النكت و العيون للماوردي - الماوردي  
{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ} (4)

{ وثيابَك فَطِّهرْ } فيه خمسة أقاويل :

أحدها : أن المراد بالثياب العمل .

الثاني : القلب .

الثالث : النفْس .

الرابع : النساء والزوجات .

الخامس : الثياب الملبوسات على الظاهر .

فمن ذهب على أن المراد بها العمل قال تأويل الآية : وعملك فأصلح ، قاله مجاهد ، ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :

" يحشر المرء في ثوبيه اللذين مات فيهما " يعني عمله الصالح والطالح .

ومن ذهب إلى أن المراد بالثياب القلب فالشاهد عليه قول امرىء القيس :

وإن تك قد ساءتك مني خليقةٌ *** فسلّي ثيابي من ثيابكِ تنسلِ

ولهم في تأويل الآية وجهان :

أحدهما : معناه وقلبك فطهر من الإثم والمعاصي ، قاله ابن عباس وقتادة .

الثاني : وقلبك فطهر من الغدر وهذا مروي عن ابن عباس ، واستشهد بقول الشاعر{[3129]} :

فإني بحْمدِ الله لا ثوْبَ فاجر *** لبست ولا مِن غَدْرةٍ أَتَقَنّع .

ومن ذهب إلى أن المراد بالثياب النفس فلأنها لابسة الثياب ، فكنى عنها بالثياب ، ولهم في تأويل الآية ثلاثة أوجه :

أحدها : معناه ونفسك فطهرها مما نسبك إليه المشركون من شعر أو سحر أو كهانة أو جنون ، رواه ابن أبي نجيح وأبو يحيى عن مجاهد .

الثاني : ونفسك فطهرها مما كنت تشكو منه وتحذر ، من قول الوليد بن المغيرة ، قاله عطاء .

الثالث : ونفسك فطهرها من الخطايا ، قاله عامر{[3130]} .

ومن ذهب إلى أن المراد النساء والزوجات فلقوله تعالى : { هن لباس لكم وأنتم لباس لهن } [ البقرة : 187 ] ولهم في تأويل الآية وجهان :

أحدهما : معناه ونساءك فطهر باختيار المؤمنات العفائف .

الثاني : الاستمتاع بهن في القبل دون الدبر ، وفي الطهر دون الحيض ، حكاهما ابن بحر .

ومن ذهب إلى أن المراد بها الثياب الملبوسة على الظاهر ، فلهم في تأويله أربعة أوجه :

أحدها : معناه وثيابك فأنْقِ ، رواه عطاء عن ابن عباس ، ومنه قول امرىء القيس :

ثياب بني عَوفٍ طهارى نقيّةٌ *** وأَوْجُهُهُمْ عند المشاهد غُرّان{[3131]}

الثاني : وثيابك فشمّر وقصّر ، قاله طاووس .

الثالث : وثيابك فطهر من النجاسات بالماء ، قاله محمد بن سيرين وابن زيد والفقهاء .

الرابع : معناه لا تلبس ثياباً إلا [ من ] كسب حلال مطهرة من الحرام .


[3129]:هو غيلان بن سلمة الثقفي.
[3130]:يريد عامرا الشعبي.
[3131]:كل ما جاء في تفسير "ثيابك فطهر" نقله القرطبي حرفيا عن المؤلف وهو نحو صفحتين. وقد كتب هذا البيت محرفا ونسبه إلى ابن أبي كبشة وهو خطأ. والبيت ذكره أبو بكر الأنباري في شرح القائد السلع الطوال ص 46.