{ قال رب أرني } لما سمع موسى كلام الله طمع في رؤيته ، فسأله كما قال الشاعر :
وأفرح ما يكون الشوق يوما *** إذا دنت الديار من الديار
واستدلت الأشعرية بذلك على أن رؤية الله جائزة عقلا وأنها لو كانت محالا لم يسألها موسى ، فإن الأنبياء عليهم السلام يعلمون ما يجوز على الله وما يستحيل ، وتأول الزمخشري طلب موسى للرؤية بوجهين :
أحدهما : أنه إنما سأل ذلك تبكيتا لمن خرج معه من بني إسرائيل الذين طلبوا الرؤية فقالوا : { أرنا الله جهرة } [ النساء : 153 ] ؛ فقال موسى : ذلك ليسمعوا الجواب بالمنع فيتأولوا .
والآخر : أن معنى { أرني أنظر إليك } : عرفني نفسك تعريفا واضحا جليا . وكلا الوجهين بعيد ، والثاني أبعد وأضعف ، فإنه لو لم يكن المراد الرؤية لم يقل له انظر : إلى الجبل الآية .
{ قال لن تراني } قال مجاهد وغيره : إن الله قال لموسى لن تراني ، لأنك لا تطيق ذلك ، ولكن سأتجلى للجبل الذي هو أقوى منك وأشد فإن استقر وأطاق الصبر لهيبتي أمكن أن تراني أنت ، وإن لم يطق الجبل فأحرى ألا تطيق أنت ، فعلى هذا إنما جعل الله الجبل مثالا لموسى ، وقال قوم : المعنى : سأتجلى لك على الجبل وهذا ضعيف يبطله قوله : { فلما تجلى ربه للجبل } فإذا تقرر هذا ، فقوله تعالى : { لن تراني } نفي الرؤية ، وليس فيه دليل على أنها محال ، فإنه إنما جعل علة النفي عدم إطاقة موسى الرؤية لاستحالتها ، ولو كانت الرؤية مستحيلة ، لكان في الجواب زجر وإغلاظ كما قال الله لنوح
{ فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين } [ هود : 46 ] ، فهذا المنع من رؤية الله إنما هو في الدنيا لضعف البنية البشرية عن ذلك وأما في الآخرة ، فقد صرح بوقوع الرؤية كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فلا ينكرها إلا مبتدع ، وبين أهل السنة والمعتزلة في مسألة الرؤية تنازع طويل ، وفي هذه القصة قصص كثيرة تركتها لعدم صحتها ، ولما فيه من الأقوال الفاسدة .
{ جعله دكا } أي : مدكوكا فهو مصدر بمعنى : مفعول كقولك : ضربت الأمير ، والدك والدق : أخوان ، وهو التفتت ، وقرئ دكاء بالمد والهمز أي : أرضا دكا وقيل : ذهب أعلى الجبل وبقي أكثره ، وقيل : تفتت حتى صار غبارا ، وقيل : ساخ في الأرض وأفضى البحر .
{ وخر موسى صعقا } أي : مغشيا عليه .
{ تبت إليك } معناه : تبت من سؤال الرؤية في الدنيا وأنا لا أطيقها .
{ وأنا أول المؤمنين } أي : أول قومه أو أهل زمانه ، أو على وجه المبالغة في السبق إلى الإيمان .
قوله تعالى : { ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني انظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين } .
لما جاء موسى –عليه السلام- في الوقت الموعود للقاء ربه وتكليمه فناجاه الله وكلمه ، أحب أن يرى ربه فسأله أن يراه . فأجابه ربه { لن تراني } لأنك لن تطيق أن تراني ؛ ذلك أن موسى بشر قد جبل على طبع البشر من حيث محدودية العزم والقدرة والطاقة بالغرم من كونه نبيا ورسولا أوتي من ربه العصمة ؛ فهو بطبيعته البشرية وطاقته البدنية والإنسانية لا يملك أن يرى الله جهرة . ولئن رآه لسوف ينفي ويتبدد ! فهذا الجبال الشامخات ، وتلك الأجرام الكونية الضخام لو ظهر لها الله بجلاله وعليائه وسطوع نوره ؛ فإنها سوف تنماع أو تسيخ أو تزول البته ! فكيف بالإنسان ، ضعيف البنية والاقتدار والاحتمال ، لا جرم أنه أعظم ضعفا وأشد أن لا يتماسك أمام جبروت الله إذا تجلى له ظاهرا .
وقوله : { ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني } ، { استقر } ، أي ثبت وسكن . ويضرب الله لموسى مثالا من الجبل وهو أعظم وأثبت من نبيه الإنسان ؛ أي إنك يا موسى لن تطيق رؤيتي أو النظر إلي ؛ لبساطة احتمالك واقتدارك وضعف بنتك وبدنك ، لكن انظر إلى هذا الجبل ، فإن ثبت أو سكن مكانه من غير اضطراب أو زعزعة أو تزلزل فسوف تزاني . وذلك برهان من الله مشهود ؛ ليتحقق لموسى أنه لن يستطيع أن ينظر إلى الله ، بدليل اندكاك الجبل لما تجلى له ربه وهو قوله سبحانه :
{ فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا } تجلى ، أي ظهر . أي لما ظهر الله للجبل ، وقيل : ظهر له اقتداره وأمره { جعله دكا } دكا منصوب من وجهين ، أحدهما : أن يكون منصوبا على المصدر ، من : دككت الأرض دكا ، إذا جعلتها مستوية .
وثانيهما : أن يكون منصوبا على المفعول وفيه حذف لمضاف ، وتقديره : فجعله ذا دك ؛ أي ذا استواء{[1517]} ، ودكا ، من الدك وهو الدق . وقد دكه ، إذا ضربه وكشره حتى سواه بالأرض . والدكداك من الرمل : ما التبد منه بالأرض ولم يرتفع{[1518]} .
وقيل : ساخ الجبل في الأرض . وقيل : تفرقت أجزاؤه وتناثرت حتى صار مستويا بالأرض .
والمعنى المراد ، أنه ما إن عاين موسى اندكاك الجبل حتى هاله المشهد ترويعا فلم يحتمل مثل هذه المعانية الهائلة التي لا يقوى على رؤيتها كائن ؛ لفرط هولها الذي يفوق الحس والتصور ويعلو على الكائنات في مبلغ قدراتها وطاقتاها . وبذلك { خر موسى صعقا } أي سقط مغشيا عليه . وقيل : مات ثم بعثه الله ؛ وذلك لهول ما أحس وفظاعة ما رأى .
قوله : { فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين } يعني لما ثاب إلى موسى وعيه مما غشيه من الرهب والصعق قال مخاطبا ربه : { سبحانك ثبت إليك } يعني أنزهك يا رب تنزيها يليق بكمالك وجلالك وعظيم سلطانك أن يراك مخلوق في هذه الدنيا ويقوي بعد ذلك على الثبات أو التماسك . وقد ثبت إليك يا رب عما سألتك إياه من رؤيتك { وأنا أول المؤمنين } أي المؤمنين بك من قومي . وقيل : من بني إسرائيل في هذا الزمان . أو أول من آمن بك أنه لن يراك أحد قبل يوم القيامة{[1519]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.