أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ فِيهَآ أَنۡهَٰرٞ مِّن مَّآءٍ غَيۡرِ ءَاسِنٖ وَأَنۡهَٰرٞ مِّن لَّبَنٖ لَّمۡ يَتَغَيَّرۡ طَعۡمُهُۥ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ خَمۡرٖ لَّذَّةٖ لِّلشَّـٰرِبِينَ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ عَسَلٖ مُّصَفّٗىۖ وَلَهُمۡ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡۖ كَمَنۡ هُوَ خَٰلِدٞ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيمٗا فَقَطَّعَ أَمۡعَآءَهُمۡ} (15)

شرح الكلمات :

{ مثل الجنة التي وعد المتقون } : أي صفة الجنة دار السلام التي وعد الله بها عباده المتقين له .

{ من ماء غير آسن } : أي غير متغيّر الريح والطعم لطول مكثه .

{ وأنهار من عسل مصفى } : أي من الشمع وفضلات النحل .

{ وسقوا ماء حميما } : أي حاراً شديد الحرارة .

{ فقطع أمعاءهم } : أي مصارينهم فخرجت من أدبارهم .

المعنى :

قوله تعالى { مثل الجنة التي وعد المتقون } هذه الآية الكريم تضمنت شرحا وافيا لأنهار الجنة ، وشراب أهل النار ، كما اشتملت على مقارنة بين حال أهل الإِيمان والتقوى وما وعدوا به من مغفرة ذنوبهم وإدخالهم الجنة ، وبين حال أهل النار وهم خالدون فيها وما وعدوا فيها من ألوان العذاب الشديد فقوله تعالى { مثل الجنة } أي صفتها الممثلة لها الشارحة لحالها التي وُعد المتقون أي ا لتي وعد الله تعالى بها عباده المتقين له وهم أوليائه الذين عبدوه ووحدوه فأطاعوه في الأمر والنهي فاتقوا بذلك الشرك والمعاصي . فيها أنهار من ماء غير آسن أي غير متغير الطعم ولا الريح بطول المكث وأنهار من لبن لم يتغير طعمه أي بحموضة ولم يصر قارصا ولذلك لم يتغير ريحه أيضا وأنهار من خمرة لذة للشاربين أي وفيها أنهار من خبر هي لذة لمن يشربها وسبب لذاذتها أنها غير كدرة ولا مسكرة ولا ريح غير طيبة لها ، وأنهار من عسل مصفى أي وفيها أنهار من عسل مصفى أي من الشمع وفضلات النحل وقوله فيها من كل الثمرات أي من سائر أنواع الثمار من فواكه وغيرها . ومع ذلك مغفرة من ربهم لسائر ذنوبهم فهل يستوي من هذه حالهم بحال من هو خالد في النار لا يخرج منها وسقوا ماء حميما حارا شديد الحرارة فلما سقوه وشربوه قطع أمعاءهم أي مصارينهم فخرجت من أدبارهم والعياذ بالله من النار وحال أهل النار اللهم أجرنا من النار اللهم أجرنا من النار اللهم أجرنا من النار .

الهداية :

من الهداية :

- التقوى هي السب المورث للجنة هكذا جعلها الله عز وجل ، والتقوى هي بعد الإِيمان فعل المأمورات وترك المنهيات من سائر أنواع الشرك والمعاصي .

- بيان بعض نعيم الجنة من الشراب والفواكه .

- بين بعض عذاب النار وهو الخلود فيها وشرب الحميم .

- تقرير البعث والجزاء ، وأن لا مماثلة بين أهل السعادة وأهل الشقاء .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ فِيهَآ أَنۡهَٰرٞ مِّن مَّآءٍ غَيۡرِ ءَاسِنٖ وَأَنۡهَٰرٞ مِّن لَّبَنٖ لَّمۡ يَتَغَيَّرۡ طَعۡمُهُۥ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ خَمۡرٖ لَّذَّةٖ لِّلشَّـٰرِبِينَ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ عَسَلٖ مُّصَفّٗىۖ وَلَهُمۡ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡۖ كَمَنۡ هُوَ خَٰلِدٞ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيمٗا فَقَطَّعَ أَمۡعَآءَهُمۡ} (15)

ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى بأن بين مصير الفريقين فقال : { مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون } .

والمراد بالمثل هنا : الصفة . وهو مبتدأ ، والكلام على تقدير الاستفهام الإِنكارى ، وتقدير مضاف محذوف ، والخبر قوله - تعالى - : { كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النار } . أى : أمثل أهل الجنة كمثل من هو خالد فى النار : أو : أمثل الجنة جزاء من هو خالد فى النار ، وقدر الاستفهام فى المبتدأ لأنه مرتب على الإِنكار الساق فى قوله : { أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ } .

ورحم الله - تعالى - صاحب الكشاف ، فقد قال : فإن قلت ما معنى قوله - تعالى - : { مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون فِيهَآ أَنْهَارٌ } كمن هو خالد فى النار ؟

قلت : هو كلام فى صورة الإِثبات ، ومعناه النفى والإِنكار ، لانطوائه تحت حكم كلام مصدر بحروف الإِنكار ، ودخوله فى حيزه ، وانخراطه فى سلكه ، وهو قوله - تعالى - : { أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ . . } ؟ فكأنه قيل : أمثل الجنة كمن هو خالد فى النار ، أى كمثل جزاء من هو خالد فى النار ؟

فإن قلت : فلم عرَّى فى حرف الإِنكار ؟ وما فائدة التعرية ؟

قلت : تعريته من حرف الإِنكار فيها زيادة تصوير لمكابرة من يسوى بين المتمسك بالبينة والتابع لهواه ، وأنه بمنزلة من يثبت التسوية بين الجنة التى تجرى فيها الأنهار ، وبين النار التى يسقى أهلها الجحيم . .

وقوله - سبحانه - : { فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ } تفسير مسوق لشرح محاسن الجنة أى : صفة الجنة التى وعد الله - تعالى - بها عباده المتقين ، أنها فيها أنهار من ماء ليس متغيرا فى طعمه أو رائحته ، وإنما هو ماء طيب لذيذ تشتهيه النفوس .

والماء الآسن : هو الماء الذى تغير طعمه وريحه ، لطول مكثه فى مكان معين . يقال : أَسَنَ الماء يأسِن - كضرب - يضرب ، إذا تغير .

{ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ } أى : وفيها - أيضا - أنهار من لبن لم يتغير طعمه لا بالحموضة ولا بغيرها مما يجرى على الألبان التى تشرب فى الدنيا .

{ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ } أى : وفيها كذلك أنهار من خمر فى غاية اللذة لمن يشربها ، إذ لا يعقبها ذهاب عقل ، ولا صداع .

وقال - سبحانه - { لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ } للإِشعار بأنها لذيذة لجميع من يشربونها بخلاف خمر الدنيا فإن من الناس من ينفر منها ويعفها حتى ولو كان على غير دين الإِسلام .

{ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى } أى : وفيها - أيضا - أنهار من عسل لا يخالطه ما يخالط عسل الدنيا من الشمع أو غيره .

{ وَلَهُمْ } أى : للمؤمنين { فِيهَا } أى : فى الجنة فضلا عن كل ذلك { مِن كُلِّ الثمرات } التى يشتهونها ، وأهم من كل ذلك أنهم لهم فيها : { وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ } أى : لهم ثواب عظيم وفضل كبير من ربهم ، حيث ستر لهم ذنوبهم ، وأزالها عنهم ، وحولها إلى حسنات بكرمه وإحسانه .

وقوله - سبحانه - : { كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النار وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ } أى : أمثل جزاء المؤمنين الذى هو الجنة التى فيها ما فيها من أنهار الماء واللبن والخمر والعسل . . كمثل عقاب الكافرين والمتمثل فى نارهم خالدين فيها أبدا ، وفى ماء فى أشد درجات الحرارة ، يشربونه فيقطع أمعاءهم ؟

لا شك أن كل عاقل يرى فرقا شاسعا ، بين حسن عاقبة المؤمنين ، وسوء عاقبة الكافرين .

وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد فرقت بين الأخيار والأشرار فى المنهج والسلوك ، وفى المصير الذى يصير إليه كل فريق .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ فِيهَآ أَنۡهَٰرٞ مِّن مَّآءٍ غَيۡرِ ءَاسِنٖ وَأَنۡهَٰرٞ مِّن لَّبَنٖ لَّمۡ يَتَغَيَّرۡ طَعۡمُهُۥ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ خَمۡرٖ لَّذَّةٖ لِّلشَّـٰرِبِينَ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ عَسَلٖ مُّصَفّٗىۖ وَلَهُمۡ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡۖ كَمَنۡ هُوَ خَٰلِدٞ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيمٗا فَقَطَّعَ أَمۡعَآءَهُمۡ} (15)

قوله : { مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن } { مثل الجنة } مبتدأ و خبره محذوف . و { مثل الجنة } يعني وصفها ، وهي التي وعدها الله المتقين ، وهم المؤمنون الذين يجتنبون المعاصي والآثام وما يسخط الله ، ويفعلون الطاعات والصالحات وما أمرهم به ربهم . لقد أنعم الله على هؤلاء المؤمنين المتقين بالجنة بوصفها العظيم ، فهي { فيها أنهر من ماء غير آسن } والآسن ، المتغير الرائحة{[4233]} والأنهار من الماء النقي العذب عظيمة المنافع ، عظيمة البهاء والجمال بمنظرها الساحر المثير ، وصورتها المشرقة الخلابة .

قوله : { وأنهار من لبن لم يتغير طعمه } لأنه من لبن الجنة بمذاقه الممتع وطعمه اللذيذ الذي لا يتغير ولا يأتي عليه فساد أو نتن ، كلبن الدنيا . فما في الجنة من خيرات وثمرات وطعوم لهو أكمل وأطيب وأنفع .

قوله : { وأنهار من خمر لذة للشاربين } { لذة } ولذيذه بمعنى{[4234]} ، فقد وصف خمر الجنة بأنها لذيذة الطعم ، طيبة الشرب ، يلتذ بها الشاربون المنعمون في الجنة . وهي ليست كخمر الدنيا التي تستر العقول وتفسد الأعصاب ، وتفضي إلى الأمراض والأسقام البدنية والنفسية الكثيرة .

قوله : { وأنهار من عسل مصفى } العسل ، هو لعاب النحل . وهو شراب نافع وشهي وعظيم الفوائد ، وفيه شفاء للناس . وهو في الجنة مصفى ، أي نقي مما يخالطه من الشمع والقذى والكدر .

قوله تعالى : { ولهم فيها من كل الثمرات } أي خولهم الله في الجنة كل ما يشتهون من الثمرات على اختلاف أنواعها وألوانها وأشكالها وطعومها { ومغفرة من ربهم } فوق ما أنعم الله به على عباده المتقين من عظيم الخيرات وألوان النعيم في الجنة ، قد غفر لهم ذنوبهم وسيئاتهم ، إذ عفا عنهم وتجاوز لهم عن خطاياهم عقب توبتهم وإنابتهم إلى ربهم .

قوله : { كمن هو خالد في النار } يعني ، أفمن هو في الجنة يتنعم في طيباتها وخيراتها ومباهجها ، كمن هو صال النار خالدا في جحيمها ولظالها { وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم } أي سقي هؤلاء المعذبون المخلدون في النار ماء حارا شديد الغليان فقطع أمعاءهم إذا شربوه من شدة حرارته{[4235]} .


[4233]:القاموس المحيط جـ 4 ص 198.
[4234]:مختار الصحاح ص 296.
[4235]:تفسير الرازي جـ 28 ص 52- 55 وتفسير القرطبي جـ16 ص 236، 237