الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٌ أُوْلَـٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةُ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ} (161)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم ذكر من مات من اليهود على الكفر، فقال: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله و} لعنة {والملائكة و} لعنة {والناس أجمعين} يعني المؤمنين جميعا...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

{إنّ الّذِينَ كَفَرُوا} إن الذين جحدوا نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وكذبوا به من اليهود والنصارى، وسائر أهل الملل والمشركين من عبدة الأوثان، "وَمَاتُوا وَهُمْ كُفّارٌ": وماتوا وهم على جحودهم ذلك وتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم، "أولئك عليهم لعنة الله والملائكة": عليهم لعنة الله يقول: أبعدهم الله وأسحقهم من رحمته، "والمَلاَئِكَة": ولعنهم الملائكة والناس أجمعون. ولعنة الملائكة والناس إياهم قولهم: عليهم لعنة الله.

فإن قال قائل: وكيف تكون على الذي يموت كافرا بمحمد صلى الله عليه وسلم من أصناف الأمم، وأكثرهم ممن لا يؤمن به ويصدقه؟ قيل: إن معنى ذلك على خلاف ما ذهبت إليه. وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: عنى الله بقوله: "وَالنّاسِ أجْمَعِينَ": أهل الإيمان به وبرسوله خاصة دون سائر البشر.

وقال آخرون: بل ذلك يوم القيامة يوقف على رؤوس الأشهاد الكافر فيلعنه الناس كلهم... عن أبي العالية: أن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون.

وقال آخرون: بل ذلك قول القائل كائنا من كان: لعن الله الظالم، فيلحق ذلك كل كافر لأنه من الظلمة.

وأولى هذه الأقوال بالصواب عندنا قول من قال: عنى الله بذلك جميع الناس بمعنى لعنهم إياهم بقولهم: لعن الله الظالم أو الظالمين، فإن كل أحد من بني آدم لا يمنع من قيل ذلك كائنا من كان، ومن أيّ أهل ملة كان، فيدخل بذلك في لعنته كل كافر كائنا من كان. وذلك بمعنى ما قاله أبو العالية، لأن الله تعالى ذكره أخبر عمن شهدهم يوم القيامة أنهم يلعنونهم، فقال: "فَمَنْ أظْلَمُ مِمّنِ افْتَرَىَ عَلَىَ اللّهِ كَذِبا أُولَئِكَ يُعْرضُونَ عَلَىَ رَبّهِمْ وَيَقُولُ الأشْهَادُ هَؤُلاَء الّذِينَ كَذَبُوا عَلَىَ رَبّهِمْ ألاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَىَ الظّالِمِينَ"...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

قيل: (لعنة الله) هو إدخاله إياهم النار وإخلادهم فيها، ولعنة (والملائكة) قوله: (أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات) [غافر: 50] جوابا لما سألوهم من تخفيف العذاب، كقوله: (ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب) [غافر: 49] وكقوله: (ربنا أخرجنا منها فإن عدنا...) الآية [المؤمنون: 107]، فتقول لهم الملائكة:

(اخسؤوا فيها ولا تكلمون) [المؤمنون: 108]، هذا ما قيل من لعنة الملائكة.

وقيل: (والناس أجمعين) أنهم لما طلبوا من أهل الجنة الماء بقولهم: (أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين) [الأعراف: 50]. هذه لعنة الناس، والله أعلم...

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

وإنما شرط الموت على الكفر لأن حُكْمَهُ يستقر بالموت عليه ويرتفع بالتوبة منه...

فإن قيل: فليس يلعنهم جميع الناس لأن قومهم لا يلعنونهم، قيل: عن هذا جوابان:

أحدهما: أن اللعنة من أكثر الناس يطلق عليها لعنة جميع الناس، فغلب حكم الأكثر على الأقل.

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ لِي كَثِيرٌ مِنْ أَشْيَاخِي: إنَّ الْكَافِرَ الْمُعَيَّنَ لَا يَجُوزُ لَعْنُهُ؛ لِأَنَّ حَالَهُ عِنْدَ الْمُوَافَاةِ لَا تُعْلَمُ، وَقَدْ شَرَطَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ فِي إطْلَاقِ اللَّعْنَةِ الْمُوَافَاةَ عَلَى الْكُفْرِ. وَقَدْ رُوِيَ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعْنُ أَقْوَامٍ بِأَعْيَانِهِمْ مِنْ الْكُفَّارِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ فَكَلَّمَاهُ بِشَيْءٍ فَأَغْضَبَاهُ فَلَعَنَهُمَا»؛ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِمَآلِهِمَا. وَالصَّحِيحُ عِنْدِي جَوَازُ لَعْنِهِ لِظَاهِرِ حَالِهِ، كَجَوَازِ قِتَالِهِ وَقَتْلِهِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ هَجَانِي، قَدْ عَلِمَ أَنِّي لَسْت بِشَاعِرٍ فَالْعَنْهُ، اللَّهُمَّ وَاهْجُهُ عَدَدَ مَا هَجَانِي» فَلَعَنَهُ. وَقَدْ كَانَ إلَى الْإِسْلَامِ وَالدِّينِ وَالْإِيمَانِ مَآلُهُ، وَانْتَصَفَ بِقَوْلِهِ: «عَدَدَ مَا هَجَانِي». وَلَمْ يَزِدْ لَيُعَلِّمَ الْعَدْلَ وَالْإِنْصَافَ وَالِانْتِصَافَ، وَأَضَافَ الْهَجْوَ إلَى الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي بَابِ الْجَزَاءِ دُونَ الِابْتِدَاءِ بِالْوَصْفِ لَهُ بِذَلِكَ، كَمَا يُضَافُ إلَيْهِ الِاسْتِهْزَاءُ وَالْمَكْرُ وَالْكَيْدُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: لَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ ذِمِّيًّا يَجُوزُ إصْغَارُهُ فَكَذَلِكَ لَعْنُهُ.

(تَرْكِيبٌ) وَهِيَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ): فَأَمَّا الْعَاصِي الْمُعَيَّنُ، فَلَا يَجُوزُ لَعْنُهُ اتِّفَاقًا، لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِيءَ إلَيْهِ بِشَارِبِ خَمْرٍ مِرَارًا، فَقَالَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَهُ: مَا لَهُ لَعَنَهُ اللَّهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ!فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَكُونُوا أَعْوَانًا لِلشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ»؛ فَجَعَلَ لَهُ حُرْمَةَ الْأُخُوَّةِ، وَهَذَا يُوجِبُ الشَّفَقَةَ، وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَأَمَّا لَعْنُ الْعَاصِي مُطْلَقًا، وَهِيَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) فَيَجُوزُ إجْمَاعًا، لِمَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ». وَقَدْ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ: إنَّ مَعْنَاهُ عَلَيْهِمْ اللَّعْنَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا}.

وَاَلَّذِي عِنْدِي صِحَّةُ لَعْنِهِ فِي الدُّنْيَا لِمَنْ وَافَى كَافِرًا بِظَاهِرِ الْحَالِ، وَمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ الْكَفَرَةِ مِنْ لَعْنَتِهِمْ وَكُفْرِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ حَالَةٌ أُخْرَى، وَبَيَانٌ لِحُكْمٍ آخَرَ وَحَالَة وَاقِعَة تَعْضُدُ جَوَازَ اللَّعْنِ فِي الدُّنْيَا؛ وَتَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ لِجَوَازِ اللَّعْنِ فِي الدُّنْيَا، فَيَكُونُ لِلْآيَتَيْنِ مَعْنَيَانِ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ تَحْكُمُونَ بِجَوَازِ لَعْنَةِ اللَّهِ لِمَنْ كَانَ عَلَى ظَاهِرِ الْكُفْرِ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى مُوَافَاتَهُ مُؤْمِنًا؟ قُلْنَا: كَذَلِكَ نَقُولُ، وَلَكِنّ لَعْنَةَ اللَّهِ لَهُ حُكْمُهُ بِجَوَازِ لَعْنِهِ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَخْذًا بِظَاهِرِ حَالِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَآلِهِ...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

...

.

المسألة الثالثة: إن قيل: كيف يلعنه الناس أجمعون، وأهل دينه لا يلعنونه؟ قلنا الجواب عنه من وجوه...

(ورابعها): أن يحمل وقوع اللعن على استحقاق اللعن، وحينئذ يعم ذلك...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما لعن الكاتمين واستثنى منهم التائبين ذكر المصرّين معبراً عن كتمانهم بالكفر لتعم العبارة كل كفر فقال: {إن الذين كفروا} أي بهذا الكتمان وغيره {وماتوا وهم كفار} قال الحرالي: ففي إشعاره يسر توبة الكافرين وعسر توبة المنافقين من حيث صرح بذكر توبة الكاتم وتجاوز في الذكر توبة الكافر، فكان الذين كفروا يتوبون إلا الأقل والذين يكتمون يتمادون إلا الأقل، فلذلك وقع الاستثناء في الكاتم والتخصيص من الكافر -انتهى...

ولما كان الموت على شيء دالاً على أصل الجبلة، فالميت كافراً مجبول جبلة شر بيّن سبحانه وتعالى أنه مستحق في نفس الأمر لكل خزي لذلك لا لسبب جدده، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، لأنه سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل، فأسقط فاء السبب و عبر عنهم بأداة البعد إشارة إلى طردهم فقال: {أولئك} الذين هم في غاية السفول {عليهم لعنة الله} أي طرد الملك الذي لا ملك سواه وإبعاده، ثم بين اللاعنين في التي قبلها فقال {والملائكة والناس أجمعين *} أي هم أهل لذلك وكل أحد يلعن الظالم وأظلم الظالمين الكافر...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

والنكتة في ذكر لعنة الملائكة والناس مع أن لعنة الله وحده كافية في خزيهم ونكالهم، هي بيان أن جميع من يعلم حالهم من العوالم العلوية والسفلية يراهم محلا للعنة الله ومقته، فلا يرجى أن يرأف بهم رائف، ولا أن يشفع لهم شافع، لأن اللعنة صبت عليهم باستحقاق عند جميع من يعقل ويعلم. ومن حرمه سوء سعيه من رحمة الرؤوف الرحيم فماذا يرجو من سواه؟...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

وأما من كفر واستمر على كفره حتى مات ولم يرجع إلى ربه، ولم ينب إليه، ولم يتب عن قريب فأولئك {عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} لأنه لما صار كفرهم وصفا ثابتا، صارت اللعنة عليهم وصفا ثابتا لا تزول، لأن الحكم يدور مع علته، وجودا وعدما...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وهذا الفريق هم المشركون، فإن الكفر يطلق كثيراً في القرآن مراداً به الشرك قال تعالى: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} [الممتحنة: 10]، وذلك أن المشركين قد قُرنوا سابقاً مع أهل الكتاب قال تعالى: {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين} [البقرة: 105] الآية {وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم} [البقرة: 118] فلما استؤنف الكلام ببيان لعنة أهل الكتاب الذين يكتمون عُقّب ذلك ببيان عقوبة المشركين أيضاً فالقول في الاستئناف هنا كالقول في الاستئناف في قوله: {إن الذين يكتمون} [البقرة: 159] من كونه بيانياً أو مجرداً...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

بعد أن أنهى الله تعالى موضوعات أهل الكتاب في هذا الموضع من القرآن، وقد كان فيهم كفران النعم، والنفاق وكثرة العدوان والفساد في الأرض، والعبث بالأحكام، والاستهزاء بآيات الله تعالى، بعد ذلك أخذ يبين أقوال الوثنيين وإثبات وحدانية الله تعالى، وابتدأ القول في بيان حال الكفار من المشركين وأهل الكتاب الذين ماتوا على الكفر، فقال تعالى: {إن الذين كفروا وماتوا وهم...} ذكر بعض العلماء أن موضوع الآية الكريمة كفار مكة الوثنيون قبل أن يدخلوا في الإسلام، بدليل الكلام بعد ذلك في الوثنية والوثنيين، وبيان الوحدانية ودليل التوحيد من خلق الكون. ونحن نرى أن وصف الكفار يعم المشركين والكتابيين، فالكتابيون كافرون كما قال تعالى: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين} [البينة 1] ولقوله: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} [المائدة 73] ولقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة 29]. وهذه أوصاف الكفار، لأنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق، فهم داخلون في وصف الكفار، والكفر كله ملة واحدة، فلا تفاوت فيهم، ولا فضل لكافر على كافر وليس كفر دون كفر، بل جميعهم في الجحيم على سواء. وقد حكم الله تعالى عليهم الحكم الأبدي، إذا ماتوا على الكفر مصرين عليه بعد أن بلغوا بالرسالة فكفروا بها، وماتوا على الكفر بها جاحدين معاندين منافرين معذبين الضعفاء، ومثيرين للبغضاء والأحقاد، حكم الله تعالى عليهم بقوله عز من قائل: {أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} لعنة الله تعالى إبعادهم من رحمته، وألا ينظر إليهم نظرة رضا، ومن تكون حاله كذلك يكون في النار خالدا فيها، ولعنة الملائكة تعذيبهم لهم بأمر الله تعالى، وإبعادهم عن رحمته، ولعنة الناس بنبذهم، والدعاء عليهم... وهنا أمران بيانيان نشير إليهما ونجمل ولا نفصل:

أولهما: أن الإشارة في قوله تعالى: {أولئك عليهم لعنة الله} تعود على الكفار الذين ماتوا مصرين على الكفر قد بلغتهم دعوة الله، وكما قلنا ونكرر الإشارة إلى موصوف فيه إشارة إلى أن علة الحكم الوصف، وهو موتهم على الكفر بعد البيان والإنذار الشديد، {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء 15]...

تفسير القرآن الكريم لابن عثيمين 1421 هـ :

الآيتان قبلها في العلماء الذين كتموا الحق؛ وهذه في الكفار الذين استكبروا عن الحق...

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٌ أُوْلَـٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةُ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ} (161)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " وهم كفار " الواو واو الحال . قال ابن العربي : قال لي كثير من أشياخي إن الكافر المعين لا يجوز لعنه ؛ لأن حاله عند الموافاة لا تعلم ، وقد شرط الله تعالى في هذه الآية في إطلاق اللعنة : الموافاة على الكفر ، وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن أقواما بأعيانهم من الكفار فإنما كان ذلك لعلمه بمآلهم . قال ابن العربي : والصحيح عندي جواز لعنه لظاهر حاله ولجواز قتله وقتاله ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( اللهم إن عمرو بن العاص هجاني وقد علم أني لست بشاعر فالعنه واهجه عدد ما هجاني ) . فلعنه ، وإن كان الإيمان والدين والإسلام مآله . وانتصف بقوله : ( عدد ما هجاني ) ولم يزد ليعلم العدل والإنصاف . وأضاف الهجو إلى الله تعالى في باب الجزاء دون الابتداء بالوصف بذلك ، كما يضاف إليه المكر والاستهزاء والخديعة ، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا .

قلت : أما لعن الكفار جملة من غير تعيين فلا خلاف في ذلك ، لما رواه مالك عن داود بن الحصين أنه سمع الأعرج يقول : ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان . قال علماؤنا : وسواء كانت لهم ذمة أم لم تكن ، وليس ذلك بواجب ، ولكنه مباح لمن فعله ، لجحدهم الحق وعداوتهم للدين وأهله ، وكذلك كل من جاهر بالمعاصي كشراب الخمر وأكلة الربا ، ومن تشبه من النساء بالرجال ومن الرجال بالنساء ، إلى غير ذلك مما ورد في الأحاديث لعنه .

الثانية : ليس لعن الكافر بطريق الزجر له عن الكفر ، بل هو جزاء على الكفر وإظهار قبح كفره ، كان الكافر ميتا أو مجنونا . وقال قوم من السلف : إنه لا فائدة في لعن من جن أو مات منهم ، لا بطريق الجزاء ولا بطريق الزجر ، فإنه لا يتأثر به . والمراد بالآية على هذا المعنى أن الناس يلعنونه يوم القيامة ليتأثر بذلك ويتضرر ويتألم قلبه ، فيكون ذلك جزاء على كفره ، كما قال تعالى : " ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا{[1350]} " [ العنكبوت : 25 ] ، ويدل على هذا القول أن الآية دالة على الإخبار عن الله تعالى بلعنهم ، لا على الأمر . وذكر ابن العربي أن لعن العاصي المعين لا يجوز اتفاقا ، لما روي عن النبي أنه أتي بشارب خمر مرارا ، فقال بعض من حضره : لعنه الله ، ما أكثر ما يؤتى به ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم ) فجعل له حرمة الأخوة ، وهذا يوجب الشفقة ، وهذا حديث صحيح .

قلت : خرجه البخاري ومسلم ، وقد ذكر بعض العلماء خلافا في لعن العاصي المعين ، قال : وإنما قال عليه السلام : ( لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم ) في حق نعيمان{[1351]} بعد إقامة الحد عليه ، ومن أقيم عليه حد الله تعالى فلا ينبغي لعنه ، ومن لم يقم عليه الحد فلعنته جائزة سواء سمي أو عين أم لا ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يلعن إلا من تجب عليه اللعنة ما دام على تلك الحالة الموجبة للعن ، فإذا تاب منها وأقلع وطهره الحد فلا لعنة تتوجه عليه . وبين هذا قوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب{[1352]} ) . فدل هذا الحديث مع صحته على أن التثريب واللعن إنما يكون قبل أخذ الحد وقبل التوبة ، والله تعالى أعلم . قال ابن العربي : وأما لعن العاصي مطلقا فيجوز إجماعا ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ) .

الثالثة : قوله تعالى : " أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " أي إبعادهم من رحمته وأصل اللعن : الطرد والإبعاد ، وقد تقدم{[1353]} . فاللعنة من العباد الطرد ، ومن الله العذاب . وقرأ الحسن البصري " والملائكة والناس أجمعون " بالرفع . وتأويلها : أولئك جزاؤهم أن يلعنهم الله ويلعنهم الملائكة ويلعنهم الناس أجمعون ، كما تقول : كرهت قيام زيد وعمرو وخالد ؛ لأن المعنى : كرهت أن قام زيد . وقراءة الحسن هذه مخالفة للمصاحف .

فإن قيل : ليس يلعنهم جميع الناس لأن قومهم لا يلعنونهم ، قيل عن هذا ثلاثة أجوبة ، أحدها : أن اللعنة من أكثر الناس يطلق عليها لعنة الناس تغليبا لحكم الأكثر على الأقل . الثاني : قال السدي : كل أحد يلعن الظالم ، وإذا لعن الكافر الظالم فقد لعن نفسه . الثالث : قال أبو العالية : المراد به يوم القيامة يلعنهم قومهم مع جميع الناس ، كما قال تعالى : " ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض{[1354]} ويلعن بعضكم بعضا " [ العنكبوت : 25 ]


[1350]:راجع ج 13 ص 339
[1351]:نعيمان: هو ابن عمرو بن رفاعة، شهد العقبة وبدرا والمشاهد بعدها، وكان كثير المزاح، يضحك النبي صلى الله عليه وسلم من مزاحه. (عن أسد الغابة).
[1352]:قال ابن الأثير في النهاية: "أي لا يوبخها ولا يقرعها بالزنا بعد الضرب. وقيل: أراد لا يقنع في عقوبتها بالتثريب بل يضربها الحد".
[1353]:راجع ص 25 من هذا الجزء.
[1354]:راجع ج 13 ص 339
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٌ أُوْلَـٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةُ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ} (161)

وقوله : ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) هذه هي الخسارة الكبرى والإياس المطلق أنه يموت الإنسان كافرا . ولا يموت أحد كافرا إلا رافقته اللعنة دون انقطاع . فهو ملعون دائما وسوف تظل اللعنة تصاحبه على الدوام ؛ إذ يلعنه الله وتلعنه الملائكة ، ثم يلعنه الناس جميعا . وذلك في يوم القيامة ؛ إذ يقذف الله به في النار ليبوء بالعذاب الأليم .