الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (94)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{فاصدع بما تؤمر}، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أسر النبوة وكتمها سنتين، فقال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فاصدع بما تؤمر} يقول: امض لما تؤمر من تبليغ الرسالة، فلما بلغ عن ربه عز وجل استقبله كفار مكة بالأذى، والتكذيب في وجهه، فقال تعالى: {وأعرض عن المشركين} يعني عن أذى المشركين إياك فأمره الله عز وجل بالإعراض والصبر على الأذى.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

"فاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ": فأمض وافرُق...

وقال تعالى ذكره: "فاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ "ولم يقل: بما تؤمر به، والأمر يقتضي الباء لأن معنى الكلام: فاصدع بأمرنا، فقد أمرناك أن تدعو إلى ما بعثناك به من الدين خَلقي وأذنّا لك في إظهاره...

"وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ "ويقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: بلغ قومك ما أرسلتَ به، واكفف عن حرب المشركين بالله وقتالهم. وذلك قبل أن يفرض عليه جهادهم...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{فاصدع بما تؤمر} كقوله: {فاستقم كما أمرت} (هود: 112) فهو في كل ما أمر به {واعرض عن المشركين} أي اعرض عن مكافأتهم، والله أعلم.

امض على ما تؤمر، من تبليغ الرسالة إليهم، ولا تخفهم ولا تهبهم، ولا يمنعك شيء عن تبليغ الرسالة: لا الخوف ولا القرابة ولا شيء من ذلك. ولكن امض على ما تؤمر...

وقال القتبي: {فاصدع بما تؤمر} أي أظهر. صدع: أظهر ذلك. وأصله: الفرق والفتح، يريد اصدع الباطل بحقك حتى يأتيك الموقن به، وهو الموت.

الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :

روى موسى عن عبيدة عن أخيه عبد الله بن عبيدة قال: مازال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفياً حتّى نزلت {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} فخرج هو وأصحابه...

{وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} لا تبال بهم {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ}.

تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :

(وأعرض عن المشركين) أي: عن جوابهم؛ لأن السفيه لا يسافه معه إلا سفيه.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ} فاجهر به وأظهره. يقال: صدع بالحجة إذا تكلم بها جهاراً، كقولك: صرح بها، من الصديع وهو الفجر، والصدع في الزجاجة: الإبانة. وقيل: {فاصدع} فافرق بين الحق والباطل بما تؤمر، والمعنى بما تؤمر به من الشرائع...

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

{فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ}..، أي ما تؤمر به من الشرائع المودعة في تضاعيف ما أوتيتَه من المثاني السبعِ والقرآنِ العظيم...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وحين يصل السياق إلى هذا الحد، يتجه بالخطاب إلى الرسول [صلى الله عليه وسلم] أن يمضي في طريقه. يجهر بما أمره الله أن يبلغه. ويسمى هذا الجهر صدعا -أي شقا- دلالة على القوة والنفاذ. لا يقعده عن الجهر والمضي شرك مشرك فسوف يعلم المشركون عاقبة أمرهم. ولا استهزاء مستهزئ فقد كفاه الله شر المستهزئين

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

تفريع على جملة {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني} [سورة الحجر: 87] بصريحه وكنايته عن التسلية على ما يلاقيه من تكذيب قومه. نزلت هذه الآية في السنة الرابعة أو الخامسة من البعثة ورسول الله عليه الصلاة والسلام مختف في دار الأرقم بن أبي الأرقم. رُوي عن عبد الله بن مسعود قال: ما زال النبي مستخفياً حتى نزلتْ: {فاصدع بما تؤمر} فخرج هو وأصحابه. يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت سورة المدثّر كان يدعو النّاس خفية وكان من أسلم من النّاس إذا أراد الصّلاة يذهب إلى بعْض الشّعاب يستخفي بصلاته من المشركين، فلحقهم المشركون يستهزئون بهم ويعِيبون صلاتهم، فحدث تضارب بينهم وبين سعد بن أبي وقاص أدمَى فيه سعد رجلاً من المشركين. فبعد تلك الوقعة دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه دار الأرقم عند الصّفا فكانوا يقيمون الصّلاة بها واستمروا كذلك ثلاث سنين أو تزيد، فنزل قوله تعالى: {فاصدع بما تؤمر} الآية. وبنزولها ترك الرسول صلى الله عليه وسلم الاختفاء بدار الأرقم وأعلن بالدّعوة للإسلام جهراً. والصدع: الجهر والإعلان. وأصله الانشقاق. ومنه انصداع الإناء، أي انشقاقه. فاستعمل الصدع في لازم الانشقاق وهو ظهور الأمر المحجوب وراء الشيء المنصدع؛ فالمراد هنا الجهر والإعلان.

وما صدقُ « ما تؤمر» هو الدّعوة إلى الإسلام. وقَصْدُ شمول الأمر كلّ ما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بتبليغه هو نكتة حذف متعلّق {تؤمر}، فلم يصرح بنحو بتبليغه أو بالأمر به أو بالدّعوة إليه. وهو إيجاز بديع. والإعراض عن المشركين الإعراض عن بعض أحوالهم لا عن ذواتهم. وذلك إبايتهم الجهر بدعوة الإسلام بين ظهرانيهم، وعن استهزائهم، وعن تصدّيهم إلى أذى المسلمين. وليس المراد الإعراض عن دعوتهم لأن قوله تعالى: {فاصدع بما تؤمر} مانع من ذلك، وكذلك جملة {إنا كفيناك المستهزئين}.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

ابتدأت الدعوة المحمدية بإعلانها بين أهل النبي صلى الله عليه وسلم فكان أول من آمن خديجة، ثم علي بن أبي طالب، ثم زيد بن حارثة ثم بين أصدقائه الذين يعرفون أمانته وفضل خلقه، وعظمة نفسه كأبي بكر، ثم أصدقائه كعثمان، وهكذا نبتت في خفاء كما نبتت البذرة في ركن مستور مغشي بلباب، حتى أمر الله نبيه أن يجهر وسط عشيرته فقال: {وأنذر عشيرتك الأقربين (214)} [الشعراء]، فجمعهم وأنذرهم ومنهم من ردوا سيئا كأبي لهب، ولكن العبادة كانت في خفاء لا يخرج المؤمنون جهارا، والإيذاء مع ذلك يتوالى، حتى دخل بعض الأقوياء بأشخاصهم فوق شرفهم النسبي كحمزة بن عبد المطلب والفاروق عمر بن الخطاب، فكان الجهر وتلقى الأذى بالمجاهرة ونزل قوله تعالى: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (94)}.

والمعنى حينئذ، اجهر بالحق، وشق به ظلام الجاهلية، كما يشق الفجر بنوره ظلمة الليل.

التفسير الحديث لدروزة 1404 هـ :

...روح الآيتين ومقامهما يلهمان أنهما جزء من السياق السابق، وإنهما بسبيل تثبيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبث القوة والجرأة في نفسه مع بشرى من الله عز وجل بأنه كافيه وحاميه وعاصمه من المستهزئين بصورة عامة. وهي قوية رائعة في تلقينها وتطمينها وفي الخطة الحكيمة التي أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها بترسمها إزاء موقف الكفار وعنادهم. وجاءت خاتمة قوية للسورة التي احتوت فصولا في مواقف الكفار وأقوالهم وإنذارهم وطابع الختام بارز عليهما كما هو المتبادر.

ولقد تحققت بشرى الله عز وجل لرسوله بأنه قد كفاه المستهزئين وعصمه منهم فكانت معجزة من معجزات القرآن. وذلك بما كان من عدم قدرتهم عليه رغم مؤامراتهم، ثم بما كان من انتصارهم عليهم وهزيمة الشرك الساحقة وهلاك معظم رؤساء المستهزئين والمناوئين ودخول الناس في الله أفواجا، ثم في سلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المكر والكيد والمؤامرات التي عمد أولئك الرؤساء إليها ضده والتي حكاها القرآن في آية سورة الأنفال هذه: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)}.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

أي: افرغ لمهمتك؛ فالصدع تصنع شقاً في متماسك، كما نشق زجاجاً بالمشرط الخاص بذلك، أو ونحن نصنع شقاً في حائط. والرسول صلى الله عليه وسلم قد جاء ليشق الكفر ويهدم الفساد القوي المتماسك الذي يقوي بقوة صناديد قريش. وقد شاع ذلك المصطلح "الصداع "في الزجاج؛ لأنه يصعب أن يجمع الإنسان الفتافيت والقطع الصغيرة التي تنتج من صدعه، وقد جاء الإيمان ليصدع بنيان الكفر والفساد المتماسك. وقول الحق سبحانه: {وأعرض عن المشركين} أي: أعطهم عرض كتفيك، ولا تسأل عنهم؛ فهم لن يسلموا لك، ذلك أنهم مستفيدون من الفساد الذي جئت أنت لتهدمه، ولكنهم سيأتون لك تباعاً بعد أن تتثبت دعوتك، وتصل قلوبهم إلي تيقن أن ما جئت به هو الحق. والمثل هو إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص؛ فقد قالا: لقد استقر الأمر لمحمد، ولم تعد معارضتنا له تفيد أحداً، ودخلا الإسلام.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} وجاهر به بقوّة، ولا تتوقف أمام أيّة حالةٍ من حالات التحدي {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشرِكِينَ} الذين يقفون أمامك، ليواجهوا الدعوة بالتآمر والكيد والتمرُّد على الله، فإنهم لا يستطيعون الوصول إلى ما يريدون من إجهاز على الإسلام، الأمر الذي يفرض عليك مواصلة السير من المواقع الثابتة التي تفرضها الرسالة، وعدم التوقف للرد على أي كلمة تصدر هنا وهناك، لأن الكلمات التي لا تصدر على أساس المسؤولية، لا ينبغي أن تثير اهتمام الداعية أو تعقّد نفسيّته، أو تضعف حركته أو توقف مسيرته...

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (94)

{ فاصدع } أي اجهر بعلو وشدة ، فارقاً بين الحق والباطل بسبب ذلك { بما تؤمر } به من القرآن وكتاب مبين { وأعرض } أي إعراض من لا يبالي { عن المشركين * } بالصفح الجميل عن الأذى والاجتهاد في الدعاء ، ويؤيد أن قوله { كما } راجع إلى قصة صالح ومتعلق بها - وإن لم أر من سبقني إليه - ذكرُ الوصف الذي به تناسبت الآيتان وهو الاقتسام ، ثم وصف المقتسمين بالذين جعلوا القرآن عضين ، لئلا يظن أنهم الذين تقاسموا في بيات صالح ، أي أتينا أولئك الآيات المقتضية للإيمان فما كان منهم إلا التكذيب والتقاسم كما أنزلنا على هؤلاء الآيات فما كان منهم إلا ذلك ، وإنما عبر في أولئك ب { ءاتيناهم } لأن آياتهم الناقة وولدها والبئر ، وهي معطاة محسوسة ، لا منزلة معقولة ، وقال في هؤلاء " أنزلنا " إشارة إلى القرآن الذي هو أعظم الآيات ، أو إلى الجميع وغلب عليها القرآن لأنه أعظمها ، وإلى أنهم مبطلون في جحدهم وأنه لا ينبغي لهم أن يتداخلهم نوع شك في أنه منزل لأنه أعظم من تلك الآيات مع كونها محسوسات ، وأما اعتراض ما بينهما من الآيات فمن أعظم أفانين البلاغة ، فإنه لما أتم قصة صالح عليه السلام ، علم أن المتعنتين ربما قالوا : لأيّ شيء يخلقهم ثم يهلكهم مع علمه بعدم إجابتهم ؟ فرد عليهم بأنه ما خلق { السماوات والأرض وما بينهما } من هؤلاء المعاندين ومن أفعالهم وعذابهم وغير ذلك { إلا بالحق وأن الساعة لآتية } فيعلم ذلك كله بالعيان من يشك فيه الآن ، وذلك حين يكشف الغطاء عن البصائر والأبصار فاصفح عنهم ، فإنه لا بد من الأخذ لك بحقك ، إن لم يكن في الدنيا ففي يوم الجمع ، ثم أكد التصرف بالحكمة بقوله { إن ربك هو الخلاّق العليم } ثم سلاه - عما يضيّقون به صدره من التكذيب بالساعة ، وأن الوعد بها إنما هو سحر ، ونحو ذلك من القول ، ومن افتخارهم بأموالهم ونسبته إلى الحاجة إلى المشي بالأسواق - بما آتاه من كنوز القرآن ، وأمره بأن يزيد في التواضع واللين للمؤمنين لتطيب نفوسهم فلا يأسوا على ما فاتهم من الدنيا ، وأن ينذر الجميع ويحذرهم من سطوات الله أمثال ما أنزل بالأقدمين ، ثم عاد إليهم فشبههم بهؤلاء في التكذيب ليعلم أنهم أجدر منهم بالعذاب لأنهم مشبه بهم ، والمشبه به أعلى من المشبه ، وذلك لكونهم أشد كفراً لأن نبيهم أعظم وآياته أجل وأكثر ، وأجلى وأبهر ، فيكون ذلك سبب اشتداد حذرهم ، ولك أن تقول ولعله أحسن : إنه تعالى لما ذكر أن ثمود سكنوا الأرض سكنى الآمنين .

فأزعجتهم عنها صيحه سلبت أرواحهم ، وقلبت أشباحهم ، كما سيكون لأهل الأرض قاطبة بنفخة الصور ، عند نفوذ المقدور ، وكان قد قدم ذكر كثير مما في السماوات والأرض من الآيات والعبر بقوله تعالى { ولقد جعلنا في السماء بروجاً } وما بعد ذلك من الجن والإنس وغيرهما مما جعل ذكر اختراعه دليلاً على الساعة ، أتبع ذلك أن سبب خلق ذلك كله وما حواه من الخافقين إنما هو الساعة فقال { وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق } أي بالأمر الثابت لا بالتمويه والسحر كما أنتم تشاهدون ، أو بسبب إقامة الحق وإبانته من الباطل إبانة لا شك فيها يوم الجمع الأكبر ، ومن إقامة الحق تنعيم الطائع وتعذيب العاصي ، وذلك بعد إتيان الساعة بنفختي الصور { وإن الساعة لآتيه بالحق } أيضاً ، وليست سحراً كما تظنون ، ولما كان إتيانها لهذا العرض مما يشفي القلب لإدراك الثأر وهو حق لا بد منه ، تسبب عنه قوله تعالى { فاصفح الصفح الجميل } .

ولما كانت النفس بخبر الأعلم أوثق ، وكان صانع الشيء أعلم به من غيره فكيف إذا كان مع ذلك تام للعلم قال الله تعالى معللاً لذلك { إن ربك } أي المحسن إليك { وهو الخلاّق } أي التام القدرة على الإيجاد والإعدام ، الفعال لذلك " العليم " البالغ العلم ؛ ولما ختم بهذين الوصفين بعد تقدم الأخبار عما أوتى أهل الحجر من الآيات ، وأنه خلق الوجود بالحق لا بالتمويه ، وكان ذلك موجباً لتوقع الإخبار عما أوتي هذا النبي الكريم منها لإرشاد أمته ، وكانت الآيات إما أن تكون من قسم الخلق كآية صالح ، أو من قسم الأمر الذي هو مدار العلم ، أشار إلى تفضيله صلى الله عليه وسلم بفضل آيته ، فقال عاطفاً على ذلك { ولقد ءاتيناك } أي إن كنا أتينا صالحاً أو غيره آية مضت فلم يبق إلا ذكرها فقد آتيناك { سبعاً من المثاني } وهي الفاتحة التي خصصت بها ، ثنى فيها البسملة للمبادىء ، والحمدلة للكمالات ، والرحمانية والرحيمية فيها للإبداع الأول والمرضي من الأعمال ، وملك الدنيا المسمى بالربوبية لكونه مستوراً ، وملك يوم الدين ، وبينهما رحمانية الإيجاد الثاني بالمعاد ورحيمية الثواب للمرضي من الأسباب ، والعبادة التي لا تكون إلا مع القدرة والاختيار ، والاستعانة الناظرة إلى العجز عن كمال الاقتدار ، والهداية بالهادي والمهدي ، والضلال في مقابل ذلك بالمضل والضال ، وفي ذلك أسرار لا تسعها الأفكار { والقرآن العظيم } الجامع لجميع الآيات مع كونه حقاً ثابتاً لا سحراً وخيالاً ، بل هو آية باقية على وجه الدهر ، مستمراً أمرها ، دائماً تلاوتها وذكرها ، تفني الجبال الرواسي وهي باقية ، وتزول السماوات والأراضي وهي جديدة ، إذا اصطف عسكر الفجرة قالت كل آية منها هل من مبارز ؟ وإن رام عدو مطاولة لتحققه بالضعف صاحت لدوام قوتها : إني أناجز فلا تقوم لها قائم ، ولا يحوم حول حماها حائم ، ولا يروم خوض بحرها رائم .

ولما كانت هذه الآية لصاحبها مغنية ، ولمن فاز بقبولها معجبة مرضية ، حسن كل الحسن اتباعها بقوله { لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم } ولما كان كفرهم بعد بيانها إنما هو عناد ، قال تعالى " ولا تحزن عليهم " ولما كان الغني بها ربما طن حسن أنفة الغنى ، عقبه قوله { واخفض جناحك للمؤمنين } ولما كان ربما ظن أن تلاوتها تغني عن الدعاء لا سيما لمن أعرض ، نفى ذلك بقوله { وقل إني أنا النذير المبين } تحريضاً على الاجتهاد في التحذير ، وتثبيتاً للمؤمنين وإرغاماً للمعاندين ، واستجلاباً لمن أراد الله إسعاده من الكافرين ، إعلاماً بأن القلوب بيد الله سبحانه وتعالى ، فلا وثوق مع ذلك بمقبل ، ولا يأس عن مدبر .

ولما تم ذلك على هذا النظم الرصين ، والربط الوثيق المتين ، التفت الخاطر إلى حال من يندرهم ، وكان كفار قريش - في تقسيمهم القول في القرآن واقتسامهم طرق مكة لإشاعة ذلك البهتان ، تنفيراً لمن أراد الإيمان - أشبه شيء بالمقتسمين على صالح عليه السلام ، قال تعالى { كما } أي آتينا أولئك المقتسمين آياتنا فكانوا عنها معرضين ، مثل ما { أنزلنا } آياتنا { على المقتسمين } أي الذين تقاسموا برغبة كبيرة واجتهاد في ذلك { الذين جعلوا القرآن عضين } أي ذا أعضاء أي أجزاء متفاصلة متباينة مثل أعضاء الجزور إذا قطعت ، جمع عضة مثل عدة وأصلها عضوة { فوربك لنسئلنهم أجمعين } أي لا يمتنع علينا منهم أحد { عما كانوا يعملون فاصدع } أي بسبب أمرنا لك بالإنذار وإخبارك أنا نسأل كل واحد عما عمل { بما تؤمر وأعرض عن المشركين } .