{ إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن . . . } لما وقع صلح الحديبية مع المشركين على أن من أتى النبي صلى الله عليه وسلم منهم يرده إليهم وإن كان مسلما – جاءت سبيعة بنت الحارث إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الحديبية بعد الفراغ من الكتاب مظهرة الإسلام ، فأقبل زوجها وكان مشركا وطلب ردها إليه . فنزلت الآية بيانا لخروج النساء المسلمات من العموم ؛ للفرق الظاهر بينهن وبين الرجال . فإن الرجل لا يخشى عليه من الفتنة في الرد ما يخشى على المرأة من إصابة المشرك إياها ، وتخويفها وإكراهها على الردة ؛ فلم يردها النبي صلى الله عيه وسلم إليه واستحلفها . وعن ابن عباس في كيفية امتحانهن : كانت المرأة إذا جاءت النبي صلى الله عليه وسلم حلفها عمر بالله ما خرجت من بغض زوج ، وبالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض ، وبالله ما خرجت التماس الدنيا ، وبالله ما خرجت إلا حبا لله ولرسوله . { الله أعلم بإيمانهن } أي هذا الامتحان لكم ، أما سرائرهن فموكولة إلى علام الغيوب . { فإن علمتموهن } أي ظننتموهن ظنا قويا يشبه العلم بعد الامتحان . { مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار } ثم علل ذلك بقوله : { لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } ثم أمر الله تعالى أن يعطى الأزواج المشركون الذين هاجرت نساؤهم مؤمنات إذا علم إيمانهن بالامتحان – ما دفعوا في نكاحهم من الصداق بقوله : { وآتوهم ما أنفقوا } وذلك إذا كان الأزواج معاهدين ، أما إذ كانوا حربيين فلا يعطون ما أنفقوا اتفاقا .
{ ولا تمسكوا بعصم الكوافر } جمع كافرة ، والمراد : المشركان الباقيات بدار الحرب ، أو اللاحقات بها مرتدات . والعصم : جمع عصمة ، وهي ما يعتصم به من عقد وسبب . والمراد هنا : عقد النكاح ، أي لا يكن بينكم وبين هؤلاء الزوجات المشركات علقة زوجية ؛ لانقطاع العصمة باختلاف الدارين .
علِمتموهن مؤمنات : تيقنتم من إيمانهنّ .
فلا تَرجعُوهن إلى الكفار : لا ترجعوهن إلى أزواجهن الكفار .
وآتوهم ما أنفقوا : أعطوا الأزواج الكفار ما دفعوا من مهور لزوجاتهم .
ولا جناح عليكم : لا إثم عليكم .
ولا تمسكوا بعصَم الكوافر : لا تبقوا النساء الكافرات على عصمتكم وأبطلوا عقد الزواج بهن .
واسألوا ما أنفقتم : اطلبوا كل ما دفعتم لهن من مهر وغيره .
ولْيسألوا ما أنفقوا : وليطلبوا هم ( يعني الكفار ) ما أنفقوا على زوجاتهم اللاتي أسلمن وهاجرن إليكم .
في اتفاق صلح الحديبية جاء نص يقول : إن من جاء محمدا من قريش بغير إذنِ وليّه ردّه إليه ، ومن جاء قريشا من المسلمين لم تردّه إليهم . . ومضى العهد بين الطرفين على أتمّه .
ثم جاءت نساء مؤمنات مهاجرات ، وكانت أُولاهن أُم كلثوم بنتَ عقبة بن أبي معيط الأموية . فقدِم أخواها عمار والوليد ، فكَلّما رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرِها ليردها إلى قريش ، فنزلت هذه الآية . فلم يردّها الرسول الكريم وزوّجها زيدَ بن حارثة ، ثم تزوجها الزبير بن العوام بعد استشهاد زيد ، فولدت له زينب ، ثم فارقها فتزوجها عبد الرحمن بن عوف فولدت له إبراهيم وحميدا ، ثم توفي عنها فتزوجها عمرو بن العاص فمكثت عنده شهرا وتوفيت رحم الله الجميع .
فتبين من عمل النبي عليه الصلاة والسلام أن العهدَ كان يشمل الرجال دون النساء ، والله تعالى يقول :
{ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار } فإذا تبين لكم أنهنّ صادقات في إيمانهن فلا يجوز أن تردوهن إلى الكفار ، لأنهن : { لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } .
{ وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ } .
أعطوا الأزواج الكافرين ما أنفقوا من مهرٍ وغيره على زوجاتهم المهاجرات إليكم ، ولا حرج عليكم أن تتزوجوا هؤلاء المهاجرات إذا دفعتم إليهن مهورهن .
{ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر } .
إذا بقيت زوجةٌ من الزوجات في دار الكفر ولم تسلم فلا تتمسكوا بعقد زواجها وأبطِلوه . كذلك إذا لحقت زوجة بدار الكفر فأبطِلوا عقدها ، فإنها تعتبر طالقة .
{ وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ } إذا كان لكم مهر عند زوجة في دار الكفر فلكم أن تطلبوه ، وإذا جاءت زوجة أحد الكفار وأسلمت وهاجرت فعلى من تزوَّجها أن يدفع ما عليها لزوجها السابق .
{ ذَلِكُمْ حُكْمُ الله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ } هذا التشريع هو حكم الله ، يحكم به بينكم ، فاتبعوه ولا تخالفوه ، والله عليم بمصالح عباده ، حكيم في كل ما يفعل .
قرأ أبو عمرو وأهل البصرة : ولا تمسكوا بفتح التاء وبتشديد السين المفتوحة . والباقون : ولا تمسكوا بضم التاء وإسكان الميم وكسر السين . وأمسك ومسَّك لغتان .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.