الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَأَذَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوۡمَ ٱلۡحَجِّ ٱلۡأَكۡبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيٓءٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ وَرَسُولُهُۥۚ فَإِن تُبۡتُمۡ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (3)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر} يعني يوم النحر، وإنما سمى الحج الأكبر؛ لأن العمرة هي الحج الأصغر، وقال: {أن الله برئ من المشركين ورسوله} من العهد، {فإن تبتم} يا معشر المشركين من الشرك، {فهو خير لكم} من الشرك، {وإن توليتم}، يقول: إن أبيتم التوبة فلم تتوبوا، {فاعلموا أنكم غير معجزي الله}، خوفهم كما خوف أهل العهد أنكم أيضا غير سابقي الله بأعمالكم الخبيثة حتى يجزيكم بها، ثم قال: {وبشر الذين كفروا} بتوحيد الله {بعذاب أليم} يعني وجيع...

تفسير الإمام مالك 179 هـ :

عن مالك، أن يوم الحج الأكبر، يوم النحر... قال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: لا نشك أن الحج الأكبر يوم النحر، وذلك لأنه اليوم الذي ترمى فيه الجمرة، وينحر فيه الهدي وتُراق فيه الدماء، وهذا اليوم الذي ينقضي فيه الحج، من أدرك ليلة النحر فوقف بعرفة قبل الفجر أدرك الحج، وهو انقضاء الحج. وهو الحج الأكبر...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: وإعلام من الله ورسوله إلى الناس يوم الحجّ الأكبر...

وأما قوله:"يَوْمُ الحَجّ الأكْبَرِ" فإنه قيل اختلافا بين أهل العلم؛ فقال بعضهم: هو يوم عرفة... وقال آخرون: هو يوم النحر... وقال آخرون: معنى قوله: "يَوْمُ الحَجّ الأكْبَرِ": حين الحجّ الأكبر ووقته... وبعد: فإن اليوم إنما يضاف إلى معنى الذي يكون فيه، كقول الناس: يوم عرفة، وذلك يوم وقوف الناس بعرفة، ويوم الأضحى، وذلك يوم يضحون فيه ويوم الفطر، وذلك يوم يفطرون فيه وكذلك يوم الحجّ، يوم يحجون فيه. وإنما يحجّ الناس ويقضون مناسكهم يوم النحر، لأن في ليلة نهار يوم النحر الوقوف بعرفة كان إلى طلوع الفجر، وفي صبيحتها يعمل أعمال الحجّ فأما يوم عرفة فإنه وإن كان الوقوف بعرفة فغير فائت الوقوف به إلى طلوع الفجر من ليلة النحر، والحجّ كله يوم النحر.

وأما ما قال مجاهد من أن يوم الحجّ إنما هو أيامه كلها، فإن ذلك وإن كان جائزا في كلام العرب، فليس بالأشهر الأعرف في كلام العرب من معاينه، بل غلب على معنى اليوم عندهم أنه من غروب الشمس إلى مثله من الغد، وإنما محمل تأويل كتاب الله على الأشهر الأعرف من كلام من نزل الكتاب بلسانه.

واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله قيل لهذا اليوم: يوم الحجّ الأكبر؛ فقال بعضهم: سمي بذلك لأن ذلك كان في سنة اجتمع فيها حج المسلمين والمشركين... وقال آخرون: الحجّ الأكبر: القران، والحجّ الأصغر: الإفراد... وقال آخرون: الحجّ الأكبر: الحجّ، والحجّ الأصغر: العمرة... عن الشعبي، قال: كان يقال: الحجّ الأصغر: العمرة في رمضان...

وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي قول من قال: الحجّ الأكبر الحجّ لأنه أكبر من العمرة بزيادة عمله على عملها، فقيل له الأكبر لذلك. وأما الأصغر فالعمرة، لأن عملها أقلّ من عمل الحجّ، فلذلك قيل لها الأصغر لنقصان عملها عن عمله.

وأما قوله: "أنّ اللّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ "فإن معناه: أن الله بريء من عهد المشركين ورسوله بعد هذه الحجة. ومعنى الكلام: وإعلام من الله ورسوله إلى الناس في يوم الحجّ الأكبر، أن الله ورسوله من عهد المشركين بريئان... أي بعد الحجة.

"فإنْ تُبْتُمْ فهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإنْ تَوَلّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنّكُمْ غيرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشّرِ الّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أليمٍ": يقول تعالى: فإن تبتم من كفركم أيها المشركون، ورجعتم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأنداد، فالرجوع إلى ذلك خير لكم من الإقامة على الشرك في الدنيا والآخرة. "وإنْ تَوَلّيْتُمْ" يقول: وإن أدبرتم عن الإيمان بالله وأبيتم إلا الإقامة على شرككم. "فاعْلَمُوا أنّكُمْ غيرُ مُعْجِزي اللّهِ" يقول: فأيقنوا أنكم لا تفيتون الله بأنفسكم من أن يحلّ بكم عذابه الأليم وعقابه الشديد على إقامتكم على الكفر، كما فعل بذويكم من أهل الشرك، من إنزال نقمه به وإحلاله العذاب عاجلاً بساحته.

"وَبَشّر الّذِينَ كَفَرُوا" يقول: وأعلم يا محمد الذين جحدوا نبوّتك وخالفوا أمر ربهم بعذاب موجع يحلّ بهم.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

إنْ عادوا إلى البابِ لم يقطعْ رجاءهم، ومدَّ إلى حدِّ وضوحِ العُذْرِ إرجاءَهم. وبيَّن أنهم إِنْ أَصَرُّوا على عُتُوِّهم فإلى ما لا يُطِيقون من العذاب مِنْقَلبهُم، وفي النار مثواهم.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

فإن قلت: أي فرق بين معنى الجملة الأولى والثانية؟ قلت: تلك إخبار بثبوت البراءة. وهذه إخبار بوجوب الإعلام بما ثبت. فإن قلت: لم علقت البراءة بالذين عوهدوا من المشركين وعلق الأذان بالناس؟ قلت: لأنّ البراءة مختصة بالمعاهدين والناكثين منهم، وأمّا الأذان فعام لجميع الناس من عاهد ومن لم يعاهد، ومن نكث من المعاهدين ومن لم ينكث...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أن قوله: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين} جملة تامة، مخصوصة بالمشركين، وقوله: {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر} جملة أخرى تامة معطوفة على الجملة الأولى وهي عامة في حق جميع الناس، لأن ذلك مما يجب أن يعرفه المؤمن والمشرك من حيث كان الحكم المتعلق بذلك يلزمهما جميعا، فيجب على المؤمنين أن يعرفوا الوقت الذي يكون فيه القتال من الوقت الذي يحرم فيه، فأمر الله تعالى بهذا الإعلام يوم الحج الأكبر، وهو الجمع الأعظم ليصل ذلك الخبر إلى الكل ويشتهر ثم قال: {وبشر الذين كفروا بعذاب أليم} في الآخرة لكي لا يظن أن عذاب الدنيا لما فات وزال، فقد تخلص عن العذاب، بل العذاب الشديد معد له يوم القيامة، ولفظ البشارة ورد ههنا على سبيل استهزاء...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان كأنه قيل: ما هذا الإعلام؟ قال مفسراً له مصرحاً بما هو المقصود لئلا يقع فيه نوع لبس حاذفاً الصلة إعلاماً بأن هذا مستأنف على تقدير سؤال سائل، {أن الله} أي الذي له الغنى المطلق والقوة الباهرة {بريء من المشركين*} أي الذين لا عهد لهم خاص فلا مانع من قتالهم ولما أعلم سبحانه بالبراءة عنها، سبب عنها مرغباً مرهباً قوله التفاتاً إلى الخطاب: {فإن تبتم} أي عن الكفر والغدر {فهو} أي ذلك الأمر العظيم وهو المتاب {خير لكم} أي لأنكم تفوزون في الوفاء بالأمان في الدنيا، وفي الإسلام بالسلامة في الدارين. ولما كانت التوبة محبوبة بالطبع لما لها من النفع قال: {وإن توليتم} أي كلفتم أنفسكم خلاف ما يشتهي من التوبة موافقة للفطرة الأولى، وأصررتم على الكفر والغدر اتباعاً للهوى المكتسب من خباثة الجبلة ورداءة الأخلاط التي قعدت بالروح عن أوجها الأول إلى الحضيض الأسفل {فاعلموا} أي علماً لا شبهة فيه {أنكم غير معجزي الله}...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله} هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، مصرحة بالتبليغ الصريح الجهري العام للبراءة من المشركين، أي من عهودهم وسائر خرافات شركهم وضلالاته، ومبينة لوقته الذي لا يسهل تعميمه إلا فيه، وهو يوم الحج الأكبر، وفي تعيينه خلاف سيذكر مع ترجيح أنه عيد النحر الذي تنتهي فيه فرائض الحج وأركانه، ويجتمع الحاج فيه لإتمام واجبات المناسك وسننها في منى. والأذان النداء الذي يطرق الآذان، بالإعلام بما ينبغي أن يعلمه الخاص والعام، وهو اسم من التأذين، قال تعالى: {فأذن مؤذن بينهم أيتها العير إنكم لسارقون} [يوسف:70]، ومنه الأذان للصلاة. وأذن بها أعلم، وآذنه بالشيء إيذانا أعلمه به. وأذن بالشيء (كعلم) علمه، وأذن له (كتعب) استمع. وأعاد التصريح في هذا الأذان بكونه من الله باسم الذات، ومن رسوله بصفة التبليغ الذي تقتضيه الرسالة، كما صرح بهما في البراءة، وصرح في الموضعين بذكر المشركين بعنوان الشرك ووصفه، وذلك لتأكيد هذا الحكم، وتأكيد تبليغه من جميع وجوهه.

ثم أكد ما يجب أن يبلغوه من ذلك بما أوجب أن يخاطبوا به من غير تأخير بقوله: {فإن تبتم} أي قولوا لهم: فإن تبتم بالرجوع عن شرككم وما زينه لكم من الخيانة والغدر بنقض العهود، وقبلتم هداية الإسلام.

{فهو خير لكم} في الدنيا والآخرة؛ لأن هداية الإسلام هي السبب لسعادتهما.

{وإن توليتم} أي أعرضتم عن إجابة هذه الدعوة إلى التوبة.

{فاعلموا أنكم غير معجزي الله} أي غير فائتيه بأن تفلتوا من حكم سننه ووعده لرسله والمؤمنين بالنصر كما تقدم آنفا.

{وبشر الذين كفروا بعذاب أليم} وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه نبأ عن الغيب الذي لا يمكن علمه إلا بوحي الله عز وجل، وقد تقدم في هذا التفسير أن البشارة ما يؤثر في البشرة من الأنباء، إما بالتهلل وإشراق الوجه وهو السرور الذي تنبسط به أسارير الجبهة وتتمدد، وإما بالعبوس والبسور وتقطيب الوجه من الكدر أو الحزن أو الخوف. وغلب في الأول حتى ذهب الأكثرون إلى كونه حقيقة فيه، وأن استعماله فيما يسوء ويكدر إنما يقال من باب التهكم.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

بعد ذلك يبين الموعد الذي تعلن فيه هذه البراءة وتبلغ إلى المشركين لينذروا بها وبالموعد المضروب فيها:

{وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر: أن الله بريء من المشركين ورسوله. فإن تبتم فهو خير لكم، وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله، وبشر الذين كفروا بعذاب أليم}..

ويوم الحج الأكبر اختلفت الروايات في تحديده: أهو يوم عرفة أم يوم النحر. والأصح أنه يوم النحر: والأذان البلاغ؛ وقد وقع للناس في الموسم؛ وأعلنت براءة الله ورسوله من المشركين كافة -من ناحية المبدأ- وجاء الاستثناء في الإبقاء على العهد إلى مدته في الآية التالية.. والحكمة واضحة في تقرير المبدأ العام ابتداء في صورة الشمول؛ لأنه هو الذي يمثل طبيعة العلاقات النهائية. أما الاستثناء فهو خاص بحالات تنتهي بانتهاء الأجل المضروب. وهذا الفهم هو الذي توحي به النظرة الواسعة لطبيعة العلاقات الحتمية بين المعسكر الذي يجعل الناس عبيداً لله وحده، والمعسكرات التي تجعل الناس عبيداً للشركاء، كما أسلفنا في التقديم للسورة والتقديم لهذا المقطع منها كذلك.

ومع إعلان البراءة المطلقة يجيء الترغيب في الهداية والترهيب من الضلالة:

{فإن تبتم فهو خير لكم، وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله، وبشر الذين كفروا بعذاب أليم}..

وهذا الترهيب وذلك الترغيب في آية البراءة؛ يشيران إلى طبيعة المنهج الإسلامي. إنه منهج هداية قبل كل شيء. فهو يتيح للمشركين هذه المهلة لا لمجرد أنه لا يحب أن يباغتهم ويفتك بهم متى قدر -كما كان الشأن في العلاقات الدولية ولا يزال!- ولكنه كذلك يمهلهم هذه المهلة للتروي والتدبر، واختيار الطريق الأقوم؛ ويرغبهم في التوبة عن الشرك والرجوع إلى الله، ويرهبهم من التولي، وييئسهم من جدواه، وينذرهم بالعذاب الأليم في الآخرة فوق الخزي في الدنيا. ويوقع في قلوبهم الزلزلة التي ترجها رجاً لعل الركام الذي ران على الفطرة أن ينفض عنها، فتسمع وتستجيب!

ثم.. هو طمأنة للصف المسلم، ولكل ما في قلوب بعضه من مخاوف ومن تردد وتهيب؛ ومن تحرج وتوقع.

فالأمر قد صار فيه من الله قضاء. والمصير قد تقرر من قبل الابتداء!

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

... والأذانُ اسم مصدر آذنه، إذا أعلمه بإعلان، مثل العطاء بمعنى الإعطاء، والأمان بمعنى الإيمان، فهو بمعنى الإيذان.

وإضافة الأذان إلى الله ورسوله دُون المسلمين، لأنّه تشريع وحكم في مصالح الأمّة، فلا يكون إلاّ من الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا أمر للمسلمين بأن يأذنوا المشركين بهذه البراءة، لئلا يكونوا غادرين، كما قال تعالى: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين} [الأنفال: 58]. والمراد بالناس جميع الناس من مؤمنين ومشركين لأن العلم بهذا النداء يَهُمّ الناس كلّهم.

ويوم الحجّ الأكبر: قيل هو يوم عرفة، لأنّه يوم مجتمع الناس في صعيد واحد

و {الأكبر} بالجرّ نعت للحجّ، باعتبار تجزئته إلى أعمال، فوُصف الأعظم من تلك الأعمال بالأكبر، ويظهر من اختلافهم في المراد من الحجّ الأكبر أنّ هذا اللفظ لم يكن معروفاً قبل نزول هذه الآية فمن ثم اختلف السلف في المراد منه.

وهذا الكلام إنشاءٌ لهذا الأذان، موقّتاً بيوم الحجّ الأكبر، فيؤوّل إلى معنى الأمر، إذ المعنى آذنوا الناس يوم الحجّ الأكبر بأنّ الله ورسوله بريئان من المشركين.

والمراد ب {الناس} جميع الناس الذين ضمّهم الموسم، ومن يبلغه ذلك منهم: مؤمنهم ومشركهم، لأنّ هذا الأذان ممَّا يجب أن يعلمه المسلم والمشرك، إذ كان حكمه يلزم الفريقين.

وقوله: {أن الله بريء من المشركين} يتعلّق ب {أذان} بحذف حرف الجرّ وهو باء التعدية أي إعلام بهذه البراءة المتقدّمة في قوله: {براءة من الله ورسوله} [التوبة: 1] فإعادتها هنا لأنّ هذا الإعلام للمشركين المعاهَدين وغيرهم، تقريراً لعدم غدر المسلمين، والآية المتقدّمة إعلام للمسلمين.

وجاء التصريح بفعل البراءة مرّة ثانية دون إضمار ولا اختصار بأن يقال: وأذان إلى الناس بذلك، أو بها، أو بالبراءة، لأنّ المقام مقام بيان وإطناب لأجل اختلاف أفهام السامعين فيما يسمعونه، ففيهم الذكّي والغبي، ففي الإطناب والإيضاح قطع لمعاذيرهم واستقصاء في الإبلاغ لهم.

وعُطف {ورسوله} بالرفع، عند القرّاء كلّهم: لأنّه من عطف الجملة، لأنّ السامع يعلم من الرفع أنّ تقديره: ورسولُه بريءٌ من المشركين، ففي هذا الرفع معنى بليغ من الإيضاح للمعنى مع الإيجاز في اللفظ، وهذه نكتة قرآنيّة بليغة،...

وممّا يجب التنبيه له: ما في بعض التفاسير أنّه روى عن الحسن قراءة {ورسوله} بالجرّ ولم يصحّ نسبتها إلى الحسن، وكيف يتصور جرّ {ورسوله} ولا عامل بمقتضي جرّه، ولكنّها ذات قصة طريفة: أنّ أعرابياً سمع رجلاً قرأ {أن الله بريء من المشركين ورسوله} بجرّ ورسولِه فقال الأعرابي: إن كان الله بريئاً من رسوله فأنا منه بريء. وإنّما أراد التورّكَ على القارىء، فلبَّبَه الرجل إلى عمر، فحكى الأعرابي قراءتَه فعندها أمر عمر بتعلّم العربية، وروي أيضاً أنّ أبا الأسود الدؤلي سمع ذلك فرفع الأمر إلى علي. فكان ذلك سبب وضع النحو، وقد ذكرت هذه القصة في بعض كتب النحو في ذكر سبب وضع علم النحو.

وهذا الأذان قد وقع في الحجّة التي حجّها أبو بكر بالناس، إذ ألحق رسول الله عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب بأبي بكر، موافياً الموسم ليؤذِّن ببراءة، فأذن بها علي يوم النحر بمنى، من أولها إلى ثلاثين أو أربعين آية منها، كذا ثبت في الصحيح والسنن بطرق مختلفة يزيد بعضها على بعض. ولعلّ قوله: « أو أربعين آية» شكّ من الراوي، فما ورد في رواية النسائي، أي عن جابر: أنّ علياً قرأ على الناس بَراءة حتّى ختمها، فلعلّ معناه حتّى ختم ما نزل منها ممّا يتعلّق بالبراءة من المشركين، لأنّ سورة براءة لم يتم نزولها يومئِذ، فقد ثبت أنّ آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم هي آخر آية من سورة براءة.

وإنّما ألحق النبي عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب بأبي بكر الصديق، لأنه قيل لرسول الله إنّ العرب لا يرون أن يَنقض أحد عهدَه مع مَن عاهده إلاّ بنسفه أو برسول من ذي قرابة نسبه، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن لا يترك للمشركين عذراً في علمهم بنبذ العهد الذي بينه وبينهم.

وروي: أنّ علياً بعث أبا هريرة يطوف في منازل قبائل العرب من منى، يصيح بآيات براءة حتى صحل صوته. وكان المشركون إذا سمعوا ذلك يقولون لعلي « سترون بعد الأربعة الأشهر فإنّه لا عهد بيننا وبين ابن عمك إلاّ الطعن والضرب».

{فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب اليم}

التفريع على جملة: {أن الله بريء من المشركين}، فيتفرّع على ذلك حالتان: حالة التوبة، وحالة التولي.

والخطاب للمشركين الذين أوذنوا بالبراءة، والمعنى: فإنْ آمنتم فالإيمان خير لكم من العهد الذي كنتم عليه، لأنّ الإيمان فيه النجاة في الدنيا والآخرة، والعهد فيه نجاة الدنيا لا غير. والمراد بالتولي: الإعراض عن الإيمان. وأريد بفعل {تولّيتم} معنى الاستمرار، أي: إن دمتم على الشرك فاعلموا أنكم غير مفلتين من قدرة الله، أي اعلموا أنّكم قد وقعتم في مكنة الله، وأوشكتم على العذاب.

وجملة: {وبشر الذين كفروا بعذاب أليم} معطوفة على جملة: {وأذن من الله ورسوله} لما تتضمنّه تلك الجملة من معنى الأمر، فكأنّه قيل: فآذنوا الناس ببراءة الله ورسوله من المشركين، وبأنّ من تاب منهم فقد نجا ومن أعرض فقد أوشك على العذاب، ثم قال: وبشر المعرضين المشركين بعذاب أليم.

و (البشارة) أصلها الإخبار بما فيه مسرّة، وقد استعيرت هنا للإنذار، وهو الإخبار بما يسوء، على طريقة التهكّم، كما تقدّم في قوله تعالى: {فبشرهم بعذاب أليم} في سورة آل عمران (21).

والعذاب الأليم: هو عذاب القتل، والأسر، والسبي، وفَيء الأموال، كما قال تعالى: {وأنزل جنوداً لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين} [التوبة: 26] فإنّ تعذيبهم يوم حنين بعضه بالقتل، وبعضه بالأسر والسبي وغنم الأموال، أي: أنذر المشركين بأنّك مقاتلهم وغالبهم بعد انقضاء الأشهر الحرم، كما يدلّ عليه قوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] الآية.

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

وقوله تعالى: {فإن تبتم فهو خير لكم} يتضمن الإشارة إلى مبدأ أساسي في الإسلام، هو أن الإسلام يجب ما قبله، وذلك لما انبنى عليه من سماحة ورحمة وعفو، فمهما اقتحم المشركون والكفار من المعاصي والجرائم، وارتكبوا من الموبقات والمآثم، ثم أسلموا وجوههم لله، إلا ونالتهم المغفرة، وقبلت منهم التوبة، ولم يؤاخذوا بما سلف: {عفا الله عما سلف} والحكمة في ذلك تأليفهم على الملة، وتسهيل دخولهم في الدين، حتى ينيبوا إلى الله، ويسلموا وجوههم إليه.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

وأراد الله لرسوله أن يعلن هذه البراءة بصوت عالٍ في الموسم الأكبر، ليسمعه الناس كلهم، فيكون حجّةً عليهم، في ما أراد الله دعوتهم إليه، أو ما كلفهم بالقيام به، ليكون ذلك هو الحدّ الفاصل بين مرحلتين: مرحلة الصراع بين التوحيد والشرك، في حروب مختلفةٍ في نتائجها بين النصر لهذا والهزيمة لذاك، والتكافؤ في بعض الحالات، ومرحلة هيمنة التوحيد على الساحة كلها، فلا يرتفع إلاّ صوته، ولا تتحرك إلا مسيرته وسراياه، ولا تحكم الناس إلا شريعته، ليفهم الجميع أنّ عهداً جديداً قد بدأ، وأن النتيجة الحاسمة بانتصار الإسلام قد فرضت نفسها على الجوّ كله...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

وفي الحقيقة، أنّ الله سبحانه يريد في هذا الإِعلان العام في مكّة المكرمة، وفي ذلك اليوم العظيم، أن يوصد كل ذريعة يتذرع بها المشركون والأعداء، ويقطع ألسنة المفسدين، لئلا يقولوا: إنّهم استغفلوا في الحملة أو الهجوم عليهم، وإن ذلك ليس من الشّهامة والرجولة. ثمّ يتوجه الخطاب في الآية إِلى المشركين أنفسهم ترغيباً وترهيباً، لعلهم يهتدون، إذ تقول الآية: (فإن تبتم فهو خير لكم). أي أنّ الاستجابة لرسالة التوحيد فيها صلاحكم وفيها خير لكم ولمجتمعكم ودنياكم وآخرتكم، فلو تدبّرتم بجد وصدق لرأيتم أن قبول الدعوة هو البلسم الشافي لكلّ جراحاتكم وليس في الأمر منفعة لله أو لرسوله.

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَأَذَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوۡمَ ٱلۡحَجِّ ٱلۡأَكۡبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيٓءٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ وَرَسُولُهُۥۚ فَإِن تُبۡتُمۡ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (3)

ولما أنزل البراءة ، أمر بالإعلام {[35559]}بها في المجمع الأعظم ليقطع الحجج ، فقال عاطفاً ظهرة الجملة إلى مضمونها : الإخبار بوجوب الإعلام{[35560]} بما ثبت بالجملة الأولى المعطوفة عليها من البراءة : { وأذان } أي وهذا إعلام وإعلان واقع و{[35561]} واصل { من الله } أي المحيط بجميع صفات العظمة { ورسوله } أي الذي عظمته من عظمته ، فلا يوجهه إلى شيء إلا أعلاه عليه ؛ ولما كان المقصود الإبلاغ الذي هو وظيفة الرسول ، عداه بحرف الانتهاء فقال : { إلى الناس } أي كلهم من أهل البراءة وغيرهم { يوم الحج الأكبر } قيده لأن العمرة تسمى الحج الأصغر .

ولما كان كأنه قيل : ماهذا الإعلام ؟ قال مفسراً له مصرحاً بما هو المقصود لئلا يقع فيه نوع لبس حاذفاً الصلة إعلاماً بأن هذا مستأنف على تقدير سؤال سائل ، لا معمول لأذان : { أن الله } أي الذي له الغنى المطلق والقوة الباهرة { بريء من المشركين* } أي الذين لا عهد لهم{[35562]} خاص فلا مانع من قتالهم ، قيل : والذين وقعت البراءة منهم صنفان : أحدهما كانت مدته دون أربعة أشهر فرفع إليها ، والآخر مدته بغير حد فقصر عليها ، ومن لم يكن له عهد فهو أولى ، ومن كان عهده محدوداً بأكثر من أربعة أشهر ولم يحدث شراً أمر بإتمام عهده إلى مدته{[35563]} { ورسوله } أي بريء منهم ، فهو مرفوع عطفاً على المنوي في " بريء " أو على محل { أن } المكسورة واسمها عند من كسرها ، وقرئ بالنصب عطفاً على اسم { أن } أو لأن{[35564]} الواو بمعنى مع ، وبالجر على الجوار ، وقيل : على القسم - قاله في الكشاف ، قال : ويحكى أن أعرابياً سمع رجلاً يقرؤها فقال : إن كان الله بريئاً من رسوله فأنا منه بريء ، فلببه الرجل إلى عمر رضي الله عنه فحكى الأعرابي قراءته فعندما أمر عمر رضي الله عنه بتعلم{[35565]} العربية ، وروى الإمام أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنباري في مقدمة كتاب الوقف والابتداء بسنده عن ابن أبي ملكية قال : قدم أعرابي في زمان{[35566]} عمر رضي الله عنه فقال : من يقرئني مما أنزل الله{[35567]} على محمد صلى الله عليه وسلم ؟ فأقرأه رجل براءة{[35568]} فقال : { أن الله بريء من المشركين ورسوله } بالجر ، فقال : أوقد بريء الله من رسوله ؟ إن يكن الله بريء من رسوله فأنا أبرأ منه ، فبلغ عمر رضي الله عنه مقالة الأعرابي فدعاه - يعني فسأله فأخبره - فقال عمر رضي الله عنه : ليس هكذا يا أعرابي ! قال : فكيف هي يا أمير المؤمنين ؟ فقال { أن الله بريء من المشركين ورسولُه } فقال الأعرابي : وأنا والله أبرأ مما برئ الله ورسوله منه ، فأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن لا يقرئ{[35569]} القرآن إلا عالم باللغة .

وأمر أبا الأسود فوضع النحو ، ونحو ذلك في الاهتمام بشأن العربية ما حكاه الشريف محمد بن أسعد الجواني{[35570]} النسابة في كتابه في الأنساب في ترجمة أبي الأسود الدؤلي بسنده إليه أنه قال : دخلت على أميرالمؤمنين {[35571]}علي رضي الله عنه فرأيته مطرقاً مفكراً فقلت : فيم تفكر يا أمير المؤمنين{[35572]} ؟ فقال : إني سمعت ببلدكم{[35573]} هذا لحناً ، فأردت أن أضع كتاباً في أصول العربية ، فقلت له{[35574]} : إن فعلت هذا بقيت فينا هذه اللغة ، ثم أتيته بعد أيام فألقى إليّ صحيفة فيها : بسم الله الرحمن الرحيم ، {[35575]}الكلام كله{[35576]} اسم وفعل وحرف ، فالاسم ما أنبأ عن المسمى ، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى ، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل : ثم قال : تتبعه وزد فيه ما وقع لك ، واعلم أن الأشياء ثلاثة : ظاهر ومضمر وشيء ليس بظاهر ولا مضمر ، وإنما يتفاضل الناس في معرفة ما ليس بمضمر{[35577]} ولا ظاهر ، قال أبو الأسود الدؤلي : فجمعت أشياء فعرضتها عليه ، فكان من ذلك حروف النصب ، فذكرت منها إن وأن وليت ولعل وكأن ، ولم أذكر لكن ، فقال لي : لم تركتها ؟ فقلت : لم أحسبها فيها ، فقال بل{[35578]} هي منها فزدها فيها{[35579]} ، وقال أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي في طبقات النحويين : وقال أبو العباس محمد بن يزيد : سئل أبو الأسود الدؤلي عمن فتح له{[35580]} الطريق إلى الوضع في النحو وأرشده إليه ، فقال : تلقنته{[35581]} من علي بن أبي طالب ، وفي حديث آخر : ألقى إليّ أصولاً احتذيت عليها ؛ وفي مختصر طبقاتهم للحافظ محمد بن عمران المرزباني : كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد رسم لأبي الأسود الدؤلي حروفاً يعلمها الناس لما فسدت ألسنتهم فكان لا يحب أن يظهر ذلك ضناً به بعد علي رضي الله عنه ، فلما كان زياد وجه إليه أن اعمل شيئاً تكون فيه إماماً وينتفع به الناس فقد كنت شرعت فيه لتصلح ألسنة الناس ، فدافع بذلك حتى مر يوماً بكلا البصرة وإذا قارئ يقرأ { أن الله بريء من المشركين ورسوله } وحتى سمع رجلاً قال : سقطت عصاتي ، فقال : لا يحل لي بعد هذا أن أترك الناس ! فجاء إلى زياد فقال : أنا أفعل ما أمر به الأمير فليبتغ لي{[35582]} كاتباً{[35583]} حصيفاً ذكياً يعقل ما أقول ، فأتي بكاتب من عبد القيس فلم يرضه ، فأتي بآخر من{[35584]} ثقيف ؛ وقال ابن الأنباري في كتاب الوقف : حدثني أبي {[35585]}قال : حدثنا{[35586]} أبو عكرمة قال : قال العتبي{[35587]} : كتب معاوية إلى زياد {[35588]}يطلب عبيد الله ابنه ، فلما قدم عليه كلمه فوجده يلحن ، فرده إلى زياد{[35589]} وكتب إليه كتاباً يلومه فيه ويقول : أمثل عبيد الله يضيع ؟ فبعث زياد إلى أبي الأسود فقال : يا أبا الأسود ! إن هذه الحمراء قد كثرت وأفسدت من ألسن العرب ، فلو وضعت شيئاً يصلح به الناس كلامهم ويعربون به{[35590]} كتاب الله ، فأبى ذلك أبو الأسود وكره إجابة زياد إلى ما سأل ، فوجه زياد رجلاً فقال{[35591]} له : اقعد في طريق أبي الأسود ، فإذا مر بك فاقرأ شيئاً من القرآن وتعمد اللحن فيه ، ففعل ذلك .

فلما مر به أبو الأسود رفع الرجل صوته يقرأ{[35592]} { أن الله بريء من المشركين ورسولِه } فاستعظم ذلك أبو الأسود وقال : عز وجه الله أن يبرأ من رسوله ، ثم رجع من فوره إلى زياد فقال : يا هذا ، قد أجبتك إلى ما سألت ، ورأيت أن أبدأ بإعراب القرآن ، فابعث إليّ ثلاثين رجلاً ، فأحضرهم زياد فاختار منهم أبو الأسود عشرة ، ثم لم يزل يختارهم{[35593]} حتى اختار منهم رجلاً من عبد القيس ، فقال : خذ المصحف وصبغاً يخالف لون المداد ، فإذا فتحت شفتيّ فانقط واحدة فوق الحرف ، وإذا ضممتهما{[35594]} فاجعل النقطة إلى جانب الحرف ، وإذا كسرتهما{[35595]} فاجعل النقطة في{[35596]} أسفله ، فإن أتبعت شيئاً من هذه الحركات غنة{[35597]} فانقط نقطتين ، فابتدأ بالمصحف حتى أتى على آخره ، ثم وضع المختصر المنسوب إليه بعد ذلك - انتهى . ويوم الحج المذكور هنا

للجنس ، أي في جميع أيام الحج - قاله{[35598]} سفيان الثوري - كيوم صفين والجمل وبعاث{[35599]} يراد به الحين والزمان الذي كان فيه ذلك ، ولذلك{[35600]} نادى علي{[35601]} رضى الله عنه بنفسه ومن ندبه لذلك في جميع تلك الأيام ، وقال أبو حيان : الظاهر أنه يوم واحد فقال عمر رضي الله عنه وجماعة : هو يوم عرفة ، وروي مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال أبو موسى رضي الله عنه وجماعة : هو يوم النحر ، وقيل : أيام الحج كلها - قاله{[35602]} سفيان بن عيينة قال ابن عطية{[35603]} : والذي تظاهرت{[35604]} به الأحاديث أن علياً رضي الله عنه أذن بتلك الآيات{[35605]} يوم عرفة إثر خطبة أبي بكر رضي الله عنه ، ثم رأى أنه لم يعم الناس بالإسماع فتتبعهم بالأذان بها أيضاً{[35606]} يوم النحر ، وفي ذلك اليوم بعث أبو بكر رضي الله عنه من يعينه بها كأبي هريرة وغيره رضي الله عنهم ويتبعوا{[35607]} أيضا أسواق العرب كذي المجاز وغيره ؛ وبهذا يترجح قول سفيان - انتهى . وروى عبد الرزاق عن علي رضي الله عنه أن يوم النحر ، وقال في تفسيره أيضاً : أخبرنا معمر عن الحسن قال : إنما سمي الحج الأكبر لأنه حج أبو بكر رضي الله عنه الحجة التي حجها ، واجتمع فيها{[35608]} المسلمون والمشركون ، ووافق أيضاً{[35609]} ذلك{[35610]} عيد اليهود والنصارى - .

ولما أعلم سبحانه بالبراءة عنها ، سبب عنها{[35611]} مرغباً مرهباً قوله التفاتاً إلى الخطاب : { فإن تبتم } أي عن الكفر والغدر { فهو } أي ذلك الأمر العظيم وهو المتاب { خير لكم } أي لأنكم تفوزون في الوفاء بالأمان في الدنيا ، وفي الإسلام بالسلامة في الدارين .

ولما كانت التوبة محبوبة بالطبع لما لها من النفع قال : { وإن توليتم } أي كلفتم أنفسكم خلاف ما يشتهي من التوبة موافقة للفطرة الأولى ، وأصررتم على الكفر والغدر اتباعاً للهوى المكتسب من خباثة{[35612]} الجبلة ورداءة الأخلاط التي قعدت بالروح عن أوجها الأول إلى الحضيض الأسفل { فاعلموا } أي علماً لا شبهة فيه{[35613]} { أنكم غير معجزي الله } أي لأن له صفات الكمال من الجلال والجمال ، والالتفات هنا مثله{[35614]} في { فسيحوا } والإشارة به إلى ما ذكر في ذلك .

ولما واجههم بالتهديد ، أعرض عنهم وجه الخطاب تحقيراً لهم مخاطباً لأعلى خلقه مبشراً{[35615]} له في أسلوب التهكم بهم ، فقال عاطفاً على ما تقديره : فبشر الغادرين بالخدلان ، أو فبشر التائبين بنعيم مقيم : { وبشر الذين كفروا } أي أوقعوا هذا الوصف { بعذاب أليم* } أي في الدنيا والآخرة أو فيهما .


[35559]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35560]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35561]:سقط من ظ.
[35562]:من ظ، وفي الأصل: لكم.
[35563]:زيد من ظ.
[35564]:من الكشاف 1/385، وفي الأصل: لا، وفي ظ: أن.
[35565]:في ظ: بتعليم.
[35566]:في ظ: زمن.
[35567]:سقط من ظ.
[35568]:زيد من ظ وهامش المحكم في نقط المصاحف 4، وقد ذكر هذا الحديث هنا ـ إحالة على كتاب الوقف والابتداء ـ بأطول مما هنا.
[35569]:من هامش المحكم، وفي الأصل: ألا يقرأ.
[35570]:من ظ ومعجم المؤلفين 9/49، وفي الأصل: الجوالي ـ كذا.
[35571]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35572]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35573]:في ظ: ببدلكم ـ كذا.
[35574]:زيد من ظ.
[35575]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35576]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35577]:في ظ: ضمير.
[35578]:في ظ: بلى.
[35579]:سقط من ظ.
[35580]:سقط من ظ.
[35581]:من ظ، وفي الأصل: لقيته، وفي الإصابة: لقنته.
[35582]:زيد من ظ.
[35583]:في ظ: كتابا.
[35584]:زيد من ظ.
[35585]:في ظ: نا.
[35586]:في ظ: نا.
[35587]:من ظ والمحكم في نقط المصاحف 3، وفي الأصل: العيني.
[35588]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35589]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35590]:زيد من ظ والمحكم.
[35591]:من ظ والمحكم، وفي الأصل: وقال.
[35592]:في المحكم: فقال.
[35593]:في المحكم: يختار منهم.
[35594]:من المحكم4، وفي الأصل وظ: ضممتها.
[35595]:من المحكم، وفي الأصل وظ: كسرتها.
[35596]:من المحكم، وفي الأصل وظ: إلى.
[35597]:من المحكم، وفي الأصل وظ: عنه، والمراد بالغنة التنوين.
[35598]:في ظ: قل.
[35599]:في ظ: بغاث، وقول سفيان هذا مذكور في معالم التنزيل أيضا ـ راجع لباب التأويل 349.
[35600]:في ظ: لهذا.
[35601]:سقط من ظ.
[35602]:من البحر المحيط 5/7، وفي الأصل: قال، وفي ظ: قال أبو.
[35603]:زيد من البحر.
[35604]:من البحر، وفي الأصل وظ: تظافرت.
[35605]:في ظ: الأيام.
[35606]:زيد من البحر.
[35607]:في ظ: تتبعوا.
[35608]:من جامع البيان تفسير آية 3، وفي الأصل وظ: فيه.
[35609]:زيد من ظ وجامع البيان.
[35610]:ليس في جامع البيان.
[35611]:زيد من ظ.
[35612]:في ظ: خبالة.
[35613]:سقط من ظ.
[35614]:من ظ، وفي الأصل: قبله.
[35615]:من ظ، وفي الأصل: مشيرا.