تأويلات أهل السنة للماتريدي - الماتريدي  
{فَعَمِيَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَنۢبَآءُ يَوۡمَئِذٖ فَهُمۡ لَا يَتَسَآءَلُونَ} (66)

الآيتان 65 و66 ] وقوله تعالى : { ويوم/ 400- ب/ يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين } { فعميت عليهم الأنباء } اختلف فيه :

قال قائلون : إنما يسألون عن إجابتهم الرسل : ماذا أجبتموهم ؟ على علم منه أنهم ماذا أجابوهم ؟ { فعميت عليهم الأنباء } أي الإجابة ، فلا تتهيأ لهم الإجابة لهول ذلك [ اليوم ]{[15482]} وفزعهم .

وقال بعضهم : إنما يسألون عن الحجة والعذر الذي به كانوا تركوا إجابة الرسل ، فيقال لهم : لأي حجة وعذر تركتم إجابتهم .

[ وقوله تعالى ]{[15483]} : { فهم لا يتساءلون } قال بعضهم : لا يسأل بعضهم بعضا ، بل يتبرأ بعضهم من بعض ، ويكفر بعضهم ببعض ، ويلعن بعضهم بعضا{[15484]} على ما ذكر في الكتاب{[15485]} .

وقال بعضهم : { فهم لا يتساءلون } بالأنساب يومئذ لما لا حجة لهم ، ولا برهان ؛ أي لا يسأل بعضهم بعضا عن الحجج لأن الله أدحض حججهم ، وكلل ألسنتهم .

وقال بعضهم : { فهم لا يتساءلون } بالأنساب يومئذ كما كانوا يتساءلون في الدنيا كقوله : { فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } [ المؤمنون : 101 ] والله أعلم بذلك .

ثم إن بعض المعتزلة تكلموا فيه ، وقالوا : لو كان الأمر على ما قاله القدريون والجبريون في المشيئة والإرادة لكان يسهل لهم الاحتجاج ، ويهون لهم العذر ، فيقولون : يا ربنا أجبنا من نفذ من مشيئتك وإرادتك وما مضى من قضائك وكتابك علينا إذ كنت أنت قضيت ، وكتبت علينا ، وشئت ، وأردت ، بما{[15486]} كان منا من التكذيب لهم وترك الإجابة ، فلم يكن لنا تخلص مما شئت أنت ، وقضيت علينا .

إلى هذا الخيال يذهب جعفر بن حرب . وهذا منه{[15487]} تعليم لأولئك الكفرة الحجاج بالباطل والكذب بين يدي رب العالمين للتكذيب الذي كان منهم .

ثم يقال : لو كان لهم ذلك الحجاج على زعمكم فلا يكون ذلك لهم بقولنا ، ولكن إنما يكون بكتاب الله وسنة رسوله وقول المسلمين أجمعين حين{[15488]} قالوا : ما شاء الله كان ، وما{[15489]} لم يشأ لم يكن .

وبكتاب الله ذكر{[15490]} في غير آية من القرآن [ قوله ]{[15491]} : { يهدي به من يشاء من عباده } [ الأنعام : 88 ] وقوله : { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } [ القصص : 56 ] وقوله : { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى } [ الأنعام : 35 ] وقوله : { ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم } الآية [ يونس : 99 ] وأمثاله مما لا يحصى من الآيات . فإن كان لهم ذلك فإنما يكون بما ذكر لا بقولنا .

وأصله أنه لا يكون لهم هذا النوع من الاحتجاج لأنهم وقت لا يعقلون بأن الله شاء ذلك لهم ، أو قضى ، وكتب ذلك عليهم ، وهم يودون ، ويحبون وقت فعلهم أن يشاء الله ذلك منهم ، ويرضى . فإن كانوا وقت فعلهم لا يعقلون ذلك فكيف يكون لهم الحجاج على ما كانوا يفعلون ذلك{[15492]} ؟ لكن هذا منهم تعليم الكذب لهم ليكذبوا بين يدي رب العالمين على ما ذكر .

وأصل قولنا في هذا : أنا نقول : إنه شاء من كل ما علم أنه يكون منه ؛ إذ لا يجوز أن يشاء منه خلاف علمه{[15493]} أنه يكون لأن فيه أحد وجهين : إما الجهل بالعواقب وإما العجز فيه ، وذلك من الله منفيان . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

وأصله ما روي عن أبي حنيفة . رحمه الله ، أنه قال : بيننا وبين القدرية حرفان :

هما{[15494]} : أنا نقول : إن الله أعلم ما يكون أنه يكون . فإن قالوا : لا كفروا لأنهم جهلوا الله ، وإن قالوا : بلى ، فيقال لهم : وشاء أن يكون . فإن{[15495]} قالوا : لا كفروا لأنهم يقولون : شاء أن يجهل ذلك ، [ وإن قالوا : بلى ]{[15496]} لزمهم قولنا في المشيئة والإرادة لله في ذلك .

قال أبو عوسجة والقتبي : { فعميت } بالتخفيف أي خفيت فعميت بالتشديد{[15497]} أي أخفيت .


[15482]:- ساقطة من الأصل وم.
[15483]:- ساقطة من الأصل وم.
[15484]:- من م، في الأصل ببعض.
[15485]:- إشارة إلى قوله تعالى: {ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا} [العنكبوت:25].
[15486]:- في الأصل وم: ما.
[15487]:- ساقطة من م.
[15488]:- في الأصل وم: حيث.
[15489]:- الواو ساقطة من الأصل.
[15490]:- أدرج قبلها في الأصل وم: ما.
[15491]:- ساقطة من الأصل وم.
[15492]:- في الأصل وم: لا لذلك.
[15493]:- في الأصل وم: علم.
[15494]:- في الأصل: أحدهما، ولعل الحرفين: لا وبلى الآتيان.
[15495]:- في الأصل وم: فإنه.
[15496]:- من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.
[15497]:- انظر معجم القراءات القرآنية ج5/ 30.