الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{كَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنكُمۡ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرَ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا فَٱسۡتَمۡتَعُواْ بِخَلَٰقِهِمۡ فَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِخَلَٰقِكُمۡ كَمَا ٱسۡتَمۡتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُم بِخَلَٰقِهِمۡ وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِي خَاضُوٓاْۚ أُوْلَـٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ} (69)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

هؤلاء المنافقون والكفار، {كالذين من قبلكم}، يعني من الأمم الخالية، {كانوا أشد منكم قوة}، يعني بطشا، {وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم} يعني بنصيبهم من الدنيا، {فاستمتعتم بخلاقكم}، يعني بنصيبكم من الدنيا، كقوله: {لا خلاق لهم} [آل عمران:77] يعنى لا نصيب لهم، ثم قال: {كما استمتع الذين من قبلكم} من الأمم الخالية، {بخلاقهم}، يعني بنصيبهم، {وخضتم} أنتم في الباطل والتكذيب، {كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم} يعني بطلت أعمالهم، فلا ثواب لهم {في الدنيا و} ولا في {والآخرة}؛ لأنها كانت في غير إيمان، {وأولئك هم الخاسرون}...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المنافقين الذين قالوا إنما كنا نخوض ونلعب: أبالله وآيات كتابه ورسوله كنتم تستهزءون، كالذين من قبلكم من الأمم الذين فعلوا فعلكم فأهلكهم الله، وعجّل لهم في الدنيا الخزي مع ما أعدّ لهم من العقوبة والنكال في الآخرة؟ يقول لهم جل ثناؤه: واحذروا أن يحلّ بكم من عقوبة الله مثل الذي حلّ بهم، فإنهم كانوا أشدّ منكم قوّة وبطشا، وأكثر منكم أموالاً وأولادا. "فاسْتَمْتَعُوا بخَلاقِهِمْ "يقول: فتمتعوا بنصيبهم وحظهم من دنياهم ودينهم، ورضوا بذلك من نصيبهم في الدنيا عوضا من نصيبهم في الآخرة. وقد سلكتم أيها المنافقون سبيلهم في الاستمتاع بخلاقكم، يقول: فعلتم بدينكم ودنياكم كما استمتع الأمم الذين كانوا من قبلكم الذين أهلكتهم بخلافهم أمري، "بخلاقهم"، يقول: كما فعل الذين من قبلكم بنصيبهم من دنياهم ودينهم، وخضتم في الكذب والباطل على الله كالذي خاضوا، يقول: وخضتم أنتم أيها المنافقون كخوض تلك الأمم قبلكم...

وأما قوله: "أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعمالُهُمْ" فإن معناه: هؤلاء الذين قالوا إنما كنا نخوض ونلعب، وفعلوا في ذلك فعل الهالكين من الأمم قبلهم، حبطت أعمالهم يقول: ذهبت أعمالهم باطلاً، فلا ثواب لها إلا النار، لأنها كانت فيما يسخط الله ويكرهه. "وأُولَئكَ هُمُ الخاسِرُونَ" يقول: وأولئك هم المغبونون صفقتهم ببيعهم نعيم الاَخرة، بخلاقهم من الدنيا اليسير الزهيد.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

قوله تعالى: (كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً) أي هؤلاء المنافقون والكفرة (كالذين من قبلكم) ولم يبين كأولئك في ماذا؟ ولكن يحتمل قوله (كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً) وبطشا (وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً). وفي الشاهد إنما يدفع العذاب والعقوبة بهذا، وبه يتناصر بعضهم من بعض، ثم لم يقدروا على دفع ذلك، هذا قد قيل. وقيل: (كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي صرتم وما اخترتم من الأعمال كما صار أولئك في ما اختاروا من الأعمال وكل أنواع الخلاف لله وتكذيب الرسل وتعاطي ما لا يحل، فصرتم أنتم كما صاروا هم. وقوله تعالى: (فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ...)...قيل انتفعوا بخلاقهم؛ أي أكلتم أنتم الدنيا بدينكم كما أكل أولئك الدنيا بدينهم. وقيل (فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ) أي بنصيبهم من الدنيا، ولم يقدموا شيئا للآخرة، والخلاق: النصيب... قال أبو هريرة: الخلاق: الدين؛ وكذلك قال الحسن في قوله: (بخلاقهم) أي بدينهم. وقوله تعالى: (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا) أي خضتم أنتم في الباطل والتكذيب كالذي خاض أولئك من الأمم الخالية. قال أبو عبيدة: قوله (وخضتم) أي لعبتم (كالذي خاضوا) أي لعبوا بالتكذيب. وقوله تعالى: (أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) فلا ثواب لها في الدنيا والآخرة لأنها كانت في غير إيمان. فثواب الأعمال إنما يكون في الآخرة بالإيمان. (وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ) خسران بينا. وبطلان أعمالهم في الدنيا لما لا يقبل واحد من الفريقين من المؤمنين والكفار صنيعهم لأنهم يرون من أنفسهم الموافقة لكل واحد منهما وما كانوا مع واحد من الفريقين كقوله: (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) [النساء: 143]...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

يقال: سلكتم طريقَ مَنْ قَبْلَكم من الكفار وأهل النفاق وقد كافأناهم. ويقال الذين تقدموكم زادوا عليكم فكافأناهم كما نكافئ أهل الشقاق والنفاق؛ في كثرة المدَّةِ وقوةِ العُدَّةِ، والاستمتاع في الدنيا، والاغترار بالانخراط في سِلْك الهوى.. ولكن لم تَدُمْ في الراحة مُدَّتُهم، ولم تُغْنِ عنهم يومَ الشِدَّةِ عُدَّتُهم، وعما قريبٍ يَلْحَقُ بِكُم ما لَحِقَ بالذين هم قبلكم...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

فإن قلت: أي فائدة في قوله: {فاستمتعوا بخلاقهم} وقوله: {كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بخلاقهم} مغن عنه كما أغنى قوله: {كالذي خَاضُواْ} عن أن يقال: وخاضوا فخضتم كالذي خاضوا؟ قلت: فائدته أن يذمّ الأوّلين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا ورضاهم بها، والتهائم بشهواتهم الفانية عن النظر في العاقبة وطلب الفلاح في الآخرة، وأن يخسس أمر الاستمتاع ويهجن أمر الرضى به، ثم يشبه بعد ذلك حال المخاطبين بحالهم، كما تريد أن تنبه بعض الظلمة على سماجة فعله فتقول: أنت مثل فرعون، كان يقتل بغير جرم ويعذب ويعسف وأنت تفعل مثل فعله.

وأما {وَخُضْتُمْ كالذي خَاضُواْ} فمعطوف على ما قبله مستند إلى مستغن باستناده إليه عن تلك التقدمة.

{حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا والآخرة} نقيض قوله: {وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} [العنكبوت: 27].

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أن هذا رجوع من الغيبة إلى الخطاب، وهذا الكاف للتشبيه، وهو يحتمل وجوها:

الأول: قال الفراء: فعلتم كأفعال الذين من قبلكم، والمعنى: أنه تعالى شبه المنافقين بالكفار الذين كانوا قبلهم في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، وقبض الأيدي عن الخيرات، ثم إنه تعالى وصف أولئك الكفار بأنهم كانوا أشد قوة من هؤلاء المنافقين وأكثر أموالا وأولادا، ثم استمتعوا مدة بالدنيا ثم هلكوا وبادوا وانقلبوا إلى العقاب الدائم، فأنتم مع ضعفكم وقلة خيرات الدنيا عندكم أولى أن تكونوا كذلك.

والوجه الثاني: أنه تعالى شبه المنافقين في عدولهم عن طاعة الله تعالى، لأجل طلب لذات الدنيا بمن قبلهم من الكفار، ثم وصفهم تعالى بكثرة الأموال والأولاد وبأنهم استمتعوا بخلاقهم، والخلاق: النصيب، وهو ما خلق للإنسان، أي قدر له من خير، كما قيل له: قسم لأنها قسم ونصيب، لأنه نصب أي ثبت، فذكر تعالى أنهم استمتعوا بخلاقهم فأنتم أيها المنافقون استمتعتم بخلاقكم كما استمتع أولئك بخلاقهم.

فإن قيل: ما الفائدة في ذكر الاستمتاع بالخلاق في حق الأولين مرة ثم ذكره في حق المنافقين ثانيا ثم ذكره في حق الأولين ثالثا. قلنا: الفائدة فيه أنه تعالى ذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا وحرمانهم عن سعادة الآخرة بسبب استغراقهم في تلك الحظوظ العاجلة، فلما قرر تعالى هذا الذم عاد فشبه حال هؤلاء المنافقين بحالهم، فيكون ذلك نهاية في المبالغة...

وبالجملة فالتكرير ههنا للتأكيد، ولما بين تعالى مشابهة هؤلاء المنافقين لأولئك المتقدمين في طلب الدنيا، وفي الإعراض عن طلب الآخرة، بين حصول المشابهة بين الفريقين في تكذيب الأنبياء وفي المكر والخديعة والغدر بهم. فقال: {وخضتم كالذي خاضوا} قال الفراء: يريد كخوضهم الذي خاضوا...

ثم قال تعالى: {أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة} أي بطلت حسناتهم في الدنيا بسبب الموت والفقر والانتقال من العز إلى الذل ومن القوة إلى الضعف، وفي الآخرة بسبب أنهم لا يثابون بل يعاقبون أشد العقاب. {وأولئك هم الخاسرون} حيث أتعبوا أنفسهم في الرد على الأنبياء والرسل، فما وجدوا منه إلا فوات الخيرات في الدنيا والآخرة، وإلا حصول العقاب في الدنيا والآخرة، والمقصود أنه تعالى لما شبه حال هؤلاء المنافقين بأولئك الكفار بين أن أولئك الكفار لم يحصل لهم إلا حبوط الأعمال وإلا الخزي والخسار، مع أنهم كانوا أقوى من هؤلاء المنافقين وأكثر أموالا وأولادا منهم، فهؤلاء المنافقون المشاركون لهم في هذه الأعمال القبيحة أولى أن يكونوا واقعين في عذاب الدنيا والآخرة، محرومين من خيرات الدنيا والآخرة.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

قال ابن جُرَيْج: وأخبرني زياد بن سعد، عن محمد بن زيد بن مهاجر، عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده، لتتبعن سَنَن الذين من قبلكم، شبرا بشبر، وذراعا بذراع، وباعا بباع، حتى لو دخلوا جُحْر ضَبٍّ لدخلتموه". قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ أهل الكتاب؟ قال: "فَمَه "وهكذا رواه أبو مَعْشَر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكره وزاد: قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم القرآن. {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ} قال أبو هريرة: الخلاق: الدين. {وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا} قالوا: يا رسول الله، كما صنعت فارس والروم؟ قال:"فهل الناس إلا هم "وهذا الحديث له شاهد في الصحيح

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما كان حالهم في الإقبال على العاجلة لكونها حاصلة والإعراض عن العاقبة لأنها غائبة متشابهاً لحال من كان قبلهم من الأمم الخالية والقرون الماضية، بين لهم ذلك وختم ببيان سوء أحوالهم وقبح مآلهم بتلاشي أعمالهم فقال ملتفتاً إلى أسلوب الخطاب لأنه أوقع في باب العتاب وأقعد في استجلاب المصالح للمتاب: {كالذين} أي حاصل ما مضى من أمركم أيها المنافقون أنكم مثل الذين؛ ولما كان فاعل ما يذكر إنما هو بعض من مضى أثبت الجارّ فقال: {من قبلكم} أي من الأمم الخالية، ثم شرع في شرح حالهم وذكر وجه الشبه فقال: {كانوا أشد منكم قوة} لأن الزمان كان إذ ذاك أقرب إلى سن الشباب {وأكثر أموالاً وأولاداً} وهذا ناظر إلى قوله: "فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم {فاستمتعوا} أي طلبوا المتاع والانتفاع في الدنيا بغاية الرغبة معرضين عن العقبى {بخلاقهم} أي نصيبهم الذي قدره الله وخلقه لهم، وكان الأليق بهم أن يتبلغوا به في السفر الذي لا بد منه إلى الآخرة {فاستمتعتم بخلاقكم} أي كالمقتفين لآثارهم والقاصدين لنارهم {كما استمتع} وفي الإتيان بقوله: {الذين} ولما كانوا لم يستغرقوا الزمن الماضي، أثبت الجارّ فقال: {من قبلكم بخلاقهم} ظاهراً غير مضمر تنبيه على ذمهم بقلة النظر لنفسهم المستلزم لقلة عقولهم حيث كانوا دونهم في القوة أبداناً وأموالاً وأولاداً لم يكفوا عن الاستمتاع والخوض خوفاً مما محق أولئك الأحزاب على قوتهم من العذاب من غير أن ينفعهم سبب من الأسباب {وخضتم} أي ذهبتم في أقوالكم وأفعالكم خبطاً على غير سنن قويم {كالذي} أي كخوضهم الذي {خاضوا} وهو ناظر إلى قولهم {إنما كنا نخوض ونلعب}

قال أبو حيان: وهو مستعار من الخوض في الماء ولا يستعمل إلا في الباطل لأن التصرف في الحق إنما هو على ترتيب ونظام، وأمور الباطل إنما هي خوض، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "رب متخوض في مال الله له النار يوم القيامة".

ولما آذن هذا النظم لهم بالخسارة، حصل التشوف إلى عاقبة أمرهم فأخبر عن ذلك بقوله: {أولئك} أي البعداء من الخير، والظاهر أنه إشارة إلى الذين وصفهم بالشدة وكثرة الأموال والأولاد {حبطت} أي فسدت فبطلت {أعمالهم في الدنيا} أي بزوالها عنهم ونسيان لذاتها {والآخرة} أي وفي الدار الباقية لأنهم لم يسعوا لها سعيها؛ وزاد في التنبيه على بعدهم مما قصدوا لأنفسهم من النفع فقال: {وأولئك هم} أي خاصة {الخاسرون} أي لا خاسر في الحقيقة غيرهم لأنهم خسروا خلاقهم في الدارين فخسروا أنفسهم فلا أخسر ممن تشبه بهم، ولعل في الالتفات إلى مقام الخطاب أيضاً إشارة إلى تحذير كل سامع من مثل هذه الحال لصحة أن يكون مراداً بهذا المقال، فإن من أسرار القرآن في إعجازه أن تكون عبارته متوجهة إلى شيء وإشارته شاملة لغيره من حيث اتصافه بعلة ذلك الحال أو غير ذلك من الخلال.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{كالذين من قبلكم} هذا عود إلى خطاب المنافقين الذين نزلت في شأنهم الآيات السابقة واللاحقة بعد ذكر حال جنس المنافقين وصفاتهم في كل زمان، يقول لهم: أنتم أيها المنافقون المؤذون لله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين كأولئك المنافقين الذين خلوا من قبلكم في أقوام الأنبياء، مفتونون بأموالكم وأولادكم، مغرورون بدنياكم، كما كانوا مفتونين ومغرورين بأموالهم وأولادهم، ولكنهم {كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم}، أي فكان مطلبهم من أعمالهم وسعيهم التمتع والتنعم بنصيبهم وحظهم الدنيوي من الأموال والأولاد، لم يكن لهم مطلب ولا غرض من الدنيا إلا التمتع بعظمتها تطغيهم بها القوة، وبلذاتها تغريهم بها الثروة، وبزينتها تفرحهم بها كثرة الذربة؛ لأنهم لم يكن لهم مقاصد شريفة عالية من الحياة سواها كالذي يقصده أهل الإيمان بالله ورسله والدار الآخرة من إعلاء كلمة الحق، وإقامة ميزان العدل في الخلق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل كان خلاقهم كخلاق السباع والأنعام من العدوان واللذات البدنية والنسل. {فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم} من القوة والأموال والأولاد سواء، لم يفضلوا عليهم بشيء من إرشاد كلام الله وهدي رسوله في الفضائل والأعمال الصالحة التي تتزكى بها الأنفس البشرية، وتكون بها أهلا للسعادة الدنيوية والأخروية، فكنتم أجدر باللائمة والعقاب منهم، لأنهم أوتوا من القوة المطغية، والأموال المبطرة، والأولاد الفاتنة، فوق ما أوتيتم، ولم يروا من آيات الله تعالى ما رأيتم، ولا سمعوا من حكم كلامه وشرائعه ما سمعتم، ولا نصب لهم من المثل الأعلى لهداية رسله ما نصب لكم بهدي محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الله نزل عليه أحسن الحديث وأفضل الكتب وأكمل به الدين، وجعله خاتم النبيين، وأعاد ذكر استمتاع من قبلهم لما يقتضيه التبكيت والتأنيب من الإطناب لبيان اختلاف الحالين، فهو يقول لهم: إنكم فعلتم فعلتهم حذو القذة بالقذة مع توفر الدواعي على ضده. {وخضتم كالذي خاضوا} أي وخضتم في حمأة الباطل كالخوض الذي خاضوه من كل وجه، على ما بين حالكم وحالهم من الفرق، الذي كان يقتضي أن تكونوا أهدى منهم، وقال الفراء من علماء العربية: إن (الذي) تأتي مصدرية كما، فيكون التقدير: وخضتم كخوضهم، وقيل: إن (الذي) هنا للجنس كمن وما، وأنه بمعنى الذين، ولكن هذا ضعيف لفظاً ومعنى؛ إذ المراد أنكم تخوضون كخوض من قبلكم وهو الذي يقتضيه العطف لا كالذين خاضوا مطلقاً من أي فريق كانوا. {أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة} حبط العمل بكسر الباء حبطاً بسكونها وحبوطاً: فسد وذهبت فائدته، وحبط دم القتيل: هدر، وهو من حبط بطن البعير حبطاً [بفتحتين] انتفخ وفسد من كثرة أكل الحندقوق فلم يثلط، أي أولئك المستمتعون بخلاقهم وحظهم مما ذكر والخائضون في الباطل حبطت أعمالهم الدنيوية في الدنيا، فكان ضررها أكبر من نفعها لهم لإسرافهم فيها، وإفسادهم في الأرض، كما تحبط بطون الماشية تأكل الخضر فتستوبله فتنتفخ وتفسد ويكون سبب هلاكها، وحبطت أعمالهم الدينية في الآخرة من العبادات وصلة الرحم وصنع المعروف والصدقة وقرى الضيوف، فلم يكن لها أجر ينقذهم من عذاب النار ويدخلهم الجنة، لأنها كانت لأجل الرياء والسمعة وحب الظهور والثناء، ولأجل أن يعاملوا معاملة المسلمين وتجري عليهم أحكامهم، لم تكن لأجل تزكية النفس، ولا لمرضاة الله عز وجل، وفي التنزيل عدة آيات في حبوط الأعمال بالشرك والرياء، أي بطلان ثوابها، وهو مستعار من حبط بطون الماشية كما تقدم، ويا لها من استعارة، فإن الماشية عندما تأكل الخضر من النبات تلذذاً به فتكثر منه فتستوبله وتستوخمه يكون حظها منها فساد بطونها وهلاكها، بدلاً من التغذي والانتفاع الذي تطلبه بشهوتها. وقيل: إن المراد بحبوط أعمالهم في الدنيا فشلهم وخيبتهم فيما كانوا يكيدون للمؤمنين. وجملة القول: إن أعمالهم إما دينية وإما دنيوية: فالدينية تحبط كلها في الآخرة لأن شرط قبولها الإيمان والإخلاص، وتحبط في الدنيا إذا ظهر نفاقهم، وافتضح أمرهم، ولحبوطها معنى آخر وهو أنها لا تأثير لها في تهذيب أخلاقهم وتزكية أنفسهم من الفحشاء والمنكر ومساوئ الأخلاق، لأن هذا لا يحصل إلا بالإخلاص. وأما الدنيوية فهي قسمان: 1 تمتع بالأموال والأولاد والقوة. 2 – كيد ومكر ونفاق. وقد بينا معنى حبوطهما آنفا بما يطرد في أزمنة الأنبياء وما يشبهها كعهد الخلفاء الراشدين. وأما أعمال النفاق الدنيوية في أيام الملوك والأمراء الظالمين الفاسقين، فإنها تكون أكثر رواجاً ونتاجاً من أعمال الصادقين المخلصين، ولا دليل على فساد الملوك والأمراء والرؤساء أدل من تقريبهم للمنافقين المتملقين منهم، وإبعادهم للناصحين الصادقين عنهم، قال الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم: (الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) متفق عليه. {وأولئك هم الخاسرون} التامو الخسران دون غيرهم ممن لم يكن كل حظهم من نعم الله الاستمتاع العاجل، والخوض في الباطل، إذ جاء خسارهم من مظنة الربح والمنفعة، كقوله تعالى فيهم: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً} [الكهف: 104]، وكلُّ خسار دون هذا هين كأنه ليس بخسار، وهذا معنى صيغة الحصر في الجملة، فهل يعتبر بهذا أهل هذا الزمان؟ أم هل يعتبر به التالون والمفسرون للقرآن، أم يقرؤونه ويفسرونه لكسب الحطام؟...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

هذه الطبيعة الفاسقة المنحرفة الضالة، ليست جديدة، ففي تاريخ البشرية لها نظائر وأمثال. ولقد حوى تاريخ البشرية من قبل هؤلاء نماذج كثيرة من هذا الطراز. ولقد لاقى السابقون مصائر تليق بفسوقهم عن الفطرة المستقيمة والطريق القويمة، بعدما استمتعوا بنصيبهم المقدر لهم في هذه الأرض. وكانوا أشد قوة وأكثر أموالاً و أولادا فلم يغن عنهم من ذلك كله شيء. والقرآن يذكر القوم بما كان من أسلافهم، ويبصرهم بأنهم يسلكون طريقهم، ويحذرهم أن يلاقوا مصيرهم. لعلهم يهتدون: (كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالاً وأولاداً، فاستمتعوا بخلاقهم. فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم، وخضتم كالذي خاضوا. أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون). إنها الفتنة بالقوة، والفتنة بالأموال والأولاد. فأما الذين اتصلت قلوبهم بالقوة الكبرى فهم لا يفتنون بالقوة العارضة التي تخول لهم في الأرض، لأنهم يخشون من هو أقوى، فينفقون قوتهم في طاعته وإعلاء كلمته. وهم لا يفتنون بالأموال والأولاد، لأنهم يذكرون من أنعم عليهم بالأموال والأولاد، فيحرصون على شكر نعمته، وتوجيه أموالهم وأولادهم إلى طاعته.. وأما الذين انحرفت قلوبهم عن مصدر القوة والنعمة فهم يبطرون ويفجرون في الأرض، ويتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام: (أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة).. وبطلت بطلانا أساسياً، لأنها كالنبتة بلا جذور، لا تستقر ولا تنمو ولا تزدهر. (وأولئك هم الخاسرون).. الذين خسروا كل شيء على وجه الإجمال بلا تحديد ولا تفصيل...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

بين الله تعالى في الآية السابقة العقاب الشديد الذي يستقبل الكافرين، وخص المنافقين بالذكر؛ لأنهم كفار أخساء لؤماء، مفسدون، ثم بين سبحانه وتعالى أن ذلك العذاب قريب وليس بعيد، وأنه أصاب الذين من قبلكم، فقال مقربا لعذابهم ممثلا له بعذاب من سبقوهم، فقال: {كالذين من قبلكم} الذين سبقوكم بالكفر والطغيان، والخطاب للكفار والمنافقين، وإن ذكرهم وقد فنوا يومئ إلى أنهم سيكونون مثلهم في فناء، وأن الحياة الدنيا التي آثروا متعها فانية، وقوى ذلك المعنى المشار إليه بقوله تعالت كلماته: {كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا} كانوا في قوة غزت الأقاليم وفتحت البلاد ودانت لهم رقاب العباد، وسيطروا على الأرض، كان عدد الملأ من قوم فرعون كثيرا، والأموال من الزرع والثمار والسائمة، تجري في أيديهم، فأنى يكون عددهم بجوار عددهم، وأموالكم وأنتم بواد غير ذي زرع بجوار أموالهم، ومع ذلك حسبوا الحياة كل شيء ففنوا مع فناء حياتهم الدنيوية. قوله تعالى: {فاستمتعوا بخلاقهم} أي بنصيبهم الذي خلقه الله تعالى لهم، استمتعوا بهذا النصيب، وحسبوه الحياة ولا حياة بعدها، وتحكموا واستكبروا، وقال الطاغوت الأكبر لفرعون- ومن شابهه-: {أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي} (الزخرف 51) وسرتهم سيرهم، فحسبتم أن الدنيا هي الحياة، ولا حياة بعدها. ولذا قال تعالى: {فاستمتعوا بخلاقهم}. استمتع معناها طلب المتعة، ونالها، فالأقدمون استمتعوا بما أوتوا من حظوظ الدنيا، وجعلوها متعتهم، وقصروا متع حياتهم عليها لا يطلبون غيرها من متع الآخرة، ولا يريدونها، والفاء في قوله تعالى: {فاستمتعوا بخلاقهم)؛ تدل على ترتب ما بعدها على ما قبلها، ترتب محاكاة واتباع، فطلبتم ما طلبوا وحاكيتموها فيما فعلوا، ولذا قال: {كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم} ثم قال تعالى: {وخضتم كالذي خاضوا} قلنا: إن الخوض معناه دخول الماء، واختفاء الأرجل والسير فيه، وأطلق على الخوض في الباطل والإثم، وفيه مجاز، من حيث تشبيه الخوض في الباطل بالخوض في الماء من غير تعرف لما فيه، وقد يكون فيه صخور، أو أشياء تجرح وتضر. {وخضتم كالذي خاضوا} أي خضتم في الباطل كالذي خاضوا فيه. والمعنى تشابهت أحوالكم مع أحوال من سبقوكم فاستمتعتم بحياة لاهية رخيصة، من غير نظر إلى عاقبة أموركم وأمورهم وحسبتم أن خلاقكم في الدنيا هو الحظ الأوفر، فلم تفكروا في الآخرة، ولم تعملوا على صلاح أموركم فيها، بل إنكم وأنتم حسبتم أن حياتكم هي الدنيا، وظننتم أنكم خلقتم عبثا من غير غاية، وأنه ليس هناك يوم تجازون فيه، وإن الصيغة الكريمة تومئ إلى أن قصر الحياة على حظوظ الدنيا استهانة بأنفسهم، وقد قال الزمخشري في بيان السبب في تكرار التشبيه لحالهم بحال من سبقوهم من الفجرة الآثمين العاتين، وفائدته أن يذم الأولين بما أوتوا من حظوظ الدنيا ورضاهم بها، والتهائهم بشهواتها الفانية عن النظر في العاقبة، وطلب الصلاح في الآخرة، وأن يصغر أمر الاستمتاع بها، ويهين أمر الراضي بها، ثم يشبه حال المخاطبين بحالهم، كما تريد أن تنبه بعض الظلمة على سماجة فعله، فتقول: أنت مثل فرعون؛ كان يقتل بغير جرم ويعذب ويعسف، وأنت تفعل مثل فعله. فهو سبحانه وتعالى يشير إلى سوء حال من سبقوهم، ويبين أنهم مثلهم. ثم قال تعالى: {أولئك حبطت أعمالهم} الإشارة إلى أوصافهم من أنهم حسبوا الحياة لهوا ولعبا، فاستمتعوا بحظهم فيها، واستمتعتم أنتم مثلهم، هذا سبب أن حبطت أعمالكم، أي بطلت؛ لأنها تحمل في نفسها أسباب فسادها، وأولئك هم الخاسرون، وقد تأكد خسارتهم، وفي الكلام قصر، واختصاص أنهم مقصورون على الخسران، فلا فلاح لهم في الدنيا إذ تكون حياتهم يأكلون ويمرحون، ولا فلاح لهم في الآخرة إذ يستقبلهم العذاب المهين. وقد أشار سبحانه إلى الهلاك الذي نال من سبقوهم فقال تعالى:

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

... وتلك هي مسيرة النفاق في الحاضر التي ترتبط بمسيرته في التاريخ، في المقدّمات والنتائج، {كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَولادًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ} ونصيبهم من الدنيا وسارت بهم الحياة كما يشتهون، {فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخلاقِكُمْ} ونصيبكم من الدنيا في ما تشتمل عليه من لذائذ وشهوات {كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ} من الكفر والنفاق والاستهزاء بالرسل والرسالات والإمعان في الباطل قولاً وعملاً، فماذا كانت نتائجهم في حساب الأرباح والخسائر؟ ليس هناك شيءٌ على مستوى الأرباح في الدنيا والآخرة، فلم يحصلوا على شيءٍ مقابل كل ما عانوه وما خاضوا فيه، {أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدنْيَا وَالآخرةِ} فلم يبق منها شيء، بطلت في كل نتائجها، لأن الكفر يهدم كل عمل من أعمال الخير السابقة لو كان لهم شيء من ذلك، فلا يستحقون عليه ثواباً في الآخرة، ولا يحصلون منها على نتيجةٍ مرضيةٍ في الدنيا، في ما يحصل منه الناس من نتائج معنويةٍ أو ماديّةٍ على ما يقدمونه من عمل أو يبذلونه من جهدٍ، {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} الذين خسروا أنفسهم وفقدوا مصيرهم، فإذا كان مصير أولئك هو ذلك، فهل يكون مصيركم أفضل من مصيرهم، وأنتم تسيرون على الخط نفسه الذي ساروا عليه، وتسعون إلى نفس الأهداف التي استهدفوها، وتخوضون في الباطل الذي خاضوه، وتتمردون على الله في كل شيء؟!...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

تكرر التاريخ والاعتبار به:

من أجل توعية هؤلاء المنافقين، وضعت الآية الآتية مرآة التاريخ أمامهم، ودعتهم إِلى ملاحظة حياتهم وسلوكهم ومقارنتها بالمنافقين والعتاة المردة الذين تمردوا على أوامر الله سبحانه وتعالى، وأعطتهم أوضح الدروس وأكثرها عبرة، فذكّرهم بأنّهم كالمنافقين الماضين ويتبعون نفس المسير وسيلقون نفس المصير: (كالذين من قبلكم) علماً أنّ هؤلاء (كانوا أشدّ منكم قوّة وأكثر أموالا وأولاداً).

وكما أنّ هؤلاء قد تمتعوا بنصيبهم في هذه الحياة الدنيا، وصرفوا أعمارهم في طريق قضاء الشهوات والمعصية والفساد والانحراف، فإنّكم قد تمتعتم بنصيبكم كهؤلاء: (فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم) والخلاق في اللغة بمعنى النصيب والحصة، يقول الراغب في مفرداته: أنّها مأخوذة من مادة (خلق)، ويحتمل على هذا أن الإِنسان قد يستفيد ويتمتع بنصيبه في هذه الحياة الدنيا بما يناسب خلقه وخصاله.

ثمّ تقول بعد ذلك: إنّكم كمن مضى من أمثالكم قد أوغلتم وسلكتم مسلك الاستهزاء والسخرية، تماماً كهؤلاء: (وخضتم كالذي خاضوا).

ثمّ تبيّن الآية عاقبة أعمال المنافقين الماضين لتحذر المنافقين المعاصرين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكل منافقي العالم في جملتين:

الأُولى: إن كل أعمال المنافقين قد ذهبت أدراج الرياح، في الدنيا والآخرة، ولم يحصلوا على أي نتيجة حسنة، فقالت: (حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة).

الثّانية: إِنّ هؤلاء هم الخاسرون الحقيقيون بما عملوه من الأعمال السيئة: (وأُولئك هم الخاسرون).

إن هؤلاء المنافقين يمكن أن يستفيدوا ويحققوا بعض المكاسب والامتيازات من أعمال النفاق، لكن ما يحصلون عليه مؤقت ومحدود، فإنّنا إذا أمعنا النظر فسنرى أن هؤلاء لم يجنوا من سلوك هذا الطريق شيئاً، لا في الدنيا ولا في الآخرة، كما يعكس التاريخ هذه الحقيقة، ويبيّن كيف أنّ المنافقين على مرّ الدهور والأيّام قد توالت عليهم النكبات وأزرت بهم وحكمت عليهم بالفناء والزوال، كما أن ممّا لا شك فيه أنّ هذه العاقبة الدنيوية تبيّن المصير الذي ينتظرهم في الآخرة.

إن الآية الكريمة تنبه المنافقين المعاصرين للنّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فتقول لهم: إنّكم ترون أنّ هؤلاء السابقين رغم تلك الإمكانات والقدرات والأموال والأولاد لم يصلوا إِلى نتيجة، وأنّ أعمالهم قد أصبحت هباء منثوراً لأنّها لم تستند إِلى أساس محكم، بل كانت أعمال نفاق ومراوغة، فإنّكم ستواجهون ذلك المصير بطريق أولى، لأنّكم أقل من هؤلاء قدرة وقوة وإمكانات.

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{كَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنكُمۡ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرَ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا فَٱسۡتَمۡتَعُواْ بِخَلَٰقِهِمۡ فَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِخَلَٰقِكُمۡ كَمَا ٱسۡتَمۡتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُم بِخَلَٰقِهِمۡ وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِي خَاضُوٓاْۚ أُوْلَـٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ} (69)

{ كالذين من قبلكم } خطاب للمنافقين والكاف في موضع نصب والتقدير فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم ، أو في موضع خبر مبتدأ تقديره : أنتم { كالذين من قبلكم } .

{ وخضتم } أي : خلطتم وهو مستعار من الخوض في الماء : ولا يقال إلا في الباطل من الكلام .

{ كالذي خاضوا } تقديره : كالخوض الذي خاضوا ، أو قيل : كالذين خاضوا ، فالذي هنا على هذا بمعنى : الجميع .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{كَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنكُمۡ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرَ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا فَٱسۡتَمۡتَعُواْ بِخَلَٰقِهِمۡ فَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِخَلَٰقِكُمۡ كَمَا ٱسۡتَمۡتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُم بِخَلَٰقِهِمۡ وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِي خَاضُوٓاْۚ أُوْلَـٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ} (69)

ولما كان حالهم في الإقبال على العاجلة لكونها حاصلة والإعراض عن العاقبة لأنها غائبة متشابهاً لحال من كان قبلهم من الأمم الخالية والقرون الماضية ، بين لهم ذلك وختم ببيان سوء أحوالهم وقبح مآلهم بتلاشي أعمالهم فقال ملتفتاً إلى أسلوب الخطاب لأنه أوقع في باب العتاب وأقعد في استجلاب المصالح للمتاب : { كالذين } أي حاصل ما مضى من أمركم أيها المنافقون أنكم مثل الذين ؛ ولما كان فاعل ما{[36689]} يذكر إنما هو بعض من مضى أثبت الجارّ فقال : { من قبلكم } أي من الأمم الخالية ، ثم شرع في شرح حالهم وذكر وجه الشبه فقال : { كانوا أشد منكم قوة } لأن الزمان كان إذ ذاك أقرب إلى سن الشباب { وأكثر أموالاً وأولاداً } وهذا{[36690]} ناظر إلى قوله : " فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم { فاستمتعوا } أي طلبوا المتاع والانتفاع في الدنيا بغاية الرغبة معرضين عن العقبى { بخلاقهم } أي نصيبهم الذي قدره الله وخلقه لهم ، وكان الأليق بهم{[36691]} أن يتبلغوا به في السفر الذي لا بد منه إلى الآخرة { فاستمتعتم بخلاقكم } أي كالمقتفين لآثارهم والقاصدين لنارهم { كما استمتع } وفي الإتيان بقوله : { الذين } ولما كانوا لم يستغرقوا الزمن الماضي ، أثبت الجارّ فقال : { من قبلكم بخلاقهم } ظاهراً غير مضمر تنبيه على ذمهم بقلة النظر لنفسهم المستلزم لقلة عقولهم حيث كانوا دونهم في القوة أبداناً وأموالاً وأولاداً لم يكفوا عن الاستمتاع والخوض خوفاً مما محق أولئك الأحزاب على قوتهم من العذاب من غير أن ينفعهم سبب{[36692]} من الأسباب { وخضتم } أي ذهبتم في أقوالكم وأفعالكم خبطاً{[36693]} على غير سنن قويم { كالذي } أي كخوضهم الذي { خاضوا } وهو ناظر إلى قولهم{[36694]} { إنما كنا نخوض ونلعب } قال أبو حيان : وهو مستعار من الخوض في الماء ولا يستعمل إلا في الباطل لأن التصرف في الحق إنما هو على ترتيب ونظام ، وأمور الباطل إنما هي خوض ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : " رب{[36695]} متخوض في مال{[36696]} الله له النار يوم القيامة " .

ولما آذن هذا النظم لهم بالخسارة{[36697]} ، حصل التشوف إلى عاقبة أمرهم فأخبر عن ذلك بقوله : { أولئك } أي البعداء من الخير ، والظاهر أنه إشارة إلى الذين وصفهم بالشدة وكثرة الأموال والأولاد { حبطت } أي فسدت فبطلت { أعمالهم في الدنيا } أي بزوالها عنهم ونسيان لذاتها { والآخرة } أي وفي الدار الباقية لأنهم لم يسعوا لها سعيها ؛ وزاد في التنبيه على بعدهم مما قصدوا لأنفسهم من النفع فقال : { وأولئك هم } أي خاصة { الخاسرون* } أي لا خاسر في الحقيقة غيرهم لأنهم خسروا خلاقهم في الدارين فخسروا أنفسهم فلا أخسر ممن تشبه بهم{[36698]} ، ولعل في الالتفات{[36699]} إلى مقام الخطاب أيضاً إشارة إلى تحذير كل سامع من{[36700]} مثل هذه الحال{[36701]} لصحة أن يكون مراداً بهذا المقال ، فإن من أسرار القرآن في إعجازه أن تكون عبارته متوجهة إلى شيء وإشارته شاملة لغيره من حيث اتصافه{[36702]} بعلة ذلك الحال أو غير ذلك من الخلال ؛ قال الإمام أبو الحسن الحرالي في آخر عروة المفتاح في بيان تناول كلية القرآن لكلية الآية ولكل قارىء يقرؤه من أهل الفهم والإيقان : اعلم أن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن نبأ عن{[36703]} جميع الأكوان ، وأن جميع ما أنبأ عنه من أمر آدم إلى زمان محمد عليهما السلام من أمر النبوات والرسالات والخلافات وأصناف الملوك والفراعنة والطغاة وأصناف الجناة وجميع ما أصابهم من المثوبات والمثلات في يوم آدم عليه السلام إلى زمان محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو ستة آلاف سنة ونحوها كل ذلك يتكرر{[36704]} بجملته في يوم محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو ألف سنة أو نحوها أعداداً بأعداد وأحوالاً بأحوال في خير أو شرف ، لكل من الماضين مثل يتكرر{[36705]} في هذه الأمة الخاتمة كما قال صلى الله عليه وسلم{[36706]} " " لكل نبي قبلي في أمتي نظير " ثم ذكر صلى الله عليه وسلم نظراء " مثل إبراهيم كأبي بكر ، ومثل موسى كعمر ، ومثل هارون كعثمان ، ومثل نوح كعلي ، ومثل عيسى كأبي ذر " وقال صلى الله عليه وسلم : " إني لأعرف النظراء من أمتي بأسمائهم وأسماء آبائهم وعشائرهم كافرهم ومؤمنهم ممن كان وممن هو كائن وممن سيكون بعد ، ولو شئت أن أسميهم لفعلت " "

فما{[36707]} صد أكثر هذه الأمة عن فهم القرآن ظنهم أن الذي فيه من قصص الأولين وأخبار المثابين والمعاقبين من أهل الأديان أجمعين أن ذلك إنما مقصوده الأخبار والقصص فقط ، كلاً وليس كذلك ! إنما مقصوده{[36708]} الاعتبار والتنبيه لمشاهدة متكررة في هذه الأمة{[36709]} من نظائر{[36710]} جميع أولئك الأعداد وتلك الأحوال والآثار حتى يسمع السامع جميع القرآن من أوله إلى خاتمته منطبقاً على هذه الأمة{[36711]} وأئمتها هداتها وضلالها ، فحينئذ ينفتح له باب الفهم ويضيء له نور العلم ويتجه له حال الخشية ويرى في أصناف هذه الأمة ما سمع من أحوال القرون الماضية وإنه كما قيل في المثل السائر :إياك أعني واسمعي ياجارة{[36712]}

***

ثم إذا شهد انطباق القرآن على كلية الأمة{[36713]} فكان بذلك عالماً ينفتح له باب ترق ، فيترقى سمعه إلى أن يجد جميع كلية القرآن المنطبق على كلية الأمة منطبقاً على ذاته في أحوال نفسه{[36714]} وتقلباته{[36715]} وتصرفات أفعاله وازدحام خواطره حتى يسمع القرآن منطبقاً عليه فينتفع بسماع جميعه ويعتبر بأي آية سمعها منه فيطلب{[36716]} موقعها في نفسه فيجدها بوجه ما رغبة كانت أو رهبة تقريباً كانت أو تبعيداً إلى أرفع الغايات أو إلى أنزل الدركات ، فيكون بذلك عارفاً ، هذا مقصود{[36717]} التنبيه في هذا الفصل جملة ، ولنتخذ لذلك مثالاً يرشد{[36718]} لتفهم ذلك الانطباق على كلية الأمة{[36719]} علماً وعلى خصوص ذات القارىء السامع عرفاناً ، فاعلم أن أصول الأديان المزدوجة التي لم تترق إلى ثبات حقائق المؤمنين فمن فوقهم من المحسنين والموقنين التي جملتها تحت حياطة الملك والجزاء والمداينة ، الذين تروعهم رائعة الموت أولاً ثم رائعة القيامة ثانياً إلى ما يشتمل عليه يوم الدين من أهوال المواقف الخمسين التي كل موقف منها ألف من السنين في يوم كان مقداره خمسين{[36720]} ألف سنة ، فعدد هذه الأديان سبعة ، ما من دين منها إلا ويوجد{[36721]} في صنف من أصناف هذه الأمة ، وتجده المعتبر في نفسه في وقت ما بقلة أو كثرة بدوام أو خطرة بضعف أو شدة على إثر دين غالب أو عن لمح عين زائل ، وهذه الأديان السبعة هي دين { الذين آمنوا } من هذه الأمة ولم يتحققوا{[36722]} لحقيقة الإيمان فيكونوا{[36723]} من المؤمنين الذين صار الإيمان وصفاً ثابتاً في قلوبهم ، الموحدين المتبرئين من الحول والقوة ، المتحققين لمعناه ، إقداراً لله عليهم بما شاء لا بما يشاؤون { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون - أولئك هم المؤمنون حقاً }{[36724]}[ الأنفال : 4 ] ، وأما الذين آمنوا فهم الذين لا يثبتون على حال إيمانهم ولكن تارة وتارة ، ولذلك هم المنادون والمنهيون والمأمورون في جميع القرآن الذين يتكرر عليهم النداء في السورة الواحدة مرات{[36725]} عديدة من نحو ما بين قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين }{[36726]}[ التوبة : 119 ] {[36727]}إلى قوله تعالى{[36728]}{ يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه }{[36729]}[ المائدة : 54 ] إلى ما بين ذلك من نحو قوله تعالى{ إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا }{[36730]}[ النساء : 137 ] فهؤلاء هم أهل دين ثابت ينتظمون به مع من ليس له ثبات من ماضي الأديان المنتظمين مع من له أصل في الصحة من الأديان الثلاثة{[36731]} في نحو قوله تعالى{ إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر }{[36732]}[ البقرة : 62 ] المنتظمين أيضاً مع المغيرين لأديانهم والمفترين لدين لم ينزل الله به من سلطان في نحو قوله تعالى :{ إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا }{[36733]}[ الحج : 17 ] فهذا هو الدين الأول ؛ وأما الدين الثاني فهو دين الذين هادوا و{[36734]} الذين منهم الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها والذين ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون : سيغفر لنا ، وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه والذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون : هذا من عند الله ، والذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ، والذين يأكلون الربا وقد نهوا عنه ، والذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله{[36735]} والمسيح ابن مريم ، وأما الدين الثالث فدين الذين قالوا : إنا نصارى ، الذين منهم الذين ضلوا عن سواء السبيل الذين غلوا في دينهم وقالوا على الله غير الحق واتخذوا رهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم ، وأما الدين الرابع فدين الصابئة الذين منهم متألهو النجوم عباد الشمس والقمر والكواكب ومغيروهم ، هم بالترتيب أول من عبد محسوساً {[36736]}سماوياً ؛ وأما الدين الخامس فدين المجوس الثنوية الذين جعلوا إلهين اثنين : نوراً وظلمة ، وعبدوا محسوساً آفاقياً ، وأما الدين السادس فدين الذين أشركوا وهم الذين عبدوا محسوساً{[36737]} أرضياً غير مصور ، وهم الوثنية أو مصوراً وهم الصنمية - فهذه الأديان الستة الموفية{[36738]} لعد الست لما جاء فيه ؛ وأما الدين السابع فاعلم أن الله سبحانه جعل السابع أبداً جامعاً لستة خيراً كانت أو شراً ، فالدين السابع هو دين المنافقين الذين ظاهرهم مع الذين آمنوا وباطنهم مع أحد سائر الأديان الخمسة المذكورة إلى أدنى دين مشركها{[36739]} الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا : آمنا واذا خلوا إلى شياطينهم قالوا : إنا معكم - فهذه الأديان السبعة متكررة بكليتها في هذه الأمة بنحو مما{[36740]} وقع قبل في الأمم الماضية ، وهو مضمون الحديث الجامع لذكر ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم " لتأخذنَّ كما أخذت الأمم من قبلكم ذراعاً بذراع وشبراً بشبر وباعاً بباع حتى لو أن أحداً من أولئك دخل في جحر ضب{[36741]} لدخلتموه ، قالوا : يارسول الله ! كما صنعت فارس والروم ؟ قال : فهل الناس إلا هم " وما بينه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث هو من مضمون قوله تعالى { كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالاً وأولاداً فاستمتعوا بخلاقهم فاستمعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا } ، وأهل هذه الأديان السبعة - أو منهم - عمرة دركات جهنم السبع على ترتيبهم ، والناجون بالكلية الفائزون هم المؤمنون فمن فوقهم من المحسنين والموقنين ، ومزيد تفضيل في ذلك وتثنية قول بما ينبه{[36742]} عليه بحول الله تعالى من جهات تتبع{[36743]} طوائف من هذه الأمة {[36744]}سنن من تقدمهم في ذلك ، أما وجه تكرار دين الذين أشركوا في هذه الأمة{[36745]} فباتخاذهم أصناماً وآلهة يعبدونها من دون الله محسوسة جمادية كما اتخذ المشركون الأصنام والأوثان من الحجارة والخشب واتخذت هذه الأمة بوجه ألطف{[36746]} وأخفى أصناماً وأوثاناً فإنها اتخذت{[36747]} الدينار والدرهم أصناماً والسبائك والنقر أوثاناً من حيث إن الصنم هو ما له صورة والوثن ما ليس له صورة ، قال صلى الله عليه وسلم : " صنم أمتي الدينار والدرهم " وقال صلى الله عليه وسلم : " لكل أمة عجل وعجل أمتي الدينار والدرهم " فلا فرق بين ظن المشرك أن الصنم الذي صنعه بيده ينفعه وظن المفتونين من هذه الأمة أن ما اكتسبوا من الدينار والدرهم{[36748]} ينفعهم حتى يشير مثلهم : ما ينفعك{[36749]} إلا درهمك { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم }{[36750]}[ التوبة : 74 ] فما من آية نزلت في المشركين في ذكر أحوالهم وتبيين ضلالهم وتفاصيل سرهم{[36751]} وإعلانهم إلا وهي منطبقة على كل مفتون بديناره ودرهمه ، فموقع قول المشركين في أصنامهم{ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى }{[36752]}[ الزمر : 3 ] مثله موقع نظيره من قول المفتون : ما أحب المال إلا لأعمل الخير وأستعين به على وجوه البر ، ولو أراد البر لكان ترك التكسب والتمول له{[36753]} أبر : قال صلى الله عليه وسلم " إنما أهلك من كان قبلكم الدينار والدرهم وهما مهلكاكم " فكل من أحبهما وأعجب بجمعهما فهو مشرك هذه الأمة وهما لاته وعزاه اللتان تبطلان عليه قول لا إله إلا الله لأنه تأله ماله{[36754]} ؛ قال صلى الله عليه وسلم " لا إله إلا الله نجاة لعباد الله من عذاب الله ما لم يؤثروا صفقة دنياهم{[36755]} على دينهم " فمن وجد من هذا مسة{[36756]} فليسمع جميع ما أنزل في المشركين من القرآن منطبقاً عليه{[36757]} ومنزلاً إليه وحافاً به حتى يخلصه{[36758]} الله من شركه كما خلص من أخرجه من الظلمات إلى النور من الأولين ، فتخلص{[36759]} هذا المشرك بما له من ظلمته التي غشيت ضعيف إيمانه إلى صفاء نور الإيمان في مضمون قوله تعالى{ ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور }{[36760]}[ الطلاق : 11 ] فهذا وجه تفصيل يبين{[36761]} نحواً من تكرر دين الشرك في هذه الأمة ، وأما وجه وقوع المجوسية ، ونظيرها في هذه الأمة{[36762]} فإطباق الناس على رؤية الأفعال من أنفسهم خيرها وشرها وإسنادهم أفعال الله إلى خلقه حيث استحكمت عقائدهم على أن فلاناً فاعل خير وفلاناً فاعل شر وفلاناً يعطي وفلاناً يمنع وفلاناً خير مني وفلاناً أعطاني ، حتى ملؤوا الدواوين من الأشعار والخطب والرسائل أمداحاً لخلق الله على ما لم يفعلوا وذماً لهم على ما لم يمنعوا يحمدون الخلق على رزق الله ويذمونهم على ما لم يؤته الله ويلحدون في أسمائه حتى يكتب بعضهم لبعض " سيدي وسندي وأسنى{[36763]} عُددي عبدك ومملوكك " يبطلون بذلك أخوة الإيمان ويكفرون تسوية خلق الرحمن ويدعون لأنفسهم أفعال الله فيقولون : فعلنا وصنعنا وأحسنا وعاقبنا - كلمة نمرودية ، آتاهم ما لم يشعروا باختصاص الله فيه بأمر كالذي حاج إبراهيم في ربه{[36764]} أن آتاه الله الملك حين قال :أنا أحيي وأميت ، وهذه هي المجوسية الصرف والقدرية المحضة التي لا يصح دين الإسلام معها ، لأن المسلم من أسلم الخلق والأمر لربه أسلمت وجهي لله ومن اتبعن }{[36765]}[ آل عمران : 20 ] ، { ألا له الخلق والأمر }{[36766]}[ الأعراف : 54 ] وما سوى ذلك قدرية و{[36767]} هي مجوسية هذه الأمة حيث جعلوا للعبد شركة في فعل الرب وجعلوا له معه تعالى قدرة وقوة ومشيئة واختياراً وتدبيراً ولم يعلموا أن التقدير{[36768]} منع التدبير ، وأنه تعالى هو يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ؛ قال صلى الله عليه وسلم " القدرية مجوس هذه الأمة " فكل{[36769]} ما أنزل الله عز وجل في القرآن الجامع لذكر جميع الملل والأديان مما عزاه لمن وزع الأفعال بين الحق والخلق من كلام ذي فرعنة أو نمرودية أو ذي سلطان فللمعتقد المدح والذم حظ منه على حسب توغلهم واستغراقهم في الذين زعموا أنهم فيهم شركاء فخافوهم ورجوهم ، فكل خائف من الخلق أو راج منهم{[36770]} من عداد الذين آمنوا والذين أسلموا في هذه الأمة فهم من مجوس هذه الأمة ، فليسمع السامع ما يقرؤه من ذلك حجة عليه ليسأل{[36771]} الله تعالى التخلص منها وليعلم أن ذلك لم يزل حجة عليه وإن كان لم يشعر به قبل . فهذا وجه من وقوع المجوسية في هذه الأمة ، وأما وجه وقوع الصابئة ونظيرها في هذه الأمة -{[36772]} فما غلب على أكثرهم وخصوصاً ملوكها وسلاطينها وذوو الرئاسة{[36773]} منها من النظر في النجوم والعمل بحسب{[36774]} ما تظهره هيئتها عندهم من سعد ونحس والاستمطار بالنجوم والاعتماد على الأنواء وإقبال القلب على الآثار الفلكية قضاء بها وحكماً بحسب ما جرى عليه الخليون الذين يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون - من العناية بها ، قال صلى الله عليه وسلم : " أربعة من أمتي هن بهم كفر وليسوا بتاركيهن " - فذكر منها الاستمطار بالنجوم فالمتعلق خوفهم ورجاؤهم بالآثار الفلكية هم صابئة هذه الأمة{[36775]} كما أن المتعلق خوفهم ورجاؤهم {[36776]}بأنفسهم وغيرهم من الخلق هم مجوس هذه الأمة ، وكما أن المتعلق تشوفهم ورجاؤهم{[36777]} بدرهمهم ودينارهم هم مشركو هذه الأمة وما انطوى عليه{[36778]} سر كل طائفة منهم مما تعلق به خوفهم ورجاؤهم فهو ربهم ومعبودهم الذي إليه تصرف جميع أعمالهم ، واسم كل امرىء مكتوب على وجه ما اطمأن به قلبه فكل ما أنزل في القرآن من تزييف أراء الصابئة فهو حجة عليه حيث يقرأه أو يسمعه من حيث لا يشعر حتى يقرأ قوم القرآن وهو نذير لهم بين يدي عذاب شديد وهم لا يشعرون ويحسبون أنهم يرحمون{[36779]} به وهم الأخسرون ولا يزيد الظالمين إلا خساراً }{[36780]}[ الإسراء : 82 ] فمما يختص بهذه الطائفة المتصبئة ما هو نحو قوله تعالى{ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين }{[36781]}[ الأنعام : 75 ] - الآيات في ذكر الكوكب والقمر والشمس إلى آيات ذكر التسخير لهن نحو قوله تعالى{ وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر } { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } { وسخر لكم الشمس والقمر دائبين }{[36782]}[ إبراهيم : 33 ] { هو الذي جعل الشمس ضياء{[36783]} والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا{[36784]} عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق }[ يونس : 5 ] { وإنه هو رب الشعرى }{[36785]}[ النجم : 49 ] كل ذلك ليصرف تعالى خوف الخلق ورجاءهم عن الأفلاك والنجوم المسخرة إلى المسخر القاهر فوق عبادة الذي استوى على جميعها ، فهذا وجه من وقوع الصائبة في الذين آمنوا والذين أسلموا في هذه الأمة ، وأما وجه وقوع ما غلب على هذه الأمة وكثر فيها وفشا في أعمالها وأحوالها من تمادي طوائف منهم على نظير ما كان عليه اليهود والنصارى في اختلافهم وغلبة أحوالهم - ملوكهم وسلاطينهم - على أحوال أنبيائهم وعلمائهم وأوليائهم فهو الذي حذرته هذه الأمة وأشعر أولو الفهم بوقوعه فيهم بنحو ما في مضمون قوله تعالى :{ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات }{[36786]}[ آل عمران : 105 ] وما أنبأ به صلى الله عليه وسلم " لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم " وفي بعض طرقه " حتى لو كان فيهم من أتى أمه جهاراً لكان فيكم ذلك ، قلنا : يارسول الله ! اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟ " وإنما قوي وكثر في هذه الأمة حال هاتين الملتين لما آتاهما الله من الكتاب والعلم والحكمة فاختلفوا فيها بالأغراض والأهواء وإيثار عرض الدنيا ، وسامحوا الملوك والولاة وحللوا لهم ما حرم الله وحرموا{[36787]} لهم ما حلل الله ، وتوصلوا بهم إلى أغراضهم في الاعتداء على من حسدوه من أهل الصدق والتقوم وكثر البغي بينهم فاستقر حالهم على مثل حالهم ، وسلطت عليهم عقوبات مثل عقوباتهم ، وتمادى ذلك فيهم منذ تبدلت الخلافة ملكاً إلى أن تضع الحرب أوزارها وتصير الملل كلها ملة واحدة ويرجع الافتراق إلى ألفة التوحيد ، فكل من اقتطع واقتصر من هذه الشريعة المحمدية الجامعة للظاهر والباطن حظاً مختصاً من ظاهر أو باطن ولم يجمع بينهما في علمه وحاله وعرفانه فهو بما لزم الظاهر الشرعي دون حقيقة باطنه من يهود هذه الأمة كالمقيمين لظواهر الأحوال الظاهرة التي بها تستمر الدنيا على حسب ما يرضى ملوك الوقت وسلاطينهم ، المضيعين لأعمال السرائر{[36788]} ، المنكرين لأحوال أهل الحقائق الشاهد عليهم تعلق خوفهم ورجائهم بأهل الدنيا ، المؤثرين لعرض هذا الأدنى ، فبهذا ظهرت أحوال اليهود في هذه الأمة ، مر الأعراب مع النبي صلى الله عليه وسلم بسدرة خضراء{[36789]} نضرة ، وكان لأهل الجاهلية سدرة يعظمونها ويجتمعون عندها وينيطون بها{[36790]} أسلحتهم ويسمونها ذات أنواط فقالوا{[36791]} : يا رسول الله ! اجعل لنا هذه السدرة ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ! فقال صلى الله عليه وسلم : " قلتموها ورب الكعبة كما قالت بنو إسرائيل : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ! إنها السنن{[36792]} " فحيث ظهرت أحداث اليهود من البغي والحسد وتعظيم ما ظهر تعظيمه من حيث الدنيا واستحقار ضعفاء المؤمنين فهنالك أعلام اليهودية ظاهرة ، وكذلك{[36793]} أيضاً من اقتصر من هذه الشريعة الجامعة المحمدية على باطن من إصلاح حال أو قلب مع{[36794]} تضييع ظاهر الأمر ومجامع الخير وتعاضد الإسلام واكتفى بما استبطن وتهاون بما استظهر فهو من نصارى هذه الأمة ، ليس بصاحب فرقان فكيف أن يكون صاحب قرآن ، وذلك أن هذا الدين الجامع إنما يقوم بمعالم إسلام {[36795]}ظاهرة وشعار{[36796]} إيمان في القلوب وأحوال نفس باطنة وحقائق إحسان شهودية ، لا يشهد المحسن مع الله سواه ولا يؤمن المؤمن مع الله بغيره ، ولا يخضع المسلم إلى شيء من دونه ، فبذلك يتم ، وقد التزم بمعالم الإسلام طوائف يسمون المتفقهة ، والتزم بشعائر الإيمان طوائف يسمون الأصوليين والمتكلمين ، وترامى إلى الإحسان طوائف يسمون المتصوفه ، فمتى كان المتفقهة{[36797]} منكراً لصدق أحوال الصوفية لما لعله يراه من خلل في أحوال المتصوفة فقد تسنن{[36798]} بسنن اليهودية ، ومتى كان المتصوف غير مجل للفقهاء لما لعله يراه من خلل في أحوال المتفقهة فقد تسنن بسنن النصارى ، وكذلك{[36799]} حال المتكلم بين الفرقتين لأيهما{[36800]} مال ، وإنما أئمة الدين الذين{[36801]} جمع الله لهم إقامة معالم الإسلام وإيمان أهل الإيمان وشهود أهل الإحسان{[36802]} ، تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله فتأتم بهم الصوفية ، وتظهر أنوار قلوبهم على ظلم المتشابهات فيأتم بهم أهل الإيمان ، وتبدو في أعمالهم معالم الإسلام تامة فيأتم بهم أهل الإسلام{[36803]}{ عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً }{[36804]}[ الفرقان : 63 ] " أفضل الناس مؤمن في خلق حسن وشر الناس كافر في خلق سيىء " فأولو الفرقان جامعون ومستبصرون فمن اقتصر على ظاهر وأنكر باطناً لزمته مذام اليهود فيما أنزل من القرآن فيهم بحسب توغله واقتصاره ، ومن اقتصر على باطن دون ظاهر لزمته مذام النصارى فيما أنزل من القرآن فيهم ؛ يذكر أن رجلاً من صلحاء المسلمين دخل كنيسة فقال لراهب فيها : دلني على موضع طاهر أصلي فيه ، فقال الراهب : طهر قلبك{[36805]} مما سواه وقم حيث شئت ، قال ذلك الصالح المسلم : فخجلت منه ، فاعلم أن كل واحد من هذين الحالين ليس حال صاحب فرقان ولا حال صاحب قرآن {[36806]}لأن صاحب القرآن{[36807]} لا يخجل لهذا القول لأنه حاله ، وقلبه مطهر مما سوى الله ، ومع ذلك لابد أن ينظف ظاهره ، لأن الله سبحانه كما أنه الباطن فيحب صفاء البواطن فإنه الظاهر يحب صلاح الظواهر ، فصاحب القرآن إذا دعي إلى صفاء باطن أجاب ولم يتلعثم{[36808]} وإذا دعي إلى صلاح ظاهر أجاب ولم يتلكأ{[36809]} لقيامه بالفرقان وحق القرآن ، يذكر أن ملكاً رحمه الله دخل المسجد بعد العصر وهو ممن لا يرى الركوع بعد العصر فجلس ولم يركع فقال له صبي : يا شيخ ! قم فاركع ، فقام وركع ولم يحاجه بما يراه مذهباً ، فقيل له في ذلك فقال : خشيت أن أكون من الذين إذا قيل لهم اركعوا لايركعون }{[36810]} [ المرسلات : 48 ] ووقف النبي صلى الله عليه وسلم على سقاية زمزم وقد صنع العباس رضي الله عنه أحواضاً من شراب فضيخ التمر والمسلمون يردون{[36811]} عليه وقد خاضوا فيه بأيديهم ، فأهوى النبي صلى الله عليه وسلم يشرب من شرابهم ، فقال له العباس رضي الله عنه : يا رسول الله ! ألا نسقيك من شراب لنا في أسقية ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : " أشرب من هذه ألتمس بركة أيدي المسلمين " ، فشرب منه صلى الله عليه وسلم . فصاحب القرآن{[36812]} يعبد الله تبارك وتعالى بقلبه وجسمه لا يقتصر على ظاهر دون باطن ، ولا على باطن دون ظاهر ، ولا على أول دون آخر ولا على آخر دون أول ؛ قال صلى الله عليه وسلم " أمتي كالمطر لا يدري أوله خير أم آخره " فمن حق القارىء أن يعتبر القرآن نفسه ويلحظ{[36813]} مواضع مذامه{[36814]} للفرق ويزن به أحوال نفسه من هذه الأديان الستة في هذه الأمة ، وأما وجه وقوع النفاق وأحوال المنافقين فهي داهية القراء وآفة الخليفة ؛ قال صلى الله عليه وسلم " أكثر منافقي أمتى قراؤها " وقال بعض كبار التابعين : أدركت سبعين ممن رأى النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه . وأصل مداخله على الخلق من إيثار حرمة الخلق على حرمة الحق جهلاً بالله عز وجل واغتراراً بالناس ، فيلزم{[36815]} لذلك محاسنة{[36816]} أولى البر والصدق ظاهراً وتكرههم بقلبه باطناً ، ويتبع{[36817]} ذلك من الذبذبة بين الحالين ما وصف الله تعالى من أحوالهم وما بينه{[36818]} النبي صلى الله عليه وسلم من علاماتهم حتى قال صلى الله عليه وسلم : " بيننا وبين المنافقين شهود العتمة والصبح لا يستطيعونهما " وكما قال تبارك وتعالى { ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون }{[36819]} ينظر المنافق إلى ما يستسقط به فضائل أهل الفضل ويتعامى عن محاسنهم ، كما روي أن الله يبغض التارك لحسنة المؤمن الآخذ لسيئته ، والمؤمن الصادق يتغافل عن مساوىء أهل المساوىء فكيف بمعايب أهل المحاسن ! ومن أظهر علامات المنافق تبرمه بأعمال الصادق كما ذكر ، ما كان مؤمن فيما مضى ولا مؤمن فيما بقي إلا وإلى جنبه منافق يكره عمله ، وعن ذلك المنافق غماز لماز بخيل جبان مرتاع ، مستثقل في مجامع الخير أجنبي منها ، مستخف في مواطن الشر متقدم فيها{[36820]} ، طلق اللسان بالغيبة والبهتان ، ثقيل اللسان عن مداومة ذكر الله تبارك وتعالى ، عم عن ذكر{[36821]} الله عز وجل في كل حال ، ناظر إلى الناس بكل وجه ، وهو مع ذلك يصانعهم ولا يصادقهم ، يأخذ من الدين ما ينفع في الدنيا ولا يأخذ ما ينفع في العقبى ، ويجتنب في الدين ما يضر في الدنيا{[36822]} ولا يجتنب{[36823]} ما يضر في العقبى مما لا يضر في الدنيا ، فهذا وجه من وقوع شياع النفاق في هذه الأمة ، فلذلك من حق القارىء أن يستشعر مواقع آي القرآن من نفسه في ذات قلبه وفي أحوال نفسه وأعمال بدنه وفي سره مع ربه وفي علانيته مع خلقه ، فإنه بذلك يجد القرآن كله منطبقاً عليه خاصاً به حتى كأن جميعه لم ينزل إلا إليه حتى إذا رغب في أمر رغب هو فيه من وجه ولا يقول : هذا إنما أنزل في كذا ، وإذا رهب القرآن من أمر رهبه من وجه ما ، وإذا أعلى فكذلك وإذا أسفل فكذلك ، ولا يقول : هذا إنما أنزل {[36824]}في كذا{[36825]} حتى يجد لكل القرآن موقعاً في عمله أيّ عمل كان ومحلاً في نفسه أيّ حال كان ومشعراً لقلبه أيّ ملحظ كان ، فيستمع{[36826]} القرآن بلاغاً من الله سبحانه وتعالى إليه بلا واسطة بينه وبينه ، فعند ذلك يوشك أن يكون ممن يقشعر له جلده ابتداء ثم تلين له جلده {[36827]}وقلبه{[36828]} انتهاء ، وربما يجد من الله سبحانه وتعالى نفح رحمة يفتح له باباً إلى التخلق بالقرآن أسوة بالنبي صلى الله عليه وسلم ، سئلت عائشة رضي الله عنها عن خُلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ، كان خُلقه القرآن وبذلك هو ذو الخلق العظيم - والله واسع عليم-انتهى .


[36689]:في ظ: من.
[36690]:في ظ: هو.
[36691]:سقط من ظ.
[36692]:من ظ، وفي الأصل: بسبب.
[36693]:في ظ: خطبا.
[36694]:في ظ: قوله.
[36695]:في ظ: ربما ـ كذا، وراجع البحر المحيط 5/69.
[36696]:في ظ: لمال.
[36697]:في ظ: الكسارة.
[36698]:زيد من ظ.
[36699]:من ظ، وفي الأصل: التفات.
[36700]:في ظ: في.
[36701]:في ظ: الحالة.
[36702]:في ظ: إيصافه.
[36703]:في ظ: على.
[36704]:في ظ: متكرر.
[36705]:في ظ: متكرر.
[36706]:زيد من ظ.
[36707]:من ظ، وفي الأصل: فما.
[36708]:زيد من ظ.
[36709]:من ظ، وفي الأصل: الآية ـ كذا.
[36710]:في ظ: نظير.
[36711]:من ظ، وفي الأصل: الآية ـ كذا.
[36712]:وهذا المثل يضرب لمن يتكلم بكلام ويريد به شيئا غيره ـ راجع مجمع الأمثال للميداني.
[36713]:من ظ، وفي الأصل: الآية ـ كذا.
[36714]:من ظ، وموضعه في الأصل بياض.
[36715]:في ظ: تطبقاته.
[36716]:في ظ: فيتطلب.
[36717]:من ظ، وفي الأصل: مقصوده.
[36718]:في ظ: لا ترشد.
[36719]:من ظ، وفي الأصل: الآية ـ كذا.
[36720]:من ظ، وفي الأصل: خمس.
[36721]:في ظ: يؤخذ.
[36722]:في ظ: لم تتحققوا.
[36723]:في ظ: تكونون.
[36724]:سورة 8 آية 2 و4.
[36725]:من ظ، وفي الأصل: مرار.
[36726]:سورة 9 آية 119.
[36727]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36728]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36729]:سورة 5 آية 54.
[36730]:سورة 4 آية 137.
[36731]:سقط من ظ.
[36732]:سورة 2 آية 62.
[36733]:سورة 22 آية 17.
[36734]:سقط من ظ.
[36735]:سقط من ظ.
[36736]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36737]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36738]:في ظ: المتوفية.
[36739]:في ظ: شركها.
[36740]:في ظ: ما.
[36741]:من ظ ومسند الإمام أحمد 2/327، وفي الأصل: الضب.
[36742]:في ظ: بينه.
[36743]:من ظ، وفي الأصل: يتبع.
[36744]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36745]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36746]:في ظ: اللطف.
[36747]:في ظ: اتخذ.
[36748]:في ظ: الدراهم.
[36749]:في ظ: ما ينفك.
[36750]:سورة 9 آية 74.
[36751]:سقط من ظ.
[36752]:سورة 39 آية 3.
[36753]:سقط من ظ.
[36754]:من ظ، وفي الأصل: باله.
[36755]:في ظ: دينارهم.
[36756]:من ظ، وفي الأصل: شبهة.
[36757]:من ظ، وفي الأصل: عليهم.
[36758]:في ظ: يخصه.
[36759]:في ظ: فيخلص.
[36760]:سورة 65 آية 11.
[36761]:من ظ، وفي الأصل: بياض.
[36762]:من ظ، وفي الأصل: الآية.
[36763]:في ظ: أسندي.
[36764]:زيد من ظ.
[36765]:سورة 3 آية 20.
[36766]:سورة 7 آية 54.
[36767]:زيد من ظ.
[36768]:من ظ، وفي الأصل: المقدور.
[36769]:في ظ: ذلك.
[36770]:في ظ: فهم.
[36771]:من ظ، وفي الأصل: مثل.
[36772]:زيد من ظ.
[36773]:من ظ، وفي الأصل: الرأي.
[36774]:زيد من ظ.
[36775]:زيدت الواو بعده في ظ.
[36776]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36777]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36778]:زيد من ظ.
[36779]:من ظ، وفي الأصل: ترحمون.
[36780]:سورة 17 آية 82.
[36781]:سورة 6 آية 75.
[36782]:سورة 14 آية 33.
[36783]:سقط من ظ.
[36784]:في ظ: ليعلموا، وراجع سورة 10 آية 5.
[36785]:سورة 53 آية 49.
[36786]:سورة 3 آية 105.
[36787]:في ظ: حللوا.
[36788]:من ظ، وفي الأصل: البرابر.
[36789]:في ظ: خضرة.
[36790]:سقط من ظ.
[36791]:في ظ: قالوا.
[36792]:وراجع أيضا مسند الإمام أحمد 5/218 حيث سيقت هذه الرواية عن أبي واقد الليثي.
[36793]:في ظ: لذلك.
[36794]:في ظ: من.
[36795]:في ظ: ظاهر وساير.
[36796]:في ظ: ظاهر وساير.
[36797]:في الأصل: المنفعة، وفي ظ: المنفقة ـ كذا.
[36798]:سقط من ظ.
[36799]:في ظ: لذلك.
[36800]:من ظ، وفي الأصل: لأنهما.
[36801]:سقط من ظ.
[36802]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36803]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36804]:سورة 25 آية 63.
[36805]:في ظ: قلب.
[36806]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36807]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36808]:في ظ: لم يتعلثم.
[36809]:في ظ: لم يتكلأ.
[36810]:سورة 77 آية 48.
[36811]:من ظ، وفي الأصل: يرون.
[36812]:سقط من ظ.
[36813]:في ظ: يلحق.
[36814]:من ظ، وفي الأصل: مدامة.
[36815]:في ظ: يلتزم.
[36816]:في ظ: محاسنه.
[36817]:في ظ: نتبع.
[36818]:من ظ، وفي الأصل: نبه.
[36819]:سورة 9 آية 54.
[36820]:في ظ: فيما.
[36821]:زيد من ظ.
[36822]:زيد من ظ.
[36823]:في ظ: يجتنب.
[36824]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36825]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36826]:في ظ: فيسمع.
[36827]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36828]:سقط ما بين الرقمين من ظ.