الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلۡحَبِّ وَٱلنَّوَىٰۖ يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَمُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتِ مِنَ ٱلۡحَيِّۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ} (95)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

هذا تنبيه من الله جلّ ثناؤه هؤلاء العادلين به الآلهة والأوثان على موضع حجته عليهم، وتعريف منه لهم خطأ ما هم عليه مقيمون من إشراك الأصنام في عبادتهم إياه. يقول تعالى ذكره: إن الذي له العبادة أيها الناس دون كلّ ما تعبدون من الآلهة والأوثان، هو الله الذي فلق الحبّ، يعنِي: شقّ الحبّ من كلّ ما ينبت من النبات، فأخرج منه الزرع والنوى من كلّ ما يغرس مما له نواة، فأخرج منه الشجر. والحبّ جمع حبة، والنوى: جمع النواة.

وقال آخرون: معنى «فالق» خالق.

وقال آخرون: معنى ذلك أنه فلق الشقّ الذي في الحبة والنواة. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي ما قدمنا القول به، وذلك أن الله جلّ ثناؤه أتبع ذلك بإخباره عن إخراجه الحيّ من الميت والميت من الحيّ، فكان معلوماً بذلك أنه إنما عنى بإخباره عن نفسه أنه فالق الحبّ عن النبات والنوى عن الغروس والأشجار، كما هو مخرج الحيّ من الميت والميت من الحيّ. وأما القول الذي حُكي عن الضحاك في معنى فالق أنه خالق، فقولٌ إن لم يكن أراد به أنه خالق منه النبات والغروس بفلقه إياه، لا أعرف له وجهاً، لأنه لا يُعرف في كلام العرب فلق الله الشيء بمعنى: خلق.

"يُخْرِجُ الحَيّ مِنَ المَيّتِ ومُخْرِجُ المَيّتِ مِنَ الحَيّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ": يخرج السنبل الحيّ من الحبّ الميت، ومخرج الحبّ الميت من السنبل الحيّ، والشجر الحيّ من النوى الميت، والنوى الميت من الشجر الحيّ. والشجر ما دام قائماً على أصوله لم يجفّ والنبات على ساقه لم ييبس، فإن العرب تسميه حيّا، فإذا يبس وجفّ أو قطع من أصله سموه ميتاً.

وقال آخرون: عن ابن عباس: قوله: "إنّ اللّهَ فالِقُ الحَبّ والنّوَى يُخْرِجُ الحَيّ مِنَ المَيّتِ ومُخْرِجُ المَيّتِ مِنَ الحَيّ "قال: يخرج النطفة الميتة من الحيّ، ثم يخرج من النطفة بشراً حيّا.

وإنما اخترنا التأويل الذي اخترنا في ذلك، لأنه عقيب قوله: "إنّ اللّهَ فالِقُ الحَبّ والنّوَى "على أن قوله: "يُخْرِجُ الحَيّ مِنَ المَيّتِ ومُخْرِجُ المَيّتِ مِنَ الحَيّ" وإن كان خبراً من الله عن إخراجه من الحبّ السنبل ومن السنبل الحبّ، فإنه داخل في عمومه ما رُوي عن ابن عباس في تأويل ذلك وكلّ ميت أخرجه الله من جسم حيّ، وكلّ حيّ أخرجه الله من جسم ميت.

وأما قوله:"ذَلِكُمُ اللّهُ" فإنه يقول: فاعل ذلك كله الله جلّ جلاله. "فَأنّى تُؤْفَكُونَ": فأيّ وجوه الصدّ عن الحقّ أيها الجاهلون تصدّون عن الصواب وتُصرفون، أفلا تتدبرون فتعلمون أنه لا ينبغي أن يجعل لمن أنعم عليكم بفلق الحبّ والنوى، فأخرج لكم من يابس الحبّ والنوى زروعاً وحروثاً وثماراً تتغذون ببعضه وتفكهون ببعضه، شريك في عبادته ما لا يضرّ ولا ينفع ولا يسمع ولا يبصر؟

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{فالق الحب والنوى} خص الحب والنوى بالذكر لما منهما خلق جميع ما في الدنيا من الأنزال والحبوب...

والفلق هو: الشق. يخبر أنه يشق النواة مع شدتها وصلابتها، ويخرج منها نبتا أخضر لينا ما لو اجتمع كل الخلائق على إنفاذه وإخراج مثله من غير أذى يصيب ذلك النبت ما قدروا عليه؛ يخبر عن لطفه وقدرته. أي من قدر على هذا فهو قادر على إعادة الخلق وبعثهم بعد إماتتهم وإفنائهم، وإن لم يبق لهم أثر... يعرفهم قدرته أنها غير مقدرة بقدرة الخلق وبقوتهم، بل خارجة عن قوتهم لأن قوته وقدرته ذاتية أزلية بلا سبب، وقوتهم وقدرتهم بأسباب. وكذلك ما يشق من الورق الضعيف اللين [من] الشجر والنخل مع شدته وصلابته ما لو اجتمع الخلائق كلهم على شق ذلك الشجر بذلك الورق مع لينه ما قدروا عليه؛ يعرفهم لطفه وقدرته أنه لا يعجزه شيء. وفيه أن ذلك فعل واحد لأنه لو كان فعل عدد لكان إذا أراد هذا شقه منع الآخر عن ذلك. وفيه أنه على تدبير خرج لا جزافا حين اتفق ذلك في كل عام على قدر واحد.

{يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي} إن الحب والنوى التي ذكر ميت يخرج منها النبات الأخضر حيا، ثم يميت ذلك، ويخرج منه حبا ونوى. وفيه دلالة البعث بعد الموت؛ يقول: إن الذي قدر على إخراج النبات الأخضر الحي من حبة ميتة ونواة ميتة، وليس فيها من أثر ذلك الحي شيء، لقادر أن يبعثهم، ويحييهم بعد الموت، وإن لم يبق من أثر الحياة شيء. "ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ": ذلكم الذي يفعل ذلك هو اللَّه -تعالى- لا الأصنام التي تعبدونها وأشركتم في عبادتكم لله وألوهيته، أي: أيُّ حجة تصرفكم عما ذكر؟ أي: لا حجة لكم في صرف الألوهية عنه إلى غيره، ولا صرف العبادة إلى الأصنام.

وقوله -عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ).

قيل: فأنى تصرفون عما ذكر من دلالات وحدانيته وألوهيته وربوبيته.

والإفك: هو: الصرف في اللغة؛ كقوله: (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا)، أي: لتصرفنا. وقيل: تؤفكون: تكذبون، أي: ما الذي حملكم على الكذب؟ والكذب والصرف واحد في الحقيقة؛ لأن الكذب هو صرف قول الحق إلى الباطل، وهما واحد.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما تكلم في التوحيد ثم أردفه بتقرير أمر النبوة، ثم تكلم في بعض تفاريع هذا الأصل، عاد ههنا إلى ذكر الدلائل الدالة على وجود الصانع، وكمال علمه وحكمته وقدرته تنبيها على أن المقصود الأصلي من جميع المباحث العقلية والنقلية، وكل المطالب الحكمية إنما هو معرفة الله بذاته وصفاته وأفعاله.

{فالق الحب والنوى}: ...

...

إذا عرفت أنه تعالى إنما خلق جملة النبات لمصلحة الحيوان علمت أن عنايته بتخليق الحيوان أكمل، ولما علمت أن المقصود من تخليق جملة الحيوانات هو الإنسان علمت أن عنايته في تخليق الإنسان أكمل، ثم إنه تعالى إنما خلق النبات والحيوان في هذا العالم ليكون غذاء ودواء للإنسان بحسب جسده والمقصود من تخليق الإنسان هو المعرفة والمحبة والخدمة، كما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} فانظر أيها المسكين بعين رأسك في تلك الورقة الواحدة من تلك الشجرة، واعرف كيفية خلقة تلك العروق والأوتار فيها، ثم انتقل من مرتبة إلى ما فوقها حتى تعرف أن المقصود الأخير منها حصول المعرفة والمحبة في الأرواح البشرية، فحينئذ ينفتح عليك باب من المكاشفات لا آخر لها، ويظهر لك أن أنواع نعم الله في حقك غير متناهية، كما قال: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} وكل ذلك إنما ظهر من كيفية خلقة تلك الورقة من الحبة والنواة، فهذا كلام مختصر في تفسير قوله: {إن الله فالق الحب والنوى} ومتى وقف الإنسان عليه أمكنة تفريقها وتشعيبها إلى ما لا آخر له، ونسأل الله التوفيق والهداية.

المسألة الثانية: أما قوله تعالى: {يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي} ففيه مباحث: الأول: أن {الحي} اسم لما يكون موصوفا بالحياة، و {الميت} اسم لما كان خاليا عن صفة الحياة فيه، وعلى هذا التقدير: النبات لا يكون حيا.

إذا عرفت هذا فللناس في تفسير هذا {الحي} و {الميت} قولان: الأول: حمل هذين اللفظين على الحقيقة. قال ابن عباس: يخرج من النطفة بشرا حيا، ثم يخرج من البشر الحي نطفة ميتة، وكذلك يخرج من البيضة فروجة حية، ثم يخرج من الدجاجة بيضة ميتة، والمقصود منه أن الحي والميت متضادان متنافيان، فحصول المثل عن المثل يوهم أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية. أما حصول الضد من الضد، فيمتنع أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية، بل لا بد وأن يكون بتقدير المقدر الحكيم، والمدبر العليم.

والقول الثاني: أن يحمل {الحي} و {الميت} على ما ذكرناه، وعلى الوجوه المجازية أيضا، وفيه وجوه: الأول: قال الزجاج: يخرج النبات الغض الطري الخضر من الحب اليابس ويخرج اليابس من النبات الحي النامي. الثاني: قال ابن عباس: يخرج المؤمن من الكافر، كما في حق إبراهيم، والكافر من المؤمن كما في حق ولد نوح، والعاصي من المطيع، وبالعكس. الثالث: قد يصير بعض ما يقطع عليه بأنه يوجب المضرة سببا للنفع العظيم، وبالعكس... وكل هذه الأحوال المختلفة والأفعال المتدافعة تدل على أن لهذا العالم مدبرا حكيما ما أهمل مصالح الخلق وما تركهم سدى...

ثم قال تعالى في آخر الآية: {ذلكم الله فأنى تؤفكون} وفيه مسألتان:

...والثاني: أن المراد أنكم لما شاهدتم أنه تعالى يخرج الحي من الميت، ومخرج الميت من الحي، ثم شاهدتم أنه أخرج البدن الحي من النطفة الميتة مرة واحدة، فكيف تستبعدون أن يخرج البدن الحي من ميت التراب الرميم مرة أخرى؟ والمقصود الإنكار على تكذيبهم بالحشر والنشر، وأيضا الضدان متساويان في النسبة فكما لا يمتنع الانقلاب من أحد الضدين إلى الآخر، وجب أن لا يمتنع الانقلاب من الثاني إلى الأول، فكما لا يمتنع حصول الموت بعد الحياة. وجب أيضا أن لا يمتنع حصول الحياة بعد الموت، وعلى كلا التقديرين فيخرج منه جواز القول بالبعث والحشر والنشر...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

هذه طائفة من آيات التنزيل، مبينة ومفصلة لطائفة من آيات التكوين، تدل أوضح الدلالة على وحدانية الله تعالى وقدرته، وعلمه وحكمته، ولطفه ورحمته، جاءت تالية لطائفة من الآيات في أصول الإيمان الثلاثة، -التوحيد والبعث والرسالة، فهي مزيد تأكيد في إثباتها، وكمال بيان في معرفة الله تعالى، بما فيها من بيان سننه وحكمه في الإحياء والإماتة والأحياء والأموات، وتقديره لأمر النيرات في السموات، وأنواع حججه ودلائله في أنواع النبات.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

يخبر تعالى عن كماله، وعظمة سلطانه، وقوة اقتداره، وسعة رحمته، وعموم كرمه، وشدة عنايته بخلقه، فقال: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ} شامل لسائر الحبوب، التي يباشر الناس زرعها، والتي لا يباشرونها، كالحبوب التي يبثها الله في البراري والقفار، فيفلق الحبوب عن الزروع والنوابت، على اختلاف أنواعها، وأشكالها، ومنافعها، ويفلق النوى عن الأشجار، من النخيل والفواكه، وغير ذلك. فينتفع الخلق، من الآدميين والأنعام، والدواب. ويرتعون فيما فلق الله من الحب والنوى، ويقتاتون، وينتفعون بجميع أنواع المنافع التي جعلها الله في ذلك. ويريهم الله من بره وإحسانه ما يبهر العقول، ويذهل الفحول، ويريهم من بدائع صنعته، وكمال حكمته، ما به يعرفونه ويوحدونه، ويعلمون أنه هو الحق، وأن عبادة ما سواه باطلة.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

...إنها المعجزة التي لا يدري سرها أحد؛ فضلا على أن يملك صنعها أحد! معجزة الحياة نشأة وحركة.. وفي كل لحظة تنفلق الحبة الساكنة عن نبتة نامية، وتنفلق النواة الهامدة عن شجرة صاعدة. والحياة الكامنة في الحبة والنواة، النامية في النبتة والشجرة، سر مكنون، لا يعلم حقيقته إلا الله؛ ولا يعلم مصدره إلا الله.. وتقف البشرية بعد كل ما رأت من ظواهر الحياة وأشكالها، وبعد كل ما درست من خصائصها وأطوارها.. تقف أمام السر المغيب كما وقف الإنسان الأول، تدرك الوظيفة والمظهر، وتجهل المصدر والجوهر، والحياة ماضية في طريقها. والمعجزة تقع في كل لحظة!!! ومنذ البدء أخرج الله الحي من الميت. فقد كان هذا الكون -أو على الأقل كانت هذه الأرض- ولم يكن هناك حياة.. ثم كانت الحياة.. أخرجها الله من الموات.. كيف؟ لا ندري! وهي منذ ذلك الحين تخرج من الميت؛ فتتحول الذرات الميتة في كل لحظة -عن طريق الأحياء- إلى مواد عضوية حية تدخل في كيان الأجسام الحية؛ وتتحول -وأصلها ذرات ميتة- إلى خلايا حية.. والعكس كذلك.. ففي كل لحظة تتحول خلايا حية إلى ذرات ميتة؛ إلى أن يتحول الكائن الحي كله ذات يوم إلى ذرات ميتة! (يخرج الحي من الميت، ومخرج الميت من الحي).. ولا يقدر إلا الله أن يصنع ذلك.. لا يقدر إلا الله أن ينشئ الحياة منذ البدء من الموات. ولا يقدر إلا الله أن يجهز الكائن الحي بالقدرة على إحالة الذرات الميتة إلى خلايا حية. ولا يقدر إلا الله على تحويل الخلايا الحية مرة أخرى إلى ذرات ميتة.. في دورة لم يعلم أحد يقينا بعد متى بدأت، ولا كيف تتم.. وإن هي إلا فروض ونظريات واحتمالات!!!

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

استئناف ابتدائي انتُقل به من تقرير التّوحيد والبعث والرّسالة وأفانين المواعظ والبراهين الّتي تخلّلت ذلك إلى الاستدلال والاعتبار بخلق الله تعالى وعجائب مصنوعاته المشاهدة، على انفراده تعالى بالإلهيّة المستلزم لانتفاء الإلهيّة عمّا لا تقدر على مثل هذا الصّنع العجيب، فلا يحقّ لها أن تعبد ولا أن تشرك مع الله تعالى في العبادة إذ لا حقّ لها في الإلهيّة، فيكون ذلك إبطالاً لشرك المشركين من العرب، وهو مع ذلك إبطال لمعتقَد المعطّلين من الدهريين منهم بطريق الأوْلى، وفي ذلك امتنان على المقصودين من الخطاب وهم المشركون بقرينة قوله: {فأنَّى تُؤفَكُون}، أي فتكفرون النّعمة. وفيه عِلم ويقين للمؤمنين من المصدّقين واستزادة لمعرفتهم بربّهم وشكرهم.

وافتتاحُ الجملة ب {إن} مع أنّه لا ينكر أحد أنّ الله هو فاعل الأفعال المذكورة هنا، ولكنَّ النّظر والاعتبار في دلالة الزّرع على قدرة الخالق على الإحياء بعد الموت كما قدر على إماتة الحي، لمّا كان نظراً دقيقاً قد انصرف عنه المشركون فاجْترأوا على إنكار البعث، كان حالهم كحال من أنكر أو شَكّ في أنّ الله فالقُ الحبّ والنَّوى، فأكّد الخبر بحرف (إن).

وجيء بالجملة الاسميّة للدّلالة على ثبات هذا الوصف... ولمّا كان المقصود الاكتفاء بدلالة فلق الحبّ والنّوى على قدرة الله على إخراج الحيّ من الميّت، والانتقالُ من ذلك إلى دلالته على إخراج الحيّ من الميّت في البعث، لم يؤت في هذا الخبر بما يقتضي الحصر إذ ليس المقام مقام القصر.

والفَلْق: شَقّ وصدعُ بعض أجزاء الشّيء عن بعض، والمقصود الفلق الّذي تنبثق منه وشائج النّبْت والشّجر وأصولها، فهو محلّ العبرة من علم الله تعالى وقدرته وحكمته.

والحَبّ: اسم جمع لما يثمره النّبت، واحده حبّة.

والنَّوى: اسم جمع نواة، والنّواة قلب التّمرة. ويطلق على ما في الثّمار من القلوب الّتي منها يَنبت شجرها مثل العنب والزّيتون، وهو العَجَم (بالتّحريك) اسم جمع عَجَمة.

وجملة: {يخرج الحيّ من الميّت} في محلّ خبر ثان عن اسم (إنّ) تتنزّل منزلة بيان المقصود من الجملة قبلها وهو الفَلْق الّذي يخرج منه نبتاً أو شجراً نامياً ذا حياة نباتيةٍ بعد أن كانت الحبّة والنّواة جسماً صلباً لا حياة فيه ولا نماءَ. فلذلك رجّح فصل هذه الجملة عن الّتي قبلها إلاّ أنّها أعمّ منها لدلالتها على إخراج الحيوان من ماء النطفة أو من البيض، فهي خبر آخر ولكنّه بعمومه يبيّن الخبر الأوّل، فلذلك يحسن فصل الجملة، أو عدمِ عطف أحد الأخبار.

وعُطف على {يخرج الحيّ من الميّت} قولُه {ومخرج الميّت من الحيّ} لأنّه إخبار بضدّ مضمون {يخرج الحيّ من الميّت} وصنع آخر عجيب دالّ على كمال القدرة وناف تصرّف الطّبيعة بالخَلْق، لأنّ الفعل الصّادر من العالم المختار يكون على أحوال متضادة بخلاف الفعل المتولد عن سبب طبعي، وفي هذا الخبر تكملة بيان لما أجمله قوله: {فالقُ الحبّ والنّوى}، لأنّ فلق الحبّ عن النّبات والنّوى عن الشّجر يشمل أحوالاً مُجملة، منها حال إثمار النّبات والشّجر: حبّاً ييبس وهو في قصب نباته فلا تكون فيه حياة، ونوىً في باطن الثّمار يبَساً لا حياة فيه كنوى الزّيتون والتّمر، ويزيد على ذلك البيان بإخراج البيض واللّبَن والمِسْك واللّؤلؤ وحجر (البازهر) من بواطن الحيوان الحيّ، فظهر صدور الضدّين عن القدرة الإلهيّة تمام الظّهور.

وقد رَجَح عطفُ هذا الخبر لأنّه كالتكملة لقوله: {يخرج الحيّ من الميّت} أي يفعل الأمرين معاً كقوله بعده {فالقُ الإصباح وجاعلُ اللّيل سَكنا}...

وقد جيء بجملة: {يخرج الحيّ من الميّت} فعليّة للدّلالة على أنّ هذا الفعل يتجدّد ويتكرّر في كلّ آن، فهو مُراد معلوم وليس على سبيل المصادفة والاتّفاق.

وجيء في قوله: {ومُخرج الميّت من الحيّ} اسماً للدّلالة على الدّوام والثّبات، فحصل بمجموع ذلك أنّ كلا الفعلين متجدّد وثابِت، أي كثير وذاتيّ، وذلك لأنّ أحد الإخراجين ليس أوْلى بالحكم من قرينه فكان في الأسلوب شِبه الاحتباك.

والإشارة ب {ذلكم} لزيادة التّمييز وللتّعريض بغباوة المخاطبين المشركين لغفلتهم عن هذه الدّلالة على أنّه المنفرد بالإلهيّة، أي ذلكم الفاعل الأفعال العظيمة من الفلق وإخراج الحيّ من الميّت والميّت من الحيّ هو الّذي يعرفه الخلق باسمه العظيم الدالّ على أنّه الإله الواحد، المقصور عليه وصف الإلهيّة فلا تعدلوا به في الإلهيّة غيره، ولذلك عقّب بالتّفريع بالفاء قوله: {فأنَّى تؤفكون}.

والأَفك (بفتح الهمزة) مصدر أفَكَه يأفكه، من باب ضرب، إذا صرفه عن مكان أو عن عَمل، أي فكيف تصرفون عن توحيده.

و"أنَّى" بمعنى من أين. وهو استفهام تعجيبي إنكاري، أي لا يوجد موجب يصرفكم عن توحيده. وبُني فعل {تؤفكون} للمجهول لعدم تعيّن صارفهم عن توحيد الله، وهو مجموع أشياء: وسوسة الشّيطان، وتضليل قادتهم وكبرائهم، وهوى أنفسهم.

وجملة "ذلكم الله" مستأنفة مقصود منها الاعتبار.

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلۡحَبِّ وَٱلنَّوَىٰۖ يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَمُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتِ مِنَ ٱلۡحَيِّۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ} (95)

{ فالق الحب والنوى } أي : يفلق الحب تحت الأرض لخروج النبات منها ، ويفلق النوى لخروج الشجر منها ، وقيل : أراد الشقين الذين في النواة والحنطة والأول أرجح لعمومه في أصناف الحبوب .

{ يخرج الحي } تقدم في آل عمران .

{ ومخرج الميت من الحي } معطوف على فالق .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلۡحَبِّ وَٱلنَّوَىٰۖ يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَمُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتِ مِنَ ٱلۡحَيِّۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ} (95)

ولما ثبتت{[30472]} الوحدانية والنبوة والرسالة وتقاريع من تقاريعها ، وانتهى الكلام هنا إلى ما تجلى{[30473]} به مقام العظمة ، وانكشف له قناع الحكمة و{[30474]} تمثل نفوذ الكلمة ، فتهيأ السامع لتأمله ، وتفرع فهمه لتدبره ؛ قال دالاً عليه مشيراً إليه ، معلماً أن ما مضى أنتجه وأظهره لا بد وأبرزه ، مذكراً بآياته{[30475]} { والذين يؤمنون بالآخرة } وبمحاجة إبراهيم عليه السلام ، مصرفاً ما مضى أول السورة من دلائل الوحدانية على أوجه{[30476]} أخرى ، إعلاماً بأن دلائل الجلال تفوق عدد الرمال ، وتنبيهاً على أن القصد بالذات معرفة الله تعالى بذاته وصفاته : { إن الله } أي الذي له جميع صفات الكمال ، فهو{[30477]} قادر على كل ما يريد { فالق الحب } أي فاطره وشاقه عن الزروع{[30478]} والنبات ، وعبر بذلك لأن الشيء قبل وجوده كان معدوماً ، والعقل يتوهم ويتخيل من العدم ظلمة متصلة ، فإذا خرج من العدم المحض والفناء الصرف فكأنه بحسب التخيل والتوهم شق{[30479]} ذلك العدم { والنوى } أي وهو ما يكون داخل الثمار المأكولة كالتمر ، ولا يكون مقصوداً لذاته بفلقها عن الأشجار ، وفي ذلك حكم وأسرار تدق عن{[30480]} الأفكار ، وتدل على كمال الواحد المختار{[30481]} ؛ قال الإمام الرازي ما حاصله : إن النواة والحبة تكون في الأرض الرطبة مدة ، فيظهر الله فيها شقاً في أعلاها وآخر في أسفلها ، وتخرج الشجرة من الأعلى فتعلو وتهبط من الأسفل شجرة أخرى في أعماق الأرض ، هي العروق ، وتلك الحبة أو{[30482]} النواة سبب و{[30483]} اصل بين الشجرتين : الصاعدة والهابطة ، فيشهد{[30484]} الحس والعقل بأن طبع الصاعدة والهابطة متعاكس ، وليس ذلك قطعاً بمقتضى الطبع والخاصية ، بل بالإيجاد والاختراع والتكوين{[30485]} والإبداع ، ولا شك أن العروق الهابطة في غاية اللطافة والرقة{[30486]} بحيث لو دلكت باليد بأدنى قوة صارت كالماء ، وهي مع ذلك تقوى على النفوذ في الأرض الصلبة التي لا ينفذ فيها المسلّة والسكين الحادة إلا بإكراه عظيم ، فحصول هذا النفوذ لهذه{[30487]} الأجرام اللطيفة لا يكون قطعاً إلا لقوة{[30488]} الفاعل المختار ، لا سيما إذا تأملت ظهور{[30489]} شجرة من نواة صغيرة ، ثم{[30490]} تجمع الشجرة طبائع مختلفة في قشرها ثم فيما تحته من جرم الخشبة ، وفي وسط تدوير الخشبة جرم ضعيف كالعهن المنفوش ، ثم يتولد من ساقها أغصانها ، ومن الأغصان أوراقها أولاً ثم أنوارها وأزهارها ثانياً ، ثم الفاكهة ثالثاً ، ثم قد يحصل{[30491]} للفاكهة أربعة أنواع من القشور ، مثل الجوز واللوز قشره الأعلى ذلك الجرم الأخضر ، وتحته القشر الذي كالخشب ، وتحته القشر الذي كالغطاء الرقيق المحيط باللبة ، وتحته اللب المشتمل على جرم{[30492]} كثيف هو أيضاً كالقشرة ، وعلى جرم{[30493]} لطيف هو الزهر{[30494]} ، وهو المقصود بالذات ، فتولدُ هذه الأجسام المختلفة طبعاً وصفة ولوناً وشكلاً وطعماً{[30495]} مع تساوي تأثيرات الطبائع والنجوم والعناصر والفصول الأربعة دال على القادر المختار بتلوه في الفرحة ، وقد تجتمع{[30496]} الطبائع الأربعة في الفاكهة الواحدة كالأترج قشره حار يابس ونوره حار يابس ، وكذلك العنب قشره وعجمه يابس حار رطب مع أنك تجد أحوالها مختلفة ، بعضها لبه في داخله وقشره في خارجه كالجوز واللوز ، وبعضها{[30497]} يكون المطلوب منه في الخارج وخشبه في الداخل كالخوخ والمشمش ، وبعضه لا لب لنواه كالتمر ، وبعضه يكون كله مطلوباً كالتين ، واختلاف هذه الطبائع والأحوال المتضادة والخواص المتنافرة حتى في الحبة الواحدة لا يكون عن طبيعة ، بل عن الواحد المختار ، والحبوب مختلفة الألوان والأشكال والصور ، فشكل الحنطة كأنه{[30498]} نصف مخروط ، وشكل الشعير كأنه مخروطان اتصلا بقاعدتيهما وشكل الحمص على وجه آخر ، وأودع سبحانه في كل نوع منها خاصية ومنفعة غير ما في الآخر ، وقد تكون الثمرة غذاء{[30499]} لحيوان وسمّاً لحيوان آخر ، فهذا الاختلاف مع اتحاد الطبائع وتأثيرات الكواكب دالّ على أنها إنما حصلت بالفاعل المختار ، ثم إنك تجد في ورقة الشجرة خطاً في وسطها مستقيماً نسبته لتلك الورقة نسبة النخاع إلى بدن الإنسان ، ينفصل عنه خيوط مختلفة ، وعن كل واحد منها خيوط أخرى أدق من الأولى ، ولا يزال على هذا النهج حتى تخرج الخيوط عن الحس والبصر ، كما أن النخاع يتفصل منه أعصاب كثيرة يمنة ويسرة في البدن ، ثم لا يزال يتفصل عن كل شعبة أخرى ، ولا يزال يستدق حتى تلطف عن الحس ، فعل سبحانه ذلك في الورقة لتقوى القوى المذكورة في جرم تلك الورقة على جذب الأجزاء اللطيفة الأرضية في تلك المجاري الضيقة ، فهذا يعلمك أن عنايته سبحانه في اتخاذ{[30500]} جملة تلك الشجرة أكمل ، فعنايته في تكوين جملة النبات أكمل ، وهو إنما خلق جملة النبات لمصلحة الحيوان فعنايته في تخليق الحيوان أكمل ، والمقصود من تخليق جملة الحيوان هو الإنسان فعنايته في تخليقه أكمل ، وهو سبحانه إنما خلق الحيوان والنبات في هذا العالم ليكون غذاء ودواء للإنسان بحسب جسده ، والمقصود من جسده حفظ تركيبه لأجل المعرفة والمحبة والعبودية ، فسبيلك أن تنظر في ورقة الشجرة وتتأمل في تلك الأوتار ثم تترقى منها إلى أوج تخليق الشجرة ثم إلى ما فوقها رتبة رتبة لتعلم أن المقصود الأخير منها حصول المعرفة والمحبة في الأرواح البشرية ، وحينئذ ينفتح{[30501]} لك باب من المكاشفات لا آخر له ، ويظهر لك أن نعم الله في خلقك غير متناهية

وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها{[30502]} }[ إبراهيم : 34 ] - والله الهادي .

ولما كان فلقهما{[30503]} عن النبات من جنس الإحياء لما فيه من النمو فسر معنى الفلق وبينه إشارة إلى الاعتناء به وقتاً بعد وقت بقوله : { يخرج } أي على سبيل التجدد والاستمرار تثبيتاً لأمر البعث { الحي } أي كالنجم والشجر والطير والدواب { من الميت } من الحب والنوى والبيض{[30504]} والنطف{[30505]} فكيف تنكرون{[30506]} قدرته على البعث ؛ ولما انكشف معناه وبان مغزاه بإخراج الأشياء من أضدادها لئلا يتوهم - لو كان لا{[30507]} يخرج عن شيء إلا مثله - أن الفاعل{[30508]} الطبيعة والخاصية ، عطف على { فالق } زيادة في البيان قوله معبراً باسم الفاعل الدال على الثبات لأنه لا منازعة لهم فيه ، فلم تدع حاجة إلى التعبير بالفعل الدال على التجدد : { ومخرج الميت } أي من الحب وما معه { من الحي } أي من النجم وما معه .

ولما تقررت له سبحانه هذه الأوصاف التي لا قدرة أصلاً لأحد غيره على شيء منها ، قال منبهاً لهم على غلطهم في إشراكهم ، إعلاماً بأن كل شريك ينبغي أن يساوي شريكه في شيء ما من الأمر المشرك{[30509]} فيه ، ولا مكافئ له سبحانه وتعالى{[30510]} في شيء من الأشياء فلا شريك له بوجه : { ذلكم } أي العالي المراتب المنيع المراقي{[30511]} هو { الله } أي المستجمع لصفات الكمال وحده فلا يحق الإلهية إلا له ؛ ولما{[30512]} كان هذا{[30513]} معنى الكلام ، سبب عنه قوله : { فأنَّى } أي فكيف ومن أيّ وجه { تؤفكون * } أي تصرفون وتقلبون عما ينبغي اعتقاده .


[30472]:في ظ: ثبت.
[30473]:من ظ، وفي الأصل: تجلى- كذا.
[30474]:زيد من ظ.
[30475]:في ظ، ياته.
[30476]:في ظ: وجه.
[30477]:في ظ: وهو.
[30478]:في ظ: الزرع.
[30479]:في ظ: الشق.
[30480]:في ظ: على.
[30481]:في ظ: القهار.
[30482]:في ظ "و".
[30483]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[30484]:في ظ: يشهد.
[30485]:من ظ، وفي الأصل: السكون.
[30486]:في ظ: بقوة.
[30487]:من ظ، وفي الأصل: لهذا.
[30488]:في ظ: بقوة.
[30489]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[30490]:من ظ، وفي الأصل: ظهوره.
[30491]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[30492]:من ظ، وفي الأصل: حزم.
[30493]:في ظ: تبرم- كذا.
[30494]:من ظ، وفي الأصل: الدهن.
[30495]:في ظ: طمعا.
[30496]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[30497]:في ظ: بعضه.
[30498]:في ظ: فإنه.
[30499]:في ظ: عد- كذا.
[30500]:في ظ: اتحاد.
[30501]:في ظ: ينفح.
[30502]:سورة 14 آية 34.
[30503]:في ظ: قلعهما.
[30504]:من ظ، وفي الأصل: من الفطرة- كذا.
[30505]:من ظ، وفي الأصل: من الفطرة- كذا.
[30506]:في ظ: يفكر.
[30507]:زيد من ظ.
[30508]:زيدت الواو بعده في الأصل، ولم تكن في ظ فحذفناها.
[30509]:في ظ: المشترك.
[30510]:زيد من ظ.
[30511]:سقط من ظ.
[30512]:من ظ، وفي الأصل: هذا كان.
[30513]:من ظ، وفي الأصل: هذا كان.