلي : الميتة ، والدم ، ولحم الخنزير ، وما أهل لغير الله به ، والمنخنقة ، والموقوذة ، والمتردية ، والنطيحة ، وما أكل السبع ، وما ذبح على النصب .

وقوله تعالى : { إلا ما ذكيتم } يريد ما أدركتم فيه الروح مستقرة . بحيث إذا ذبحتموه اضطرب للذبح وركض برجليه فإن هذا علامة أنه كان حياً وأنه مات بالذبح .

وقوله { وأن تستقسموا بالأزلام } يريد ولا يحل لكم الاستسقام بالأزلام ، ولا أكل ما يعطى عليها وحقيقتها أنهم كانوا في الجاهلية يضعون القداح المعبر عنها بالأزلام جمع زلم وهو رمح صغير لا زج له ولا ريش فيه ، يضعونها خريطة كالكيس ، وقد كتب على واحد أمرني ربي وآخر نهاني ثم يجيلها المستقسم بها في الخريطة ويخرج زلماً منهاً فإن وجده عليه أمرني ربي مضى في عمله سفراً أو زواجاً ، أو بيعاً أو شراء ، وإن وجده مكتوباً عليه نهاني ربي ترك ما عزم على فعله فجاء الإِسلام فحرم الاستقسام بالأزلام ، وسنَّ الاستخارة وهي أن يصلي المؤمن ركعتين من غير الفريضة ويقول : اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ودنياي وعاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه ، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي وعاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به ، ويسمي حاجته .

ويفعل أو يترك ما عزم عليه ، والذي يأتيه هو الخير بإذن الله تعالى .

وقوله تعالى : { ذلكم فسق } يريد ما ذكرت لكم مما حرمت عليكم إتيانه هو الفسق فاتركوه .

وقوله تعالى : { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون } يخبر تعالى عباده المؤمنين أن الكافرين من المشركين وغيرهم قد يئسوا مِنْ أن يردوكم عن دينكم كما كان ذلك قبل فتح مكة ودخول ثقيف وهوازن في الإِسلام ، وظهوركم عليهم في كل معركة دارت بينكم وبينهم إذاً فلا تخشوهم بعد الآن أن يتمكنوا من قهركم وردكم إلى الكفر واخشوني أنا بدلهم وذلك بطاعتي وطاعة رسولي ولزوم حدودي والأخذ بسنتي في كوني حتى لا تتعرضوا لنقمتي بسلب عطائي فإن نصرتي لأهل طاعتي وإذلالي لأهل معصيتي .

وقوله تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإِسلام دنياً } فهو إخبار منه تعالى لعباده المؤمنين بما هو إنعام عليهم منه وامتنان فأولا : إكمال الدين بجميع عقائده وعباداته وأحكامه وآدابه حتى قيل إن هذه الآية نزلت عشية يوم عرفة عام حجة الوداع ، ولم يعش بعدها رسول الله عليه وسلم إلا إحدى وثمانين ليلة ثم توفاه الله تعالى وثانياً : إتمام نعمته تعالى عليهم فآمنهم بعد الخوف وقواهم بعد ضعف ، ونصرهم وأعزهم بعد قهر وذل وسودهم وفتح البلاد له وأظهر دينهم وأبعد الكفر والكفار عنهم ، فعلمهم بعد جهل وهداهم بعد ضلال فهذه من النعمة التي أتمها عليهم وثالثاً رضاه بالإِسلام ديناً لهم حيث بعث رسوله به وأنزل كتابه فيه فبين عقائده وشرائعه فأبعدهم عن الأديان الباطلة كاليهودية والنصرانية والمجوسية ، وأغناهم عنها بما رضيه لهم ألا وهو الإِسلام القائم على الاستسلام لله تعالى ظاهراً وباطناً وذلك سلم العروج إلى الكمالات ومرقى كل الفواضل والفضائل والسعادات فلله الحمد وله المنة .

وقوله تعالى : { فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإِثم فإن الله غفور رحيم } يريد تعالى من اضطر أي ألجأته الضرورة وهي شدة الجوع وهي المخمصة والمسغبة إلى أكل ما حرمت عليكم من الميتة وأنواعها فأكل فلا إثم عليه فإني غفور لعبادي المؤمنين رحيم بهم إلا أن يكون قد أكل من الميتة وأنواعها متعمداً المعصية مائلاً إليها غير مبال بتحريمي لها فذاك الذي عصاني وتعرض لنقمتي وعذابي فإن تاب فإني غفور رحيم ، وإن أصر فإن عذابي أليم شديد .

الهداية

من الهداية :

- حرمة الميتة وما ذكر معها وهي عشر من المحرمات .

- حرمة الاستقسام بالأزلام ومثلها قرعة الأنبياء وخط الرمل والكهانة وما أشبه ذلك .

- حرمة ا لذبح على القبور والقباب والنصب التذكارية وهي من الشرك .

- جواز أكل ما أدركه المسلم حياً من الحيوان المأكول فذكَّاه وإن كان قد جرح أو كسر أو أشرف على الموت بأي سبب مميت .

- وجوب خشية الله تعالى وحرمة خشية الكفار .

- حرمة الابتداع في الدين وحرمة التشريع المنافي للشرع الإِسلامي .

- جواز أكل الميتة للمضطر وهو من لحقه ضرر من شدة الجوع فخاف على نفسه الهلاك على شرط أن لا يكون قاصداً المعصية مائلاً إلى الإِثم .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ وَٱلۡمَوۡقُوذَةُ وَٱلۡمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسۡتَقۡسِمُواْ بِٱلۡأَزۡلَٰمِۚ ذَٰلِكُمۡ فِسۡقٌۗ ٱلۡيَوۡمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ فِي مَخۡمَصَةٍ غَيۡرَ مُتَجَانِفٖ لِّإِثۡمٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (3)

ولما أتم الكلام على احترام أعظم المكان وأكرم الزمان وما لابسهما ، فهذب{[24184]} النفوس بالنهي عن حظوظها ، وأمر{[24185]} بعد تخليتها عن كل شر{[24186]} بتحليتها بكل خير عدّد على سبيل الاستئناف ما وعد بتلاوته عليهم مما حرم مطلقاً إلا في حال الضرورة فقال : { حرمت } بانياً الفعل للمفعول لأن الخطاب لمن يعلم أنه لا محرم إلا الله ، وإشعاراًَ بأن هذه الأشياء لشدة قذارتها{[24187]} كأنها محرمة بنفسها { عليكم الميتة } وهي ما فقد الروح بغير ذكاة شرعية ، فإن دم كل ما مات حتف أنفه يحبس في عروقه ويتعفن ويفسد ، فيضر أكله البدن بهذا الضرر الظاهر ، والدين بما يعلمه أهل البصائر { والدم } أي المسفوح ، وهو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق { ولحم الخنزير } خصه بعد دخوله في الميتة لاتخاذ النصارى أكله{[24188]} كالدين { وما أهل } ولما كان القصد في هذه السورة إلى حفظ محكم العهود المذكر بجلاله الباهر{[24189]} ، قدم المفعول له فقال : { لغير الله } أي الملك الأعلى { به } أي ذبح على اسم غيره من صنم أو غيره على وجه التقرب عبادة لذلك الشيء ، والإهلال : رفع الصوت .

ولما كان من الميتات ما لا تعافه النفوس عيافتها لغيره ، نص عليه فقال : { والمنخنقة } أي بحبل ونحوه ، سواء خنقها أو لا { والموقوذة } أي المضروبة بمثقل ، من{[24190]} : وقذه - إذا ضربه { والمتردية } أي الساقطة من عال ، المضطربة غالباً في سقوطها { والنطيحة } أي التي نطحها شيء فماتت { وما أكل السبع } أي{[24191]} كالذئب والنسر ونحوهما .

ولما كان كل واحدة من هذه قد تدرك حية فتذكى ، استثنى فقال : { إلا ما ذكيتم } أي من ذلك كله بأن أدركتموه وفيه حياة مستقرة ، بأن اشتد اضطرابه وانفجر منه الدم ؛ ولما حرم الميتات وعد في جملتها ما ذكر عليه اسم غير الله عبادة ، ذكر ما ذبح على الحجارة التي كانوا ينصبونها للذبح عندها{[24192]} تديناً وإن لم يذكر{[24193]} اسم شيء عليها فقال{[24194]} : { ما ذبح على النصب } وهو واحد الأنصاب ، وهي حجارة كانت حول الكعبة تنصب ، فيهل عليها ويذبح عندها تقرباً إليها وتعظيماً لها { وأن تستقسموا } أي تطلبوا على ما قسم لكم { بالأزلام } أي القداح التي لا ريش لها ولا نصل ، واحدها بوزن قلم وعمر{[24195]} وكانت ثلاثة ، على واحد : أمرني ربي ، وعلى آخر : نهاني ربي ، والآخر{[24196]} غفل ، فإن خرج الآمر فعل ، أو الناهي ترك ، أو الغفل أجيلت ثانية ، فهو دخول{[24197]} في علم الغيب وافتراء على الله بادعاء أمره ونهيه ، وإن أراد{[24198]} المنسوب إلى الصنم فهو الكفر الصريح{[24199]} ، وقال صاحب كتاب الزينة : يقال : إنه كانت عندهم سبعة قداح مستوية من شوحط{[24200]} ، وكانت بيد السادن ، مكتوب عليها " نعم " " لا " " منكم " " من غيركم " " ملصق " " العقل " " فضل العقل " فكانوا إذا اختلفوا في نسب الرجل جاؤوا إلى{[24201]} السادن بمائة درهم ، ثم قالوا للصنم : يا إلهنا ! قد تمارينا في نسب فلان ، فأخرج علينا الحق فيه ، فتجال{[24202]} القداح{[24203]} فإن خرج القدح{[24204]} الذي عليه " منكم " كان أوسطهم نسباً ، وإن خرج{[24205]} الذي عليه " من غيركم " كان حليفاً وإن خرج " ملصق " كان على منزلته لا{[24206]} نسب له ولا حلف ، وإذا أرادوا سفراً أو حاجة جاؤوا بمائة فقالوا : يا إلهنا ! أردنا كذا ، فإن خرج " نعم " فعلوا ، وإن خرج " لا " لم يفعلوا ، وإن{[24207]} جنى أحدهم جناية ، فاختلفوا فيمن يحمل العقل جاؤوا بمائة فقالوا : يا إلهنا ! فلان جنى{[24208]} عليه ، أخرج الحق{[24209]} ، فإن خرج القدح الذي عليه " العقل " لزم من ضرب عليه وبرىء الآخرون ، وإن خرج غيره كان على الآخرين العقل ، وكانوا إذا عقلوا{[24210]} العقل ففضل الشيء منه تداروا فيمن يحمله ، فضربوا عليه ؛ فإن خرج القدح الذي عليه " فضل العقل " للذي ضرب عليه لزمه ، وإلا كان على الآخرين الذين لم يضرب عليهم فهذا الاستقسام الذي حرمه{[24211]} الله لأنه يكون عند الأصنام ويطلبون ذلك منها ، ويظنون{[24212]} أن الذي أخرج لهم ذلك هو الصنم ، وأما إجالة{[24213]} السهام لا على هذا الوجه فهو جائز ، هو وتساهم{[24214]} واقتراع{[24215]} لا استقسام{[24216]} و{[24217]} قال أبو عبيدة : واحد الأزلام زلم - بفتح الزاء ، وقال بعضهم بالضم{[24218]} وهو القدح لا ريش له ولا نصل ، فإذا كان مريَّشاً فهو السهم - والله أعلم ؛ ويجوز أن يراد مع هذا ما كانوا يفعلونه في الميسر - على ما مضى في البقرة ، فإنه طلب معرفة ما قسم من الجزور ، ويلتحق بالأول كل كهانة وتنجيم{[24219]} ، وكل طيرة يتطيرها الناس الآن{[24220]} من التشاؤم ببعض الأيام وبعض الأماكن والأحوال ، فإياك أن تعرج على شيء من الطيرة ، فتكون على شعبة جاهلية ، ثم إياك ! .

ولما كانت هذه الأشياء شديدة الخبث أشار إلى تعظيم النهي عنها بأداة البعد وميم الجمع فقال : { ذلكم } أي الذي ذكرت لكم تحريمه { فسق } أي فعله خروج من الدين .

ولما كانت هذه المنهيات معظم دين أهل الجاهلية ، وكان سبحانه قد نهاهم قبلها عن{[24221]} إحلال شعائر الله والشهر الحرام وقاصدي المسجد الحرام{[24222]} بعد أن كان أباح لهم ذلك في بعض الأحوال والأوقات بقوله

{ وأخرجوهم من حيث أخرجوكم - ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام{[24223]} حتى يقاتلوكم فيه{[24224]} }[ البقرة : 191 ]

{ الشهر الحرام بالشهر الحرام{[24225]} }[ البقرة : 194 ]

{ واقتلوهم حيث ثقفتموهم{[24226]} }[ البقرة : 191 ] علم{[24227]} أن الأمر بالكف عن انتهاز الفرص إنما هو للأمن{[24228]} من الفوت ، وذلك لا يكون إلا{[24229]} من{[24230]} تمام القدرة ، وهو لا يكون إلا بعد كمال الدين وإظهاره على كل دين - كما حصل به الوعد الصادق ، وكذا الانتهاء عن جميع هذه المحارم إنما يكون لمن رسخ في الدين قدمه ، وتمكنت فيه عزائمه وهممه ، فلا التفات له إلى غيره ولا همه إلى سواه ، ولا مطمع لمخالفه فيه ، فعقب{[24231]} سبحانه النهي عن هذه المناهي كلها بقوله على سبيل النتيجة والتعليل : { اليوم } أي وقت{[24232]} نزول هذه الآية { يئس الذين كفروا } أي لابسوا الكفر سواء كانوا راسخين فيه أو لا { من دينكم } أي لم يبق لكم ولا لأحد منكم عذر في شيء من إظهار الموافقة لهم{[24233]} أو التستر من أحد منهم ، كما فعل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه حين{[24234]} كاتبهم ليحمي بذلك ذوي رحمه ، لأن الله تعالى قد كثركم بعد القلة ، وأعزكم بعد الذلة ، وأحيى بكم منار الشرع ، وطمس معالم شرع{[24235]} الجهل ، وهدّ منار الضلال ، فأنا أخبركم - وأنتم عالمون بسعة علمي - أن الكفار قد اضمحلت قواهم ، وماتت{[24236]} هممهم ، وذلت نخوتهم ، وضعفت عزائمهم ، فانقطع رجاؤهم عن أن يغلبوكم{[24237]} أو يستميلوكم إلى دينهم بنوع استمالة ، فإنهم رأوا دينكم قد قامت منائره ، وعلت في المجامع منابره ، وضرب محرابه ، وبرّك{[24238]} بقواعده وأركانه ، ولهذا سبب عما مضى قوله : { فلا تخشوهم } أي أصلاً { واخشون } أي وامحضوا الخشية لي وحدي ، فإن دينكم قد أكمل بدره ، وجل عن المحاق محله وقدره ، ورضي به الآمر ، ومكنه على رغم أنف الأعداء .

وهو قادر{[24239]} على ذلك{[24240]} ، وذلك{[24241]} قوله تعالى مسوقاً{[24242]} مساق التعليل : { اليوم أكملت لكم دينكم } أي الذي أرسلت{[24243]} إليكم به أكمل{[24244]} خلقي لتدينوا به وتدانوا ، وإكماله بإنزال كل ما يحتاج إليه من أصل وفرع ، نصاً على{[24245]} البعض ، وبياناً لطريق القياس في الباقي ، وذلك بيان لجميع الأحكام ، وأما قبل ذلك اليوم فهو وإن كان كاملاً لكنه بغير هذا المعنى ، بل إلى حين ثم يزيد فيه سبحانه ما يشاء ، فيكون به كاملاً أيضاً وأكمل مما مضى ، وهكذا إلى هذه النهاية ، وكان هذا{[24246]} هو المراد من قوله : { وأتممت عليكم نعمتي } أي التي قسمتها في القدم من هذا الدين على لسان هذا الرسول ، بأن جمعت عليه كلمة العرب الذين قضيت في القدم بإظهارهم على من ناواهم من جميع أهل الملل ، ليظهر بهم الدين ، وتنكسر شوكة المفسدين من غير حاجة في ذلك إلى غيرهم وإن كانوا بالنسبة إلى المخالفين كالشعرة البيضاء في جلد الثور{[24247]} الأسود { ورضيت لكم الإسلام } أي الذي هو الشهادة لله بما شهد به لنفسه من الوحدانية التي لمن{[24248]} يتبع الإذعان لها{[24249]} الإذعان لكل طاعة { ديناً } تتجازون{[24250]} به فيما بينكم ويجازيكم به ربكم ؛ روى البخاري في المغازي وغيره ، ومسلم في آخر الكتاب ، والترمذي في التفسير ، والنسائي في الحج عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه " أن رجلاً من اليهود قال له : يا أمير المؤمنين ! آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت{[24251]} لاتخذنا ذلك اليوم عيداً ، قال :{[24252]} أي آية ؟ قال{[24253]} : { اليوم أكملت لكم دينكم } فقال عمر رضي الله عنه : قد{[24254]} عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم ، نزلت وهو قائم بعرفة يوم جمعة " وفي التفسير من البخاري عن طارق بن شهاب " قالت اليهود لعمر : إنكم تقرؤون آية لو نزلت فينا لاتخذناها{[24255]} عيداً ، فقال عمر : إني لأعلم حيث أنزلت وأين أنزلت وأين{[24256]} رسول الله صلى الله عليه وسلم حين{[24257]} أنزلت " وقال البغوي : قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان ذلك اليوم خمسة أعياد{[24258]} : جمعة وعرفة وعيد اليهود وعيد النصارى والمجوس ، ولم تجتمع{[24259]} أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده ، قلت : ويوم الجمعة هو اليوم الذي أتم الله فيه خلق هذه الموجودات بخلق آدم عليه السلام بعد عصره ، وهو حين نزول هذه الآية إن شاء الله تعالى ، فكانت تلك الساعة من{[24260]} ذلك اليوم تماماً ابتداء ، وروى هارون بن{[24261]} عنترة عن أبيه قال : " لما نزلت هذه الآية بكى عمر رضي الله عنه فقال له{[24262]} النبي صلى الله عليه وسلم :

" ما يبكيك يا عمر ؟ فقال : أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا ، فإذا كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص ، قال : صدقت ! " فكانت هذه الآية نعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عاش بعدها إحدى وثمانين يوماً وقد روي أنه كان هجيري{[24263]} النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة من العصر إلى الغروب شهد الله أنه لا إله إلا هو{[24264]} - الآية ، وكأن ذلك كان جواباً{[24265]} منه صلى الله عليه وسلم لهذه الآية ، لفهمه صلى الله عليه وسلم أن إنزال آية{[24266]} عمران سر الإسلام وأعظمه وأكمله ، وهذه الآية من المعجزات ، لأنها إخبار بمغيب صدقها فيه الواقع .

ولما تمت هذه الجمل{[24267]} الاعتراضية التي صار ما{[24268]} بينها وبين ما قبلها و{[24269]} ما بعدها بأحكام الرصف واتقان{[24270]} الربط من الامتزاج أشد مما بين الروح والجسد ، المشيرة إلى أن هذه المحرمات هي التي تحقق بها أهل الكفر كمال المخالفة ، فأيسوا معها من المواصلة والمؤالفة ؛ رجع إلى{[24271]} تتمات لتلك المحظورات ، فقال مسبباً عن الرضى بالإسلام الذي هو الحنيفة السمحة المحرمة لهذه الخبائث لإضرارها بالبدن والدين : { فمن اضطر } أي ألجىء إلجاء عظيماً - من أي شيء كان - إلى تناول شيء مما مضى أنه حرم ، بحيث{[24272]} لا يمكنه معه{[24273]} الكف عنه { في مخمصة } أي مجاعة عظيمة{[24274]} { غير متجانف } أي متعمد ميلاً { لإثم } أي بالأكل على غير{[24275]} سد الرمق ، أو بالبغي على مضطر آخر بنوع مكر أو العدو عليه بضرب قهر ، وزاد بعد هذا التقييد{[24276]} تخويفاً بقوله : { فإن الله } أي الذي له الكمال كله{[24277]} { غفور رحيم * } أي يمحو عنه إثم ارتكابه للمنهي ولا يعاقبه عليه ولا يعاتبه{[24278]} ويكرمه ، بأن يوسع عليه من فضله ، و{[24279]} لا يضطره مرة{[24280]} أخرى - إلى غير ذلك من الإكرام وضروب الأنعام .


[24184]:في ظ: وهذب.
[24185]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24186]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24187]:في ظ: قذراتها.
[24188]:سقط من ظ.
[24189]:في ظ: الغاهر- كذا.
[24190]:في ظ: ما.
[24191]:سقط من ظ.
[24192]:سقط من ظ.
[24193]:في ظ: لم تدرك.
[24194]:زيد من ظ، إلا أن فيه عمرو.
[24195]:زيد من ظ: إلا أن فيع: عمرو.
[24196]:من ظ: وفي الأصل: لأخر- كذا.
[24197]:في ظ: ذا قول- كذا.
[24198]:في الأصل: الأفراد- كذا، وسقط هذا اللفظ من ظ مع اللفظين بعده.
[24199]:في ظ: الصراح.
[24200]:وهو شجر تتخذ منه القسى، وفي ظ: سواحط- كذا.
[24201]:زيد بعده في ظ: سارق.
[24202]:في ظ: لتحال.
[24203]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24204]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24205]:سقط من ظ.
[24206]:سقط من ظ.
[24207]:في ظ: إذا.
[24208]:من ظ، وفي الأصل: يجنى- كذا.
[24209]:زيد من ظ.
[24210]:في ظ: عقل.
[24211]:من ظ، وفي الأصل: حرم.
[24212]:في ظ: يطلبون.
[24213]:في ظ: أحاله.
[24214]:في ظ: تسليم.
[24215]:في ظ: الاستقسام.
[24216]:في ظ: الاستقسام.
[24217]:من ظ، وفي الأصل: قال.
[24218]:سقط من ظ.
[24219]:في ظ: سختم.
[24220]:سقط من ظ.
[24221]:من ظ، وفي الأصل: من.
[24222]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24223]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24224]:سورة 2 آية 191.
[24225]:سورة 2 آية 193.
[24226]:سورة 2 آية 191.
[24227]:في ظ: اعلم.
[24228]:في ظ: للابن.
[24229]:سقط من ظ.
[24230]:في ظ: عن.
[24231]:في ظ: فعقبه.
[24232]:من ظ، وفي الأصل "و".
[24233]:سقط من ظ.
[24234]:سقط من ظ.
[24235]:زيد من ظ.
[24236]:من ظ، وفي الأصل: مات.
[24237]:في ظ: يعلنوكم.
[24238]:في ظ: ترك.
[24239]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24240]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24241]:زيد من ظ.
[24242]:من ظ، وفي الأصل: لسوق- كذا.
[24243]:من ظ، وفي الأصل: أرسلنا.
[24244]:في ظ: كمل.
[24245]:في ظ: عن.
[24246]:سقط من ظ.
[24247]:من ظ، وفي الأصل: النور.
[24248]:سقط من ظ.
[24249]:في ظ: بها.
[24250]:في ظ: يتجاوزون.
[24251]:زيد من ظ والمراجع الأربعة.
[24252]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24253]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24254]:سقط من ظ.
[24255]:من صحيح البخاري، وفي الأصل: لاتخذنا، وفي ظ: لاتخذها.
[24256]:سقط من ظ.
[24257]:في ظ ونسخة من الصحيح: حيث.
[24258]:زيدت الواو بعده في ظ.
[24259]:في ظ: لم تجمع.
[24260]:في ظ: في.
[24261]:وقع في ظ: عن- خطأ.
[24262]:سقط من ظ.
[24263]:من ظ، أي دأبه وشانه صلى الله عليه وسلم، وفي الأصل: يتحرى- كذا.
[24264]:سورة 3 آية 18.
[24265]:سقط من ظ.
[24266]:زيد من ظ.
[24267]:من ظ، وفي الأصل: الجملة.
[24268]:زيد من ظ.
[24269]:زيد بعده في ظ: بين.
[24270]:في ظ: إيثاق.
[24271]:زيد من ظ.
[24272]:من ظ، وفي الأصل: أي.
[24273]:زيد من ظ.
[24274]:زيد من ظ.
[24275]:سقط من ظ.
[24276]:في ظ: القيد.
[24277]:من ظ، وفي الأصل: لملكه.
[24278]:زيد من ظ.
[24279]:في ظ: يضر من.
[24280]:في ظ: يضر من.