الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلۡمٞ مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن يَرۡتَدَّ إِلَيۡكَ طَرۡفُكَۚ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسۡتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّي لِيَبۡلُوَنِيٓ ءَأَشۡكُرُ أَمۡ أَكۡفُرُۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيّٞ كَرِيمٞ} (40)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

قوله:"قَالَ الّذِي عِنْدَه عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ" يقول جلّ ثناؤه: قال الذي عنده علم من كتاب الله، وكان رجلاً فيما ذكر من بني آدم... كان يعلم اسم الله الذي إذا دعي به أجاب...

وقوله: "أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدّ إلَيْكَ طَرْفُكَ "اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: معناه: أنا آتيك به قبل أن يصل إليك من كان منك على مدّ البصر...

وقال آخرون: بل معنى ذلك: من قبل أن يبلغ طرفك مداه وغايته...

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: قبل أن يرجع إليك طرفك من أقصى أثره، وذلك أن معنى قوله "يَرَتَدّ إلَيْكَ" يرجع إليك البصر، إذا فتحت العين غير راجع، بل إنما يمتدّ ماضيا إلى أن يتناهى ما امتدّ نوره. فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله إنما أخبرنا عن قائل ذلك "أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدّ" لم يكن لنا أن نقول: أنا آتيك به قبل أن يرتدّ راجعا "إلَيْكَ طَرْفُكَ" من عند منتهاه.

وقوله: "فَلَمّا رآه مُسْتَقِرّا عِنْدَهُ" يقول: فلما رأى سليمان عرش ملكة سبأ مستقرّا عنده. وفي الكلام متروك استغني بدلالة ما ظهر عما ترك، وهو: فدعا الله، فأتى به، فلما رآه سليمان مستقرّا عنده...

وقوله: "قالَ هَذَا مِنْ فَضِلِ رَبّي لِيَبْلُوَنِي" يقول: هذا البصر والتمكن والملك والسلطان الذي أنا فيه حتى حمل إليّ عرش هذه في قدر ارتداد الطرف من مأرب إلى الشام، من فضل ربي الذي أفْضَلَه عليّ وعطائه الذي جاد به عليّ، "ليبلوني"، يقول: ليختبرني ويمتحنني، أأشكر ذلك من فعله عليّ، أم أكفر نعمته عليّ بترك الشكر له؟...

وقوله: "وَمَنْ شَكَرَ فإنّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ" يقول: ومن شكر نعمة الله عليه، وفضله عليه، فإنما يشكر طلب نفع نفسه، لأنه ليس ينفع بذلك غير نفسه، لأنه لا حاجة لله إلى أحد من خلقه، وإنما دعاهم إلى شكره تعريضا منه لهم للنفع، لا لاجتلاب منه بشكرهم إياه نفعا إلى نفسه، ولا دفع ضرّ عنها. "وَمَنْ كَفَرَ فإنّ رَبّي غَنِيّ كَرِيمٌ" يقول: ومن كفر نعمه وإحسانه إليه، وفضله عليه، لنفسه ظلم، وحظّها بخَس، والله غنّي عن شكره، لا حاجة به إليه، لا يضرّه كفر من كفر به من خلقه، "كريمٌ"، ومِن كرمه إفضاله على من يكفر نعمه، ويجعلها وصلة يتوصل بها إلى معاصيه.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{الذى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الكتاب} [هو] رجل كان عنده اسم الله الأعظم... وقيل: هو جبريل. وقيل: ملك أيد الله به سليمان. وقيل: هو سليمان نفسه، كأنه استبطأ العفريت فقال له: أنا أريك ما هو أسرع مما تقول... "علم من الكتاب": من الكتاب المنزل، وهو علم الوحي والشرائع. وقيل: هو اللوح. والذي عنده علم منه: جبريل عليه السلام...

الطرف: تحريكك أجفانك إذا نظرت، فوضع موضع النظر. ولما كان الناظر موصوفاً بإرسال الطرف... وصف بردّ الطرف، ووصف الطرف بالارتداد. ومعنى قوله: {قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [أي] أنك ترسل طرفك إلى شيء، فقبل أن تردّه أبصرت العرش بين يديك... ويجوز أن يكون هذا مثلاً لاستقصار مدّة المجيء به، كما تقول لصاحبك: افعل كذا في لحظة، وفي ردّة طرف، والتفت ترني، وما أشبه ذلك: تريد السرعة.

{يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} لأنه يحط به عنها عبء الواجب، ويصونها عن سمة الكفران، وترتبط به النعمة ويستمد المزيد. وقيل: الشكر، قيد للنعمة الموجودة، وصيد للنعمة المفقودة. وفي كلام بعض المتقدمين: إن كفران النعمة بوار، وقلما أقشعت ناقرة فرجعت في نصابها، فاستدع شاردها بالشكر، واستدم راهنها بكرم الجوار. واعلم أن سبوغ ستر الله متقلص عما قريب إذا أنت لم ترج لله وقاراً، {غَنِىٌّ} عن الشكر {كَرِيمٌ} بالإنعام على من يكفر نعمته، والذي قاله سليمان عليه السلام عند رؤية العرش شاكراً لربه، جرى على شاكلة أبناء جنسه من أنبياء الله والمخلصين من عباده يتلقون النعمة القادمة بحسن الشكر، كما يشيعون النعمة المودعة بجميل الصبر.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{قال الذي عنده}. ولما كان لكتب الله من العظمة ما لا يحيطه إلا الله، اشار إلى ذلك بتنكير ما لهذا الذي يفعل مثل هذا الخارق العظيم من ذلك فقال: {علم} تنبيهاً على أنه اقتدر على ذلك بقوة العلم ليفيد ذلك تعظيم العلم والحث على تعلمه، وبين أن هذا الفضل إنما هو للعلم الشرعي فقال: {من الكتاب} أي الذي لا كتاب في الحقيقة غيره، وهو المنسوب إلينا، وكأنه الذي كان شهيراً في ذلك الزمان، ولعله التوراة والزبور، إشارة إلى أن من خدم كتاباً حق الخدمة كان الله -تعالى كما ورد في شرعنا- سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، أي إنه يفعل له ما يشاء... {فلما رآه} أي العرش. ولما كانت الرؤية قد تكون عن بعد ومجازية، وكذلك العندية، بين أنها حقيقية بإظهار العامل في الظرف ومن حقه في غير هذا السياق الحذف فقال: {مستقراً عنده} أي ثابتاً ثباتاً لا مرية فيه، ما هو بسحر ولا منام لا مثال...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

فإذا (الذي عنده علم من الكتاب) يعرض أن يأتي به في غمضة عين قبل أن يرتد إليه طرفه، ولا يذكر اسمه، ولا الكتاب الذي عنده علم منه. إنما نفهم أنه رجل مؤمن على اتصال بالله، موهوب سرا من الله يستمد به من القوة الكبرى التي لا تقف لها الحواجز والأبعاد. وهو أمر يشاهد أحيانا على أيدي بعض المتصلين، ولم يكشف سره ولا تعليله، لأنه خارج عن مألوف البشر في حياتهم العادية. وهذا أقصى ما يقال في الدائرة المأمونة التي لا تخرج إلى عالم الأساطير والخرافات!

ولقد جرى بعض المفسرين وراء قوله: (عنده علم من الكتاب) فقال بعضهم: إنه التوراة. وقال بعضهم: إنه كان يعرف اسم الله الأعظم. وقال بعضهم غير هذا وذاك. وليس فيما قيل تفسير ولا تعليل مستيقن. والأمر أيسر من هذا كله حين ننظر إليه بمنظار الواقع، فكم في هذا الكون من أسرار لا نعلمها، وكم فيه من قوى لا نستخدمها. وكم في النفس البشرية من أسرار كذلك وقوى لا نهتدي إليها. فحيثما أراد الله هدى من يريد إلى أحد هذه الأسرار وإلى واحدة من هذه القوى فجاءت الخارقة التي لا تقع في مألوف الحياة، وجرت بإذن الله وتدبيره وتسخيره، حيث لا يملك من لم يرد الله أن يجريها على يديه أن يجريها.

وهذا الذي عنده علم من الكتاب، كانت نفسه مهيأة بسبب ما عنده من العلم، أن تتصل ببعض الأسرار والقوى الكونية التي تتم بها تلك الخارقة التي تمت على يده، لأن ما عنده من علم الكتاب وصل قلبه بربه على نحو يهيئه للتلقي، ولاستخدام ما وهبه الله من قوى وأسرار.

وقد ذكر بعض المفسرين أنه هو سليمان نفسه -عليه السلام- ونحن نرجح أنه غيره. فلو كان هو لأظهره السياق باسمه ولما أخفاه. والقصة عنه، ولا داعي لإخفاء اسمه فيها عند هذا الموقف الباهر. وبعضهم قال: إن اسمه آصف ابن برخيا ولا دليل عليه.

(فلما رآه مستقرا عنده قال: هذا من فضل ربي، ليبلوني أأشكر أم أكفر؟ ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غني كريم).

لقد لمست هذه المفاجأة الضخمة قلب سليمان -عليه السلام- وراعه أن يحقق الله له مطالبه على هذا النحو المعجز؛ واستشعر أن النعمة -على هذا النحو- ابتلاء ضخم مخيف؛ يحتاج إلى يقظة منه ليجتازه، ويحتاج إلى عون من الله ليتقوى عليه؛ ويحتاج إلى معرفة النعمة والشعور بفضل المنعم، ليعرف الله منه هذا الشعور فيتولاه. والله غني عن شكر الشاكرين، ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، فينال من الله زيادة النعمة، وحسن المعونة على اجتياز الابتلاء. ومن كفر فإن الله (غني) عن الشكر (كريم) يعطي عن كرم لا عن ارتقاب للشكر على العطاء.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

و {الذي عنده علم من الكتاب} رجل من أهل الحكمة من حاشية سليمان.

و {مِن} في قوله: {من الكتاب} ابتدائية، أي عنده علم مكتسب من الكتب، أي من الحكمة، وليس المراد بالكتاب التوراة...

وهذه المناظرة بين العفريت من الجن والذي عنده علم من الكتاب ترمز إلى أنه يتأتى بالحكمة والعلم ما لا يتأتى بالقوة، وأن الحكمة مكتسبة لقوله: {عنده علم من الكتاب}، وأن قوة العناصر طبيعة فيها، وأن الاكتساب بالعلم طريق لاستخدام القوى التي لا تستطيع استخدام بعضها بعضاً. فذكر في هذه القصة مثلاً لتغلب العلم على القوة. ولما كان هذان الرجلان مسخرَيْن لسليمان، كان ما اختصا به من المعرفة مزية لهما ترجع إلى فضل سليمان وكرامته أن سخر الله له مثل هذه القوى...

والظاهر أن قوله: {قبل أن تقوم من مقامك} وقوله: {قبل أن يرتد إليك طرفك} مثلان في السرعة والأسرعية، والضمير البارز في {رءاه} يعود إلى العرش.

والاستقرار: التمكن في الأرض وهو مبالغة في القرار...

ولما ذَكر الفضل أضافه إلى الله بعنوان كونه ربّه لإظهار أن فضله عليه عظيم إذ هو عبد ربه. فليس إحسان الله إليه إلا فضلاً محضاً، ولم يشتغل سليمان حين أحضر له العرش بأن يبتهج بسلطانه ولا بمقدرة رجاله ولكنه انصرف إلى شكر الله تعالى على ما منحه من فضل وأعطاه من جند مسخرين بالعلم والقوة، فمزايا جميعهم وفضلهم راجع إلى تفضيله.

وضرب حكمة خُلقية دينية وهي: {من شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كَفر فإن ربي غني كريم}؛ فكل متقرب إلى الله بعمل صالح يجب أن يستحضر أن عمله إنما هو لنفسه يرجو به ثواب الله ورضاه في الآخرة ويرجو دوام التفضل من الله عليه في الدنيا، فالنفع حاصل له في الدارين ولا ينتفع الله بشيء من ذلك.

فالكلام في قوله: {يشكر لنفسه} لام الأجل وليست اللام التي يُعدى بها فعل الشكر في نحو {واشكُروا لي} [البقرة: 152]. والمراد ب {من كفر} من كفر فضل الله عليه بأن عبَد غير الله، فإن الله غني عن شكره وهو كريم في إمهاله ورزقه في هذه الدنيا. وقد تقدم عند قوله فيما تقدم: {قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك} [النمل: 19].

والعدول عن الإضمار إلى الإظهار في قوله: {فإن ربي غني كريم} دون أن يقول: فإنه غني كريم، تأكيد للاعتراف بتمحض الفضل المستفاد من قوله: {فضل ربي}.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

{فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ} الفاء للعطف والتعقيب، أي أنه عقب قول صاحب علم الكتاب رآه مستقرا عنده، أي موجودا قارا ثابتا عنده، لا يتصور بعده عنه بعد ذلك، كانت هذه نعمة على سليمان تستوجب الشكر، ولذا قال معلنا أن ذلك اختبار من الله، قال: {هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} يقرر في هذه الجملة السابقة ما يقرره النبي الملك، يقرر أولا أنه فضل من الله ليس إلا نعمة أعطاها عطاء ومنّا من غير سابق طلب، ويقرر ثانيا أنه يعامله معاملة من يختبره أيكون من الشاكرين للنعمة القائمين بحقها، أم الكافرين الذين يجحدون، ويغترون ويعاندون ويحسبون أن ذلك استحقاق وليس عطاء..

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

وينبغي القول أن «الاسم الأعظم» ليس كما يتصوره الكثير بأنّ مفهومه أن يتلفظ الإنسان بكلمة فيكون وراءها الأثر العجيب، بل المراد منه التخلق بذلك الاسم والوصف، أي على الإنسان أن يستوعب «الاسم» في نفسه وروحه، وأن يتكامل علمه وخلقه وتقواه وإيمانه إلى درجة يكون بها مظهراً من مظاهر ذلك الاسم الأعظم، فهذا التكامل المعنوي والروحاني (بواسطة الاسم الأعظم) يوجد في الإنسان مثل هذه القدرة الخارقة للعادة.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلۡمٞ مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن يَرۡتَدَّ إِلَيۡكَ طَرۡفُكَۚ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسۡتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّي لِيَبۡلُوَنِيٓ ءَأَشۡكُرُ أَمۡ أَكۡفُرُۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيّٞ كَرِيمٞ} (40)

قوله تعالى : " أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك " يعني في مجلسه الذي يحكم فيه . " وإني عليه لقوي أمين " أي قوي على حمله . " أمين " على ما فيه . ابن عباس : أمين على فرج المرأة ، ذكره المهدوي . فقال سليمان أريد أسرع من ذلك ، ف " قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك " أكثر المفسرين على أن الذي عنده علم من الكتاب آصف بن برخيا وهو من بني إسرائيل ، وكان صديقا يحفظ اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى ، وإذا دعي به أجاب . وقالت عائشة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف بن برخيا يا حي يا قيوم ) قيل : وهو بلسانهم ، أهيا شراهيا ، وقال الزهري : دعاء الذي عنده اسم الله الأعظم ، يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلا أنت ايتني بعرشها ، فمثل بين يديه . وقال مجاهد : دعا فقال : يا إلهنا وإله كل شيء يا ذا الجلال والإكرام . قال السهيلي : الذي عنده علم من الكتاب هو آصف بن برخيا ابن خالة سليمان ، وكان عنده اسم الله الأعظم من أسماء الله تعالى . وقيل : هو سليمان نفسه ، ولا يصح في سياق الكلام مثل هذا التأويل . قال ابن عطية : وقالت فرقة هو سليمان عليه السلام ، والمخاطبة في هذا التأويل للعفريت لما قال : " أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك " كأن سليمان استبطأ ذلك فقال له على جهة تحقيره : " أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك " واستدل قائلو هذه المقالة بقول سليمان : " هذا من فضل ربي " .

قلت : ما ذكره ابن عطية قال النحاس في معاني القرآن له ، وهو قول حسن إن شاء الله تعالى . قال بحر : هو ملك بيده كتاب المقادير ، أرسله الله عند قول العفريت . قال السهيلي : وذكر محمد بن الحسن المقرئ أنه ضبة بن أد ، وهذا لا يصح البتة لأن ضبة هو ابن أد بن طابخة ، واسمه عمرو بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد : ومعد كان في مدة بختنصر ، وذلك بعد عهد سليمان بدهر طويل ، فإذا لم يكن معد في عهد سليمان ، فكيف ضبة بن أد وهو بعده بخمسة آباء ؟ ! وهذا بين لمن تأمله . ابن لهيعة : هو الخضر عليه السلام . وقال ابن زيد : الذي عنده علم من الكتاب رجل صالح كان في جزيرة من جزائز البحر ، خرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض ، وهل يعبد الله أم لا ؟ فوجد سليمان ، فدعا باسم من أسماء الله تعالى فجيء بالعرش . وقول سابع : إنه رجل من بني إسرائيل اسمه يمليخا كان يعلم اسم الله الأعظم ؛ ذكره القشيري . وقال ابن أبي بزة : الرجل الذي كان عنده علم من الكتاب اسمه أسطوم وكان عابدا في بني إسرائيل ، ذكره الغزنوي . وقال محمد بن المنكدر : إنما هو سليمان عليه السلام ، أما إن الناس يرون أنه كان معه اسم وليس ذلك كذلك ، إنما كان رجل من بني إسرائيل عالم آتاه الله علما وفقها قال : " أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك " قال : هات . قال : أنت نبي الله ابن نبي الله فإن دعوت الله جاءك به ، فدعا الله سليمان فجاءه الله بالعرش . وقول ثامن : إنه جبريل عليه السلام ؛ قاله النخعي ، وروي عن ابن عباس . وعلم الكتاب على هذا علمه بكتب الله المنزلة ، أو بما في اللوح المحفوظ . وقيل : علم كتاب سليمان إلى بلقيس . قال ابن عطية : والذي عليه الجمهور من الناس أنه رجل صالح من بني إسرائيل اسمه آصف بن برخيا ، روي أنه صلى ركعتين ، ثم قال لسليمان : يا نبي الله آمدد بصرك فمد بصره نحو اليمن فإذا بالعرش ، فما رد سليمان بصره إلا وهو عنده . قال مجاهد : هو إدامة النظر حتى يرتد طرفه خاسئا حسيرا . وقيل : أراد مقدار ما يفتح عينه ثم يطرف ، وهو كما تقول : افعل كذا في لحظة عين ؛ وهذا أشبه ؛ لأنه إن كان الفعل من سليمان فهو معجزة ، وإن كان من آصف أو من غيره من أولياء الله فهي كرامة ، وكرامة الولي معجزة النبي . قال القشيري : وقد أنكر كرامات الأولياء من قال إن الذي عنده علم من الكتاب هو سليمان ، قال للعفريت : " أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك " . وعند هؤلاء ما فعل العفريت فليس من المعجزات ولا من الكرامات ، فإن الجن يقدرون على مثل هذا . ولا يقطع جوهر في حال واحدة مكانين ، بل يتصور ذلك بأن يعدم الله الجوهر في أقصى الشرق ثم يعيده في الحالة الثانية ، وهي الحالة التي بعد العدم في أقصى الغرب . أو يعدم الأماكن المتوسطة ثم يعيدها . قال القشيري : ورواه وهب عن مالك . وقد قيل : بل جيء به في الهواء ، قاله مجاهد . وكان بين سليمان والعرش كما بين الكوفة والحيرة . وقال مالك : كانت باليمن وسليمان عليه السلام بالشام . وفي التفاسير انخرق بعرش بلقيس مكانه الذي هو فيه ثم نبع بين يدي سليمان ، قال عبدالله بن شداد : وظهر العرش من نفق تحت الأرض ، فالله أعلم أي ذلك كان .

قوله تعالى : " فلما رآه مستقرا عنده " أي ثابتا عنده . " قال هذا من فضل ربي " أي هذا النصر والتمكين من فضل ربي . " ليبلوني " قال الأخفش : المعنى لينظر " أأشكر أم أكفر " وقال غيره : معنى " ليبلوني " ليتعبدني ، وهو مجاز . والأصل في الابتلاء الاختبار أي ليختبرني أأشكر نعمته أم أكفرها " ومن شكر فإنما يشكر لنفسه " أي لا يرجع نفع ذلك إلا إلى نفسه ، حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها والمزيد منها . والشكر قيد النعمة الموجودة ، وبه تنال النعمة المفقودة . " ومن كفر " أي عن الشكر " فإن ربي غني كريم " في التفضل .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلۡمٞ مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن يَرۡتَدَّ إِلَيۡكَ طَرۡفُكَۚ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسۡتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّي لِيَبۡلُوَنِيٓ ءَأَشۡكُرُ أَمۡ أَكۡفُرُۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيّٞ كَرِيمٞ} (40)

قوله : { قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } الذي عنده علم الكتاب رجل صالح من بني إسرائيل كان وزيرا لسليمان وكان تقيا صديقا وذا علم بالكتاب المنزل من عند الله . فقد قال سليمان { أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } يعني آتيك بعرش بلقيس في مقدار ما تفتح فيه عينك ثم تطرفها ، أي في لحظة عين . والطرف : تحريك الأجفان عند النظر . ولا عجب فهذه معجزة من الله تشهد بصدق نبوة سليمان وأنه رسول رب العالمين ، أما في حق الرجل الصالح الذي جاء بعرشها في طرفة عين ، فهذه كرامة من الكرامات يؤتيها الله أولياءه الصالحين من عباده المؤمنين .

قوله : { فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي } لما رأى سليمان عرش بلقيس ثابتا بين يديه هتف شاكرا محبورا من أمر الله وفضله عليه وهو قوله : { هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي } أي هذا العطاء والتوفيق والتمكين مما أنعم به ربي علي { لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ } أي ليمتحنني ربي أأشكر نعمته علي أم أجحدها .

قوله : { وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ } أي من شكر الله على ما تفضل به وأنعم فذكر ذلك لله مقرا معترفا بمنه وكرمه فإنما ينفع بهذا الشكران نفسه ، والله جل وعلا يزيد الشاكرين خيرا منه وفضلا .

قوله : { وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ } الله غني عن العالمين فلا يعبأ بهم وبكفرهم ، وهو سبحانه كريم في نفسه سواء شكره العباد أو كفروه{[3439]} .


[3439]:أحكام القرآن لابن العربي جـ3 ص 1448-1450 وتفسير القرطبي جـ 13 ص 201-207. وفتد القدير جـ 3 ص 138 وتفسير ابن كثير جـ 3 ص 364.