صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَـٰٓئِكَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَيۡءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْۚ وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (72)

{ إن الذين آمنوا وهاجروا }أي سبقوا إلى الهجرة قبل عام الحديبية ، وهو عام ست من الهجرة . { والذين آووا ونصرهم } هم أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد سماهم الأنصار

لنصرتهم له ولدين الله { بعضهم أولياء بعض } في النصرة والميراث . روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين هؤلاء المهاجرين والأنصار ، فكان المهاجري يرثه أخوه الأنصاري ، إذا لم يكن له بالمدينة ولي مهاجري وبالعكس ، واستمر ذلك إلى فتح مكة ، ثم توارثوا بالنسب بعد إذ لم تكن هجرة { والذين آمنوا ولم يهاجروا . . . } أي ليس بين المؤمنين الذين لم يهاجروا وبين المهاجرين وبين الأنصار ولاية الإرث ، إذا كان بينهم

وبينهم قرابة وعصوبة لانقطاع حكمها بسبب عدم الهجرة ، وإنما بينهم بحكم الإسلام ولاية النصر إلا على قوم معاهدين .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَـٰٓئِكَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَيۡءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْۚ وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (72)

فيه سبع مسائل :

الأولى - قوله تعالى : " إن الذين آمنوا " ختم السورة بذكر الموالاة ليعلم كل فريق وليه الذي يستعين به . وقد تقدم معنى الهجرة والجهاد{[7814]} لغة ومعنى . " والذين آووا ونصروا " معطوف عليه . وهم الأنصار الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم ، وانضوى إليهم النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرون . " أولئك " رفع بالابتداء . " بعضهم " ابتداء ثان " أولياء بعض " خبره ، والجميع خبر " إن " . قال ابن عباس : " أولياء بعض " في الميراث ، فكانوا يتوارثون بالهجرة ، وكان لا يرث من آمن ولم يهاجر من هاجر فنسخ الله ذلك بقول : " وأولوا الأرحام " الآية . أخرجه أبو داود . وصار الميراث لذوي الأرحام من المؤمنين . ولا يتوارث أهل ملتين شيئا . ثم جاء قوله عليه السلام : ( ألحقوا الفرائض بأهلها ) على ما تقدم بيانه في آية المواريث . وقيل : ليس هنا نسخ ، وإنما معناه في النصرة والمعونة ، كما تقدم في " النساء{[7815]} " . " والذين آمنوا " ابتداء والخبر " ما لكم من ولايتهم من شيء " وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة " من ولايتهم " بكسر الواو . وقيل هي لغة . وقيل : هي من وليت الشيء ، يقال : ولي بين الولاية . ووال بين الولاية . والفتح في هذا أبين وأحسن ؛ لأنه بمعنى النصرة والنسب . وقد تطلق الولاية والولاية بمعنى الإمارة .

الثانية - قوله تعالى : " وإن استنصروكم في الدين " يريد إن دعوا هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا من أرض الحرب عونكم بنفير أو مال لاستنقاذهم فأعينوهم ، فذلك فرض عليكم فلا تخذلوهم . إلا أن يستنصروكم على قوم كفار بينكم وبينهم ميثاق فلا تنصروهم عليه ، ولا تنقضوا العهد حتى تتم مدته . ابن العربي : إلا أن يكونوا أسراء{[7816]} مستضعفين فإن الولاية معهم قائمة والنصرة لهم واجبة ، حتى لا تبقى منا عين تطرف حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك ، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم حتى لا يبقى لأحد درهم . كذلك قال مالك وجميع العلماء ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، على ما حل بالخلق في تركهم إخوانهم في أسر العدو وبأيديهم خزائن الأموال ، وفضول الأحوال والقدرة والعدد والقوة والجلد . الزجاج : ويجوز " فعليكم النصر " بالنصب على الإغراء .


[7814]:راجع ج 3 ص 49.
[7815]:راجع ج 5 ص 80.
[7816]:زيادة عن ابن العربي.