الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قُل لَّا يَعۡلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلۡغَيۡبَ إِلَّا ٱللَّهُۚ وَمَا يَشۡعُرُونَ أَيَّانَ يُبۡعَثُونَ} (65)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:"قُلْ" يا محمد لسائليك من المشركين عن الساعة متى هي قائمة: "لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السّمَوَاتِ وَالأرْضِ الْغَيْبَ "الذي قد استأثر الله بعلمه، وحجب عنه خلقه غيره والساعة من ذلك، "وَما يَشْعَرُونَ" يقول: وما يدري من في السموات والأرض من خلقه متى هم مبعوثون من قبورهم لقيام الساعة.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

{الْغَيْبَ}: ما لا يطلع عليه أحد، وليس عليه للخلْق دليل، وهو الذي يستأثر بعلمه الحقُّ، وعلومُ الخَلْق عنه متقاصرة.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أنه تعالى لما بين أنه المختص بالقدرة فكذلك بين أنه هو المختص بعلم الغيب، وإذا ثبت ذلك ثبت أنه هو الإله المعبود، لأن الإله هو الذي يصح منه مجازاة من يستحق الثواب على وجه لا يلتبس بأهل العقاب.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{قل} أي لهم أو لكل من يدعي دعواهم: {لا يعلم} أحد، ولكنه عبر بأداة العقلاء فقال: {من} لئلا يخصها متعنت بما لا يعقل، عبر بالظرف تنبيهاً على أن المظروف محجوب، وكل ظرف حاجب لمظروفه عن علم ما وراءه، فقال: {في السماوات والأرض الغيب} أي الكامل في الغيبة، وهو الذي لم يخرج إلى عالم الشهادة أصلاً، ولا دلت عليه أمارة، ليقدر على شيء مما تقدم في هذه الآيات من الأمور فيعلمه...

ولما كان الخبر -الذي لم يطلع عليه أحد من الناس- قد يخبر به الكهان، أو أحد من الجان، من أجواف الأوثان، وكانوا يسمون هذا غيباً وإن كان في الحقيقة ليس به لسماعهم له من السماء بعد ما أبرزه الله إلى عالم الشهادة للملائكة ومن يريد من عباده،... وكانت الساعة قد ثبت أمرها، وشاع في القرآن وعلى لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأصحابهم رضي الله تعالى عنهم ذكرها، بحيث صارت بمنزلة ما لا نزاع فيه، وكان علم وقتها من الغيب المحض، قال: {وما يشعرون} أي أحد ممن في السماوات والأرض وإن اجتمعوا وتعاونوا {أيان} أي أيّ وقت {يبعثون} فمن أعلم بشيء من ذلك على الحقيقة بانَ صدقه، ومن تخرص ظهر كذبه.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

والإيمان بالبعث والحشر، وبالحساب والجزاء، عنصر أصيل في العقيدة، لا يستقيم منهجها في الحياة إلا به. فلا بد من عالم مرتقب، يكمل فيه الجزاء، ويتناسق فيه العمل والأجر، ويتعلق به القلب، وتحسب حسابه النفس، ويقيم الإنسان نشاطه في هذه الأرض على أساس ما ينتظره هناك. ولقد وقفت البشرية في أجيالها المختلفة ورسالاتها المتوالية موقفا عجيبا من قضية البعث والدار الآخرة، وعلى بساطتها وضرورتها. فكان أعجب ما تدهش له أن ينبئها رسول أن هناك بعثا بعد الموت وحياة بعد الدثور. ولم تكن معجزة بدء الحياة الواقعة التي لا تنكر تلهم البشرية أن الحياة الأخرى أهون وأيسر. ومن ثم كانت تعرض عن نذير الآخرة، وتستمرى ء الجحود والمعصية، وتستطرد في الكفر والتكذيب. والآخرة غيب. ولا يعلم الغيب إلا الله. وهم كانوا يطلبون تحديد موعدها أو يكذبوا بالنذر، ويحسبوها أساطير، سبق تكرارها ولم تحقق أبدا! فهنا يقرر أن الغيب من أمر الله، وأن علمهم عن الآخرة منته محدود: (قل: لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله، وما يشعرون أيان يبعثون. بل ادارك علمهم في الآخرة، بل هم في شك منها، بل هم منها عمون).. ولقد وقف الإنسان منذ بدء الخليقة أمام ستر الغيب المحجوب، لا ينفذ إليه علمه، ولا يعرف مما وراء الستر المسدل، إلا بقدر ما يكشف له منه علام الغيوب. وكان الخير في هذا الذي أراده الله، فلو علم الله أن في كشف هذا الستر المسبل خيرا لكشفه للإنسان المتطلع الشديد التطلع إلى ما وراءه! لقد منح الله هذا الإنسان من المواهب والاستعدادات والقوى والطاقات ما يحقق به الخلافة في الأرض، وما ينهض به بهذا التكليف الضخم.. ولا زيادة.. وانكشاف ستر الغيب له ليس مما يعينه في هذه المهمة. بل إن انطباق أهدابه دونه لمما يثير تطلعه إلى المعرفة، فينقب ويبحث. وفي الطريق يخرج المخبوء في باطن الأرض، وجوف البحر، وأقطار الفضاء؛ ويهتدي إلى نواميس الكون والقوى الكامنة فيه، والأسرار المودعة في كيانه لخير البشر، ويحلل في مادة الأرض ويركب، ويعدل في تكوينها وأشكالها، ويبتدع في أنماط الحياة ونماذجها.. حتى يؤدي دوره كاملا في عمارة هذه الأرض، ويحقق وعد الله بخلافة هذا المخلوق الإنساني فيها. وليس الإنسان وحده هو المحجوب عن غيب الله، ولكن كل من في السماوات والأرض من خلق الله. من ملائكة وجن وغيرهم ممن علمهم عند الله. فكلهم موكلون بأمور لا تستدعي انكشاف ستر الغيب لهم، فيبقي سره عند الله دون سواه. (قل: لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله).. وهو نص قاطع لا تبقى بعده دعوى لمدع، ولا يبقى معه مجال للوهم والخرافة...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

لما أبطلت الآيات السابقة إلهية أصنام المشركين بالأدلة المتظاهرة فانقطع دابر عقيدة الإشراك ثني عنان الإبطال إلى أثر من آثار الشرك وهو ادعاء علم الغيب بالكهانة وإخبار الجن، كما كان يزعمه الكهان والعرافون وسدنة الأصنام. ويؤمن بذلك المشركون. وفي « معالم التنزيل» وغيره نزلت في المشركين حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت قيام الساعة فما كان سؤالهم عن ذلك إلا لظنهم أن ادعاء العلم بوقتها من شأن النبوءة توصلاً لجحد النبوءة إن لم يعين لهم وقت الساعة فأبطلت الآية هذه المزاعم إبطالاً عاماً معياره الاستثناء بقوله {إلا الله} وهو عام مراد به الخصوص أعني خصوص الكهان وسدنة بيوت الأصنام. وإنما سلك مسلك العموم لإبطال ما عسى أن يزعم من ذلك، ولأن العموم أكثر فائدة وأوجز، فإن ذلك حال أهل الشرك من بين من في السماوات والأرض. فالقصد هنا تزييف آثار الشرك وهو الكهانة ونحوها. وإذ قد كانت المخلوقات لا يعدون أن يكونوا من أهل السموات أو من أهل الأرض لانحصار عوالم الموجودات في ذلك كان قوله {لا يعلم من في السموات والأرض الغيب} في قوة لا يعلم أحد الغيب، ولكن أطنب الكلام لقصد التنصيص على تعميم المخلوقات كلها فإن مقام علم العقيدة مقام بيان يناسبه الإطناب.

واستثناء {إلا الله} منه لتأويل {من في السماوات والأرض} بمعنى: أحد، فهو استثناء متصل على رأي المحققين وهو واقع من كلام منفي. فحق المستثنى أن يكون بدلاً من المستثنى منه في اللغة الفصحى فلذلك جاء اسم الجلالة مرفوعاً ولو كان الاستثناء منقطعاً لكانت اللغة الفصحى تنصب المستثنى.

وبعد فإن دلائل تنزيه الله عن الحلول في المكان وعن مماثلة المخلوقات متوافرة فلذلك يجري استعمال القرآن والسنة على سنن الاستعمال الفصيح للعلم بأن المؤمن لا يتوهم ما لا يليق بجلال الله تعالى. ومن المفسرين من جعل الاستثناء منقطعاً وقوفاً عند ظاهر صلة {من في السماوات والأرض} لأن الله ينزّه عن الحلول في السماء والأرض.

وأما من يتفضل الله عليه بأن يظهره على الغيب فذلك داخل في علم الله قال تعالى {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول} [الجن: 26، 27]. فأضاف (غيب) إلى ضمير الجلالة.

وأردف هذا الخبر بإدماج انتفاء علم هؤلاء الزاعمين علم الغيب أنهم لا يشعرون بوقت بعثهم بل جحدوا وقوعه إثارة للتذكير بالبعث لشدة عناية القرآن بإثباته وتسفيه الذين أنكروه. فذلك موقع قوله {وما يشعرون أيان يبعثون}، أي أن الذين يزعمون علم الغيب ما يشعرون بوقت بعثهم.

و {أيان} اسم استفهام عن الزمان وهو معلِّق فعل {يشْعرون} عن العمل في مفعوليه. وهذا تورّكٌ وتعيير للمشركين فإنهم لا يؤمنون بالبعث بَلْةَ شعورهم بوقته.

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{قُل لَّا يَعۡلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلۡغَيۡبَ إِلَّا ٱللَّهُۚ وَمَا يَشۡعُرُونَ أَيَّانَ يُبۡعَثُونَ} (65)

{ قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله } هذه الآية تقتضي انفراد الله تعالى بعلم الغيب ، وأنه لا يعلمه سواه ، ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها من زعم أن محمدا يعلم الغيب فقد أعظم الفرية على الله ، ثم قرأت هذه الآية ، فإن قيل : فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخبر بالغيوب وذلك معدود في معجزاته ، فالجواب : أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( إني لا أعلم الغيب إلا ما علمني الله ) ، فإن قيل : كيف ذلك مع ما ظهر من إخبار الكهان والمنجمين وأشباههم ، بالأمور المغيبة ؟ فالجواب : أن إخبارهم بذلك عن ظن ضعيف أو عن وهم لا عن علم ، وإنما اقتضت الآية نفي العلم ، وقد قيل : إن الغيب في هذه الآية يراد به متى تقوم الساعة ، لأن سبب نزولها أنهم سألوا عن ذلك ، ولذلك قال : { وما يشعرون أيان يبعثون } ، فعلى هذا يندفع السؤال الأول ، والثاني لأنه علم الساعة انفرد به الله تعالى لقوله تعالى : { قل إنما علمها عند الله } [ الأعراف :187 ] ولقوله صلى الله عليه وسلم : " في خمس لا يعلمها إلا الله ، ثم قرأ { إن الله عنده علم الساعة } [ لقمان :34 ] " إلى آخر السورة ، فإن قيل : كيف قال إلا الله بالرفع على البدل والبدل لا يصح إلا إذا كان الاستثناء متصلا ويكون ما بعد إلا من جنس ما قبلها والله تعالى ليس ممن في السموات والأرض باتفاق فإن القائلين بالجهة والمكان يقولون إنه فوق السموات والأرض ، والقائلين بنفي الجهة يقولون إن الله تعالى ليس بهما ولا فوقهما ولا داخلا فيهما ولا خارجا عنهما فهو على هذا استثناء منقطع ، فكان يجب أن يكون منصوبا ؟ فالجواب من أربعة أوجه :

الأول : أن البدل هنا جاء على لغة بني تميم في البدل ، وإن كان منقطعا كقولهم : ما في الدار أحد إلا حمار بالرفع والحمار ليس من الأحدين وهذا ضعيف ، لأن القرآن أنزل بلغة الحجاز لا بلغة بني تميم .

الثاني : أن الله في السموات والأرض بعلمه كما قال : { وهو معكم أين ما كنتم } [ الحديد :4 ] يعني بعلمه ، فجاء البدل على هذا المعنى وهذا ضعيف ، لأن قوله : { في السموات والأرض } وقعت فيه لفظة في الظرفية الحقيقية ، وهي في حق الله على هذا المعنى للظرفية المجازية ولا يجوز استعمال لفظة واحدة في الحقيقة والمجاز في حالة واحدة عند المحققين .

الجواب الثالث : أن قوله : { من في السموات والأرض } يراد به كل موجود فكأنه قال : من في الوجود فيكون الاستثناء على هذا متصلا ، فيصح الرفع على البدل ، وإنما قال : { من في السموات والأرض } جريا على منهاج كلام العرب فهو لفظ خاص يراد به ما هو أعم منه .

الجواب الرابع : أن يكون الاستثناء متصلا على أن يتأول { من في السموات } في حق الله كما يتأول قوله : { أأمنتم من في السماء } [ الملك :16 ] وحديث الجارية وشبه ذلك . { وما يشعرون أيان يبعثون } أي : لا يشعرون من في السموات والأرض متى يبعثون ، لأن علم الساعة مما انفرد به الله ، روي : أن سبب نزول هذه الآية أن قريشا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة .