الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ} (185)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم}، يعني جزاء أعمالكم، {يوم القيامة فمن زحزح}، يعني صرف {عن النار وأدخل الجنة فقد فاز}، يعني فقد نجى ثم وعظهم، فقال: {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور}، يعني الفاني الذي ليس بشيء.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يعني بذلك تعالى ذكره: أن مصير هؤلاء المفترين على الله من اليهود المكذبين برسوله، الذين وصف صفتهم، وأخبر عن جراءتهم على ربهم، ومصير غيرهم من جميع خلقه تعالى ذكره، ومرجع جميعهم إليه، لأنه قد حتم الموت على جميعهم، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: لا يحزنك تكذيب من كذّبك يا محمد من هؤلاء اليهود وغيرهم، وافتراء من افترى عليّ، فقد كذّب قبلك رسل جاءوا من الآيات والحجج من أرسلوا إليه بمثل الذي جئت من أرسلت إليه، فلك فيهم أسوة تتعزّى بهم، ومصير من كذّبك، وافترى عليّ وغيرهم، ومرجعهم إليّ، فأوفي كل نفس منهم جزاء عمله يوم القيامة، كما قال جلّ ثناؤه: {وإنّمَا تُوَفّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ} يعني أجور أعمالكم إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ. {فمنْ زُحزِحَ عن النارِ}، يقول: فمن نحي عن النار وأبعد منها، {فقَدْ فازَ} يقول: فقد نجا وظفر بحاجته، يقال منه: فاز فلان بطلبته يفوز فوزا ومفازا ومفازة: إذا ظفر بها.

وإنما معنى ذلك: فمن نُحّي عن النار فأبعد منها، وأدخل الجنة، فقد نجا وظفر بعظيم الكرامة. {وَما الحَياةُ الدّنْيا إلاّ مَتاعُ الغُرُورِ} يقول: وما لذات الدنيا وشهواتها، وما فيها من زينتها وزخارفها، إلا متاع الغرور، يقول: إلا متعة يمتعكموها الغرور والخداع المضمحل، الذي لا حقيقة له عند الامتحان، ولا صحة له عند الاختبار، فأنتم تلتذّون بما متعكم الغرور من دنياكم، ثم هو عائد عليكم بالفجائع والمصائب والمكاره، يقول تعالى ذكره: لا تركنوا إلى الدنيا فتسكنوا إليها، فإنما أنتم منها في غرور تمتعون، ثم أنتم عنها بعد قليل راحلون.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

قوله: {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} حياة الدنيا لعب ولهو وغرور والآخرة ليست بلعب ولا لهو ولا غرور. واصل الغرور هو أ ن يتراءى الشيء في ظاهره حسنا مموها يغتر بها كل ناظر إليها ظاهرا فإذا نظر في باطنها وجدها قاتلة مهلكة نعوذ بالله من الاغترار بها. وقيل: {الحياة الدنيا} على ما عند أولئك الكفرة لعب ولهو وعند المؤمنين حكمة.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

فإن قلت: كيف اتصل به قوله: {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ}؟ قلت: اتصاله به على أن كلكم تموتون ولا بدّ لكم من الموت ولا توفون أجوركم على طاعاتكم ومعاصيكم عقيب موتكم، وإنما توفونها يوم قيامكم من القبور. فإن قلت فهذا يوهم نفي ما يروي أن "القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار "قلت: كلمة التوفية تزيل هذا الوهم، لأن المعنى أن توفية الأجور وتكميلها يكون ذلك اليوم، وما يكون قبل ذلك فبعض الأجور. الزحزحة: التنحية والإبعاد تكرير الزح، وهو الجذب بعجلة {فَقَدْ فَازَ} فقد حصل له الفوز المطلق المتناول لكل ما يفاز به ولا غاية للفوز وراء النجاة من سخط الله والعذاب السرمد، ونيل رضوان الله والنعيم المخلد.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

هذا خبر واعظ فيه تسلية للنبي عليه السلام ولأمته عن أمر الدنيا وأهلها، ووعد في الآخرة، فبالفكرة في الموت يهون أمر الكفار وتكذيبهم.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

قوله تعالى: {كل نفس ذائقة الموت}. اعلم أن المقصود من هذه الآية تأكيد تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام والمبالغة في إزالة الحزن من قلبه وذلك من وجهين: أحدهما: أن عاقبة الكل الموت، وهذه الغموم والأحزان تذهب وتزول ولا يبقى شيء منها، والحزن متى كان كذلك لم يلتفت العاقل إليه. والثاني: أن بعد هذه الدار دار يتميز فيها المحسن عن المسيء، ويتوفر على عمل كل واحد ما يليق به من الجزاء، وكل واحد من هذين الوجهين في غاية القوة في إزالة الحزن والغم عن قلوب العقلاء..

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

(كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور). الكلام في الآيتين مستقل ووجه اتصال الآية الأولى منهما بما قبلها هو أن في التي قبلها تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن تكذيب اليهود وغيرهم له ببيان طبيعة الناس في تكذيب الأنبياء السابقين وصبر أولئك على المجاحدة والمعاندة والكفر. وفي هذه تأكيد للتسلية، كما قال الإمام الرازي من حيث إن الموت هو الغاية وبه تذهب الأحزان ومن حيث إن بعده دارا يجازى فيها كل بما يستحق.

وقال الأستاذ الإمام: إنها تسلية أخرى، كأنه يقول لا تضجر ولا تسأم لما ترى من معاندة الكافرين فإن هذا منته، وكل ما له نهاية فلا بد من الوصول إليه، فالذي يصير إليه هؤلاء المعاندون قريب فيجازون على أعمالهم ولا تنتظر أن يوفوا جزاء عملهم السيئ كله في هذه الدار كما أن أجرك على عملك لا توفاه في هذه الحياة، فحسبك ما أصبت من الجزاء الحسن وحسبهم ما أصيبوا وما يصابون به من الجزاء السيئ في الدنيا. واعلم أنه لا يوفى أحد جزاءه في هذه الدار لأن توفية الأجور إنما تكون في الآخرة.

قال: ويصح وصلها بما قبلها من قوله تعالى: (ولا تحسبن الذين يبخلون) الخ أي إن أولئك البخلاء الذين يمنعون الحقوق وأولئك المتجرئين على الله والظالمين لرسله والذين عاندوا خاتم النبيين – كل أولئك سيموتون كما يموت غيرهم ويوفون أجورهم يوم القيامة- وكذلك لا يحسبن أحد من المؤمنين الذين يقاومون هؤلاء ويلقون منهم في سبيل الإيمان ما يلقون أنهم يوفون أجورهم في الدنيا، كلا إنهم إنما يوفون أجورهم يوم القيامة. أقول: إن الكلام في الآيتين هو تصريح بما في ضمن الآية السابقة من التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن اتبعه والتفات إلى خطابهم فإن توفية الأجور متبادرة في الخير، فهذه الآية تمهيد لما بعدها ليسهل على المسلمين وقع إنبائهم بما يبتلون به.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

هذه الآية مرتبطة بأصل الغرض المسوق له الكلام، وهو تسلية المؤمنين على ما أصابهم يوم أُحُد، وتفنيد المنافقين في مزَاعمهم أنّ الناس لو استشاروهم في القتال لأشاروا بما فيه سلامتهم فلا يهلكوا، فبعد أنّ بيّن لهم ما يدفع توهّمهم أنّ الانهزام كان خذلاناً من الله وتعجّبهم منه كيف يلحق قوماً خرجوا لنصر الدين وأن لا سبب للهزيمة بقوله: {إنما استزلهم الشيطان} [آل عمران: 155] ثم بيّن لهم أنّ في تلك الرزّية فوائد بقول الله تعالى: {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} [آل عمران: 153] وقوله: {وليعلم المؤمنين} [آل عمران: 166]، ثم أمرهم بالتسليم لله في كلّ حال فقال: {وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله} [آل عمران: 166] وقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم} [آل عمران: 156] الآية. وبيّن لهم أنّ قتلى المؤمنين الذين حزِنوا لهم إنّما هم أحياء، وأنّ المؤمنين الذين لم يلحقوا بهم لا يضيع الله أجرهم ولا فَضْلَ ثباتهم، وبيّن لهم أنّ سلامة الكفّار لا ينبغي أن تُحزن المؤمنين ولا أن تسرّ الكافرين، وأبطل في خلال ذلك مقال المنافقين بقوله: {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} [آل عمران: 154] وبقوله: {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا} [آل عمران: 168] إلى قوله: {قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} [آل عمران: 168] ختم ذلك كلّه بما هو جامع للغرضين في قوله تعالى: {كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة} لأنّ المصيبة والحزن إنّما نشآ على موت من استشهد من خيرة المؤمنين، يعني أنّ الموت لمّا كان غاية كلّ حيّ فلو لم يموتوا اليوم لماتوا بعدَ ذلك فلا تأسفوا على موت قتلاكم في سبيل الله، ولا يفتنكم المنافقون بذلك، ويكون قوله بعده: {وإنما توفون أجوركم يوم القيامة} قصر قلب لتنزيل المؤمنين فيما أصابهم من الحزن على قتلاهم وعلى هزيمتهم، منزلة من لا يترقّب من عمله إلاّ منافع الدنيا وهو النصر والغنيمة، مع أنّ نهاية الأجر في نعيم الآخرة، ولذلك قال: {توفون أجوركم} أي تكمل لكم، وفيه تعريض، بأنّهم قد حصلت لهم أجور عظيمة في الدنيا على تأييدهم للدين: منها النصر يوم بدر، ومنها كفّ أيدي المشركين عنهم في أيام مقامهم بمكّة إلى أن تمكّنوا من الهجرة.

والذوق هنا أطلق على وِجدانِ الموت، تقدّم بيان استعماله عند قوله آنفاً: {ونقول ذوقوا عذاب الحريق} [آل عمران: 181] وشاع إطلاقه على حصول الموت، قال تعالى: {لا يذوقون فيها الموت} [الدخان: 56] ويقال ذاق طعم الموت.

والتوفية: إعطاء الشيء وافياً. ويطلقها الفقهاء على مطلق الإعطاء والتسليم، والأجور جمع الأجر بمعنى الثواب، ووجه جمعه مراعاة أنواع الأعمال. ويوم القيامة يومُ الحشر سمّي بذلك لأنّه يقوم فيه الناس من خمود الموت إلى نهوض الحياة.

والفاء في قوله: {فمن زحزح} للتفريع على {توفون أجوركم}، ومعنى: {زحزح} أبعد. وحقيقةُ فعل زحزح أنها جذبٌ بسرعة، وهو مضاعف زَحَّه عن المكان إذا جذبه بعجلة.

وإنّما جُمع بين {زُحزح عن النار وأدخل الجنة}، مع أنّ في الثاني غنية عن الأوّل، للدلالة على أنّ دخول الجنة يشتمل على نعمتين عظيمتين: النجاة من النار، ونعيم الجنّة.

ومعنى {فقد فاز} نال مبتغاه من الخير لأنّ ترتّب الفوز على دخول الجنّة والزحزحة عن النار معلوم فلا فائدة في ذكر الشرط إلاّ لهذا. والعرب تعتمد في هذا على القرائن، فقد يكون الجواب عين الشرط لبيان التحقّق، نحو قول القائل: من عرفني فقد عرفني، وقد يكون عينه بزيادة قيد نحو قوله تعالى: {وإذا مروا باللغو مروا كراما} وقد يكون على معنى بلوغ أقصى غايات نوع الجواب والشرط كما في هذه الآية وقوله: {ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته} على أحد وجهين، وقول العرب: « مَنْ أدرك مَرْعَى الصَّمَّان فقَدْ أدرك» وجميع ما قرّر في الجواب يأتي مثله في الصفة ونحوها كقوله: {ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا} [القصص: 63].

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

الموت وقانونه العام:

تعقيباً على البحث حول عناد المعارضين وغير المؤمنين تشير هذه الآية إِلى قانون «الموت» العام وإِلى مصير الناس في يوم القيامة، ليكون ذلك تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين، وتحذيراً كذلك للمعارضين العصاة.

فهذه الآية تشير أوّلا إِلى قانون عام يشمل جميع الأحياء في هذا الكون وتقول: (كل نفس ذائقة الموت).

والناس، وإِن كان أكثرهم يحب أن ينسى مسألة الفناء ويتجاهل الموت، ولكن هذا الأمر حقيقة واقعة إِن حاولنا تناسيها والتغافل عنها، فهي لا تنسانا، ولا تتغافل عنّا.

إِنّ لهذه الحياة نهاية لا محالة، ولابدّ أن يأتي ذلك اليوم الذي يزور فيه الموت كل أحد، ولا يكون أمامه حينئذ إِلاّ أن يفارق هذه الحياة.

إِن المراد من «النفس» في هذه الآية هو مجموعة الجسم والروح، وإِن كانت النفس في القرآن تطلق أحياناً على خصوص «الرّوح» أيضاً.

والتعبير بالتذوق إِشارة إِلى الإِحساس الكامل، لأن المرء قد يرى الطعام بعينيه أو يلمسه بيده، ولكن كل هذه لا يكون والأحرى لا يحقق الإحساس الكامل بالشيء، نعم إِلاّ أن يتذوق الطعام بحاسة الذوق فحينئذ يتحقق الإِحساس الكامل، وكأن الموت في نظام الخلقة نوع من الغذاء للإِنسان والأحياء.

ثمّ تقول الآية بعد ذلك (وإِنّما توفون أجوركم يوم القيامة) أي أنّه ستكون بعد هذه الحياة مرحلة أخرى هي مرحلة الثواب والعقاب، وبالتالي الجزاء على الأعمال، فهنا عمل ولا حساب وهناك حساب ولا عمل.

وعبارة «توفون» التي تعني إِعطاء الجزاء بالكامل تكشف عن إِعطاء الإِنسان أجر عمله يوم القيامة وافياً وبدون نقيصة، ولهذا لا مانع من أن يشهد الإِنسان في عالم البرزخ المتوسط بين الدنيا والآخرة بعض نتائج عمله، وينال قسطاً من الثواب أو العقاب، لأن هذا الجزاء البرزخي لا يشكل الجزاء الكامل.

ثمّ قال سبحانه: (فمن زحزح عن النّار وادخل الجنّة فقد فاز).

وكلمة «زحزح» تعني محاولة الإِنسان لإِخراج نفسه من تحت تأثير شيء، وتخليصها من جاذبيته تدريجاً.

وأمّا كلمة «فاز» فتعني في أصل اللغة «النجاة» من الهلكة، ونيل المحبوب والمطلوب.

والجملة بمجموعها تعني أنّ الذين استطاعوا أن يحرروا أنفسهم من جاذبية النّار ودخلوا الجنّة فقد نجوا من الهلكة، ولقوا ما يحبونه، وكأن النّار تحاول بكلّ طاقتها أن تجذب الأدميين نحو نفسها.. حقّاً أنّ هناك عوامل عديدة تحاول أن تجذب الإِنسان إِلى نفسها، وهي على درجة كبيرة من الجاذبية.

أليس للشهوات العابرة، واللذات الجنسية الغير المشروعة، والمناصب، والثروات الغير المباحة مثل هذه الجاذبية القوية؟؟

كما أنّه يستفاد من هذا التعبير أن الناس ما لم يسعوا ويجتهدوا لتخليص أنفسهم وتحريرها من جاذبية هذه العوامل المغرية الخداعة فإِنّها ستجذبهم نحو نفسها تدريجاً، وسيقعون في أسرها في نهاية المطاف.

أمّا إذا حاولوا من خلال تربية أنفسهم وترويضها، وتمرينها على مقاومة هذه الجواذب والمغريات وكبح جماحها، وبلغوا بها إِلى مرتبة «النفس المطمئنة» كانوا من النّاجين الواقعيين، الذين يشعرون بالأمن والطمأنينة.

ثمّ يقول سبحانه في نهاية هذه الآية: (وما الحياة الدّنيا إلاّ متاع الغرور).

وهذه الجملة تكمل البحث السابق وكأنها تقول: إنّ هذه الحياة مجرّد لهو ومتاع تخدع الإِنسان من بعيد، فإِذا بلغ إليها الإِنسان ونال منها ولمسها عن كثب وجدها على الأغلب فراغاً في فراغ وخواء في خواء، وما متاع الغرور إلاّ هذا.

هذا مضافاً إلى أن اللذَائذ المادية تبدو من بعيد وكأنها خالصة من كل شائبة، وخالية من كل ما يكدرها، حتى إذا اقترب إليها الإِنسان وجدها ممزوجة بكل ألوان العناء والعذاب، وهذا جانب آخر من خداع الحياة المادية.

كما أنّ الإِنسان ينسى في أكثر الأحيان طبيعته الفانية، ولكنه سرعان ما ينتبه إِلى أنّها سريعة الزوال، قابلة للفناء.

إنّ هذه التعابير قد تكررت في القرآن والأحاديث كثيراً، والهدف منها جميعاً شيء واحد هو أن لا يجعل الإِنسان هذه الحياة المادية ولذاتها العابرة الفانية الزّائلة هدفه الأخير، ومقصده الوحيد النّهائي الذي تكون نتيجته الغرق والارتطام في شتى ألوان الجريمة والمعصية، والابتعاد عن الحقيقة وعن التكامل الإنساني، وأمّا الانتفاع بالحياة المادية ومواهبها كوسيلة للوصول إِلى التكامل الإِنساني والمعنوي فليس غير مذموم فقط، بل هو ضروري وواجب.

سبب النّزول:

عندما هاجر المسلمون من مكّة إِلى المدينة وابتعدوا عن دورهم وديارهم، راحت أيدي المشركين تطال أموالهم وتمتدّ إِلى ممتلكاتهم، وتنالها بالتصرف والسيطرة عليها، وإِيذاء كلّ من وقعت عليه أيديهم والإِيقاع فيه بالهجاء والاستهزاء.

وعندما جاؤوا إِلى المدينة، واجهوا أذى اليهود القاطنين في المدينة، خاصّة «كعب بن الأشرف» الذي كان شاعراً سليط اللسان، فقد كان كعب هذا يهجو النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين ويحرض المشركين عليهم حتى أنّه كان يشبب بنساء المسلمين ويصف محاسنهن ويتغزل بهن.

وقد بلغت وقاحته مبلغاً دفعت بالنّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إِلى أنْ يأمر بقتله، فقتل على أيدي المسلمين غيلة.

والآية الحاضرة حسب بعض الأحاديث المنقولة عن المفسرين تشير إِلى هذه الأُمور وتحث المسلمين على مواصلة الصمود والمقاومة.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ} (185)

فيه سبع{[3756]} مسائل :

الأولى : لما أخبر جل وتعالى عن الباخلين وكفرهم في قولهم : " إن الله فقير ونحن أغنياء " وأمر المؤمنين بالصبر على أذاهم في قوله : " لتبلون " [ آل عمران : 186 ] الآية - بين أن ذلك مما ينقضي ولا يدوم ، فإن أمد الدنيا قريب ، ويوم القيامة يوم الجزاء . " ذائقة الموت " من الذوق ، وهذا مما لا محيص عنه للإنسان ، ولا محيد عنه لحيوان . وقد قال أمية بن أبي الصلت :

من لم يمت عَبْطَةً{[3757]} يمت هَرَمًا *** للموت كأسٌ والمرءُ ذائقها

وقال آخر :

الموت باب وكل الناس داخله *** فليت شعري بعد الباب ما الدار

الثانية : قراءة العامة " ذائقة الموت " بالإضافة . وقرأ الأعمش ويحيى وابن أبي إسحاق " ذائقة الموت " بالتنوين ونصب الموت . قالوا : لأنها لم تذق بعد . وذلك أن اسم الفاعل على ضربين : أحدهما أن يكون بمعنى المضي . والثاني بمعنى الاستقبال ، فإن أردت الأول لم يكن فيه إلا الإضافة إلى ما بعده ، كقولك : هذا ضارب زيد أمس ، وقاتل بكر أمس ؛ لأنه يجري مجرى الاسم الجامد وهو العلم ، نحو غلام زيد ، وصاحب بكر . قال الشاعر :

الحافظُ عورةِ العشيرة *** لا يأتيهم من ورائهم وَكَفُ{[3758]}

وإن أردت الثاني جاز الجر . والنصب والتنوين فيما هذا سبيله هو الأصل ؛ لأنه يجري مجرى الفعل المضارع فإن كان الفعل غير متعد ، لم يتعد نحو قاتم زيد . وإن كان متعديا عديته ونصبت به ، فتقول . زيد ضارب عمروا بمعنى يضرب عمروا . ويجوز حذف التنوين والإضافة تخفيفا ، كما قال المرار " :

سَلِ الهمومَ بكل معطي رأسِه *** ناجٍ مخالطٍ صُهْبَةٍ مُتَعَيِّسِ{[3759]}

مُغْتَالِ أحْبُلِهِ مُبينٍ عُنْقُه *** في مَنْكَبٍ زَبَنَ المَطِيَّ عَرَنْدَسِ{[3760]}

فحذف التنوين تخفيفا ، والأصل : معط رأسه بالتنوين والنصب ، ومثل هذا أيضا في التنزيل قوله تعالى " هل هن كاشفات ضره " [ الزمر : 38 ] وما كان مثله{[3761]} .

الثالثة : ثم اعلم أن للموت أسبابا وأمارات ، فمن علامات موت المؤمن عرق الجبين . أخرجه النسائي من حديث بريدة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " المؤمن يموت بعرق الجبين " . وقد بيناه في " التذكرة " فإذا احتضر لقن الشهادة ؛ لقوله عليه السلام : ( لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ) لتكون آخر كلامه فيختم له بالشهادة ، ولا يعاد عليه منها لئلا يضجر . ويستحب قراءة " يس " ذلك الوقت ؛ لقوله عليه السلام : " اقرؤوا يس على موتاكم " أخرجه أبو داود . وذكر الآجري في كتاب النصيحة من حديث أم الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من ميت يقرأ عنده سورة يس إلا هون عليه الموت ) . فإذا قضي وتبع البصر الروح كما أخبر صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم وارتفعت العبادات وزال التكليف ، توجهت على الأحياء أحكام : منها تغميضه ، وإعلام إخوانه الصلحاء بموته ، وكرهه قوم وقالوا : هو من النعي . والأول أصح ، وقد بيناه في غير هذا الموضع . ومنها الأخذ في تجهيزه بالغسل والدفن لئلا يسرع إليه التغير ، قال صلى الله عليه وسلم لقوم أخروا دفن ميتهم : ( عجلوا بدفن جيفتكم ) وقال : ( أسرعوا بالجنازة ) الحديث ، وسيأتي .

فأما غسله فهو سنة لجميع المسلمين حاشا الشهيد على ما تقدم . قيل : غسله واجب قاله القاضي عبد الوهاب . والأول : مذهب الكتاب{[3762]} ، وعلى هذين القولين العلماء . وسبب الخلاف قوله عليه السلام لأم عطية في غسلها ابنته زينب ، على ما في كتاب مسلم . وقيل : هي أم كلثوم ، على ما في كتاب أبي داود : ( اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك ) الحديث . وهو الأصل عند العلماء في غسل الموتى . فقيل : المراد بهذا الأمر بيان حكم الغسل فيكون واجبا . وقيل : المقصود منه تعليم كيفية الغسل فلا يكون فيه ما يدل على الوجوب . قالوا ويدل عليه قوله : ( إن رأيتن ذلك ) وهذا يقتضي إخراج ظاهر الأمر عن الوجوب ؛ لأنه فوضه إلى نظرهن . قيل لهم : هذا فيه بعد ؛ لأن ردك ( إن رأيتن ) إلى الأمر ، ليس السابق إلى الفهم بل السابق رجوع هذا الشرط إلى أقرب مذكور ، وهو ( أكثر من ذلك ) أو إلى التخيير في الأعداد . وعلى الجملة فلا خلاف في أن غسل الميت مشروع معمول به في الشريعة لا يترك . وصفته كصفة غسل الجنابة على ما هو معروف . ولا يجاوز السبع غسلات في غسل الميت بإجماع ؛ على ما حكاه أبو عمر . فإن خرج منه شيء بعد السبع غسل الموضع وحده ، وحكمه حكم الجنب إذا أحدث بعد غسله . فإذا فرغ من غسله كفنه في ثيابه وهي :

الرابعة : والتكفين واجب عند عامة العلماء ، فإن كان له مال فمن رأس ماله عند عامة العلماء إلا ما حكي عن طاوس أنه قال : من الثلث كان المال قليلا أو كثيرا . فإن كان الميت ممن تلزم غيره نفقته في حياته من سيد إن كان عبدا أو أب أو زوج أو ابن ، فعلى السيد باتفاق ، وعلى الزوج والأب والابن باختلاف . ثم على بيت المال أو على جماعة المسلمين على الكفاية . والذي يتعين منه بتعيين الفرض ستر العورة ، فإن كان فيه فضل غير أنه لا يعم جميع الجسد غطى رأسه ووجهه إكراما لوجهه وسترا لما يظهر من تغير محاسنه . والأصل في هذا قصة مصعب بن عمير ، فإنه ترك يوم أحد نمرة{[3763]} كان إذا غطى رأسه خرجت رجلاه ، وإذا غطي رجلاه خرج رأسه ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ضعوها مما يلي رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر ){[3764]} أخرج الحديث مسلم .

والوتر مستحب عند كافة العلماء في الكفن ، وكلهم مجمعون على أنه ليس فيه حد . والمستحب منه البياض قال صلى الله عليه وسلم : ( البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم ) أخرجه أبو داود . وكفن صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف{[3765]} . والكفن في غير البياض جائز إلا أن يكون حريرا أو خزا . فإن تشاح الورثة في الكفن قضي عليهم في مثل لباسه في جمعته وأعياده قال صلى الله عليه وسلم : ( إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه ) أخرجه مسلم . إلا أن يوصي بأقل من ذلك . فإن أوصى بسرف قيل : يبطل الزائد . وقيل : يكون في الثلث . والأول أصح ؛ لقوله تعالى : " ولا تسرفوا " {[3766]} [ الأنعام : 141 ] . وقال أبو بكر : إنه للمهلة{[3767]} . فإذا فرغ من غسله وتكفينه ووضع على سريره واحتمله الرجال على أعناقهم وهي :

الخامسة : فالحكم الإسراع في المشي ؛ لقوله عليه السلام : ( أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه وإن تكن غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم ) . لا كما يفعله اليوم الجهال في المشي رويدا والوقوف بها المرة بعد المرة ، وقراءة القرآن بالألحان إلى ما لا يحل ولا يجوز حسب ما يفعله أهل الديار المصرية بموتاهم . روى النسائي : أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا خالد قال أنبأنا عيينة بن عبد الرحمن قال حدثني أبي قال : شهدت جنازة عبد الرحمن بن سمرة وخرج زياد يمشي بين يدي السرير ، فجعل رجال من أهل عبد الرحمن ومواليهم يستقبلون السرير ويمشون على أعقابهم ويقولون : رويدا رويدا ، بارك الله فيكم ! فكانوا يدبون دبيبا ، حتى إذا كنا ببعض طريق المريد{[3768]} لحقنا أبو بكرة رضي الله عنه على بغلة فلما رأى الذين يصنعون حمل عليهم ببغلته وأهوى إليهم بالسوط فقال : خلوا ! فوالذي أكرم وجه أبي القاسم صلى الله عليه وسلم لقد رأينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنها لنكاد نرمل بها رملا ، فانبسط القوم . وروى أبو ماجدة عن ابن مسعود قال سألنا نبينا صلى الله عليه سلم عن المشي مع الجنازة فقال : ( دون الخَبَب إن يكن خيرا يعجل إليه ، وإن يكن غير ذلك فبعدا لأهل النار ) الحديث . قال أبو عمر : والذي عليه جماعة العلماء في ذلك الإسراع فوق السجية قليلا ، والعجلة أحب إليهم من الإبطاء . ويكره الإسراع الذي يشق على ضعفة الناس ممن يتبعها . وقال إبراهيم النخعي : بطئوا بها قليلا ولا تدبوا دبيب اليهود والنصارى . وقد تأول قوم الإسراع في حديث أبي هريرة تعجيل الدفن لا المشي ، وليس بشيء لما ذكرنا . وبالله التوفيق .

السادسة : وأما الصلاة عليه فهي واجبة على الكفاية كالجهاد . هذا هو المشهور من مذاهب العلماء : مالك وغيره ؛ لقوله في النجاشي : ( قوموا فصلوا عليه ) . وقال أصبغ : إنها سنة . وروى عن مالك . وسيأتي لهذا المعنى زيادة بيان في " براءة " {[3769]} .

السابعة : وأما دفنه في التراب ودسه وستره فذلك واجب ؛ لقوله تعالى : " فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه " {[3770]} [ المائدة : 31 ] . وهناك يذكر حكم بنيان القبر وما يستحب منه ، وكيفية جعل الميت فيه . ويأتي في " الكهف " حكم بناء المسجد{[3771]} عليه ، إن شاء الله تعالى .

فهذه جملة من أحكام الموتى وما يجب لهم على الأحياء . وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا ) أخرجه مسلم . وفي سنن النسائي عنها أيضا قالت : ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم هالك بسوء فقال : ( لا تذكروا هلكاكم إلا بخير ) .

قوله تعالى : " وإنما توفون أجوركم يوم القيامة " فأجر المؤمن ثواب ، وأجر الكافر عقاب ، ولم يعتد بالنعمة والبلية في الدنيا أجرا وجزاء ؛ لأنها عرصة الفناء . " فمن زحزح عن النار " أي أبعد . " وأدخل الجنة فقد فاز " ظفر بما يرجو ، ونجا مما يخاف . وروى الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من سره أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويأتي إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه ) . عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها اقرؤوا إن شئتم " فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز " ) .

قوله تعالى : " وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور " أي تغر المؤمن وتخدعه فيظن طول البقاء وهي فانية . والمتاع ما يتمتع به وينتفع ، كالفأس والقدر والقصعة ثم يزول ولا يبقى ملكه ، قاله أكثر المفسرين . قال الحسن : كخضرة النبات ، ولعب البنات لا حاصل له . وقال قتادة : هي متاع متروك توشك أن تضمحل بأهلها ، فينبغي للإنسان أن يأخذ من هذا المتاع بطاعة الله سبحانه ما استطاع . ولقد أحسن من قال :

هي الدار دار الأذى والقَذَى *** ودار الفناء ودار الغير{[3772]}

فلو نلتَها بحذافيرها *** لمُتَّ ولم تَقْضِ منها الوَطَر

أيا من يؤمل طول الخلود *** وطول الخلود عليه ضرر

إذا أنت شبت وبان الشباب *** فلا خير في العيش بعد الكبر

والغرور ( بفتح الغين ) الشيطان ، يغر الناس بالتمنية والمواعيد الكاذبة . قال ابن عرفة : الغرور ما رأيت له ظاهرا تحبه ، وفيه باطن مكروه أو مجهول . والشيطان غرور ؛ لأنه يحمل على محاب النفس ، ووراء ذلك ما يسوء . قال : ومن هذا بيع الغرر ، وهو ما كان له ظاهر بيع يغر وباطن مجهول .


[3756]:- كذا في الأصول والتقسيم ثمانية إلا جـ فسبعة وعليها الاعتماد.
[3757]:- مات عبطة: أي شابا صحيحا.
[3758]:- الكف: العيب: والبيت لعمرو بن امرئ القيس، ويقال لقيس بن الخطيم. (عن اللسان).
[3759]:- قوله معطي رأسه، أي ذلول. وناج: سريع. والصهبة: أن يضرب بياضه إلى الحمرة. والمتعيس والأعيس: الأبيض، وهو أفضل ألوان الإبل. والمعنى: سل همومك اللازمة لفراق من تهوى ونأيه عنك بكل بعير ترتحله للسفر.
[3760]:- وصف بعيرا بعظم الجوف، فإذا شد رحله عليه اغتال أحبله (جمع حبل) واستوفاها لعظم جوفه. والاغتيال: الذهاب بالشيء. والمبين: البين الطويل. وزين: زاحم ودفع. والعرندس: الشديد. ويروى: متين عنقه. (عن شرح الشواهد للشنتمري).
[3761]:- الزيادة من جـ و ط و د وهـ.
[3762]:- كذا في كل الأصول.
[3763]:- النمرة (بفتح فكسر): شملة فيها خطوط بيض وسود، أو بردة من صوف تلبسها الأعراب.
[3764]:- الإذخر (بكسر الهمزة): حشيشة طيبة الرائحة، يسقف بها البيوت فوق الخشب.
[3765]:- قوله: سحولية، يروى بفتح السين وضمها، فالفتح منسوب إلى السحول، وهو القصار لأنه يسلحها أي يغسلها، أو إلى سحول وهي قرية باليمن. وأما الضم فهو جمع سحل، وهو الثوب الأبيض النقي: ولا يكون إلا من قطن. والكرسف كعصفر: القطن.
[3766]:- راجع جـ4 ص 110.
[3767]:- المهلة (مثلثة الميم): القيح والصديد الذي يذوب فيسيل من الجسد.
[3768]:- المبرد كمنبر: موضع قرب المدينة.
[3769]:- راجع جـ8 ص 218.
[3770]:- راجع جـ6 ص 141.
[3771]:- راجع جـ10 ص 378.
[3772]:- في جـ: العبر.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ} (185)

قوله تعالى : ( كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) هذه تسلية للرسول صلى الله عليه و سلم والمؤمنين ، سواء في ذلك المؤمنون في زمن النبوة أو المؤمنون في كل زمان ومكان . عن ذلكم إيناس بالغ ومؤثر من الله لعباده المؤمنين الذين يواجهون الأهوال والصحاب ، ويصطدمون في طريقهم بالمعوقات والمثبطات والعراقيل التي يصطنعها المجرمون الكافرون ، سواء من أهل الكتاب أو المشركين أو الملحدين والمرتدين والمنافقين ، إن ذلكم إيناس رباني حكيم يواسي به الله عباده المؤمنين الصالحين ؛ فتهون أمامهم الملمات والنوائب ، وتصغر في حسهم العقبات والشدائد ، يواسيهم الله ويؤنسهم في كلماته العجيبة الباهرة النافذة . كلماته المحببة المصطفاة وهي تسكب في أذهان المسلمين وفي روعهم وقلوبهم فيضا من القناعة والسكينة والراحة ، وتنشر في أعماقهم الرضا بقدر الله الحكيم ، والزهد في مباهج هذه الدنيا الفانية وهو ما يتضح في قوله سبحانه : ( كل نفس ذائقة الموت ) من الذوق وهو اختبار الطعم . والمقصود هنا أن يذوق المرء هذه الجرعة المريرة الرهيبة . وهي جرعة الموت المحدق .

والحقيقة الكونية المذهلة أن الناس كافة لا مناص في حقهم من معاينة الموت . فما من إنسان حيثما كان وكيفما كان لا جرم أنه مفض إلى الأجل المحتوم . . . الموت ! وهذه حقيقة أو نهاية لا مفر منها البتة . فلسوف تفجأ هذه كل الأحياء من البشر سواء فيهم العظماء والحكماء والسلاطين ، أو كانوا من الضعاف والمحكومين والعالة ، أو كانوا من الصغار أو الكبار أو اليافعين ، أو كانوا من المؤمنين والصالحين والأبرار ، أو من المضلين والأشقياء والفجار . إنهم جميعا ملاقوا مصيرهم الذي لا يتخلف . مصير الرحيل عن هذه الدنيا إلى حيث المساءلات والمكاشفات والحساب .

وقوله : ( وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ) يُوفى المؤمنون الصالحون أجورهم على ما قدموه من طاعات وأعمال صالحات يوم القيامة وليس في الدنيا . فإنه لا قيمة ولا وزن لكل مكارم الدنيا و درجاتهما وخيراتها . وإنما الأجر الثابت الباقي لهو في الآخرة حيث الخير والفضل والجزاء السرمد ، وحيث النعيم المقيم الواصب .

وقوله : ( فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ) زُحزح من الزحزحة وهي التنحية والإبعاد . والزحزحة في الأصل : تكرير الزح ، وهو معناه الجذب بعجلة . وزحه ، أي نحاه عن موضعه وجذبه في عجلة{[651]} .

قوله : ( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) المتاع : المنفعة والسلعة والأداة وما تمتعت به من الحوائج . وجمعه أمتعة . وبالضم معناه : الدول والسقاء والزاد القليل والبلغة وما يتمتع به . والمقصود بالمتاع هنا : ما ينتفع به الإنسان ثم يزول فلا يبقى{[652]} .

والغرور ، بالضم وهو الأباطيل والخداع . وهو جمع ومفرد . الغار بالتشديد ، ومعناه الغافل اغتر بالشيء ، أي خدع به . غره غرور ، أي خدعه . والغرور بالفتح معناه الشيطان{[653]} .

ذلك هو شأن الدنيا كما وصفها الله على أنها متاع الغرور . فهي ما يستمتع به المرء في هذه الحياة القصيرة من لذة وزينة ، ما بين طعام يأخذ منه بلغته ، أو شراب يحتسيه فيطفئ غلته ، أو لباس يحويه فيستر جسده وعورته ، إلى غير ذلك من وجوه الملذات والشهوات التي تمضي سراعا والتي تمر مرّ السحاب أو مرّ الزمن بساعاته المتتابعة السريعة . لا جرم أن ذلك هو الغرور ، أي الخداع بذاته ، الخداع الذي يغتر به الإنسان وهو يطوقه الوهم وإعجابه بنفسه ، وتغشى قلبه وفكره سحائب مركومة كثاف من الغفلة والنسيان والاغترار حتى إذا دهمته فاقرة الموت أيقن أن الدنيا سراب وأن كل شيء إلى زوال وتباب .

وبعد ذلك نعرض لجملة أحكام سريعة عن الميت بدءا باحتضاره حتى الدفن في الثرى ، فنقول : يستحب أن يلقن الميت المسلم عند الاحتضار شهادة أن لا إله إلا الله ؛ وذلك للخبر : " لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله " {[654]} لتكون هذه آخر كلامه من الدنيا فيختم له بالشهادة . ويستحب أن يقرأ عنده في هذه الساعة سورة " يس " ؛ وذلك للخبر : " أقرؤوا يس على موتاكم " {[655]} فإذا قضي وأسلم الروح لباريها كان على الناس ممن حوله إغماض عينيه ، وإعلام الصلحاء من المسلمين بموته . ثم يؤخذ بغسله وهو سنة لجميع المسلمين عدا الشهيد في المعترك فإنه لا يغسل . وقيل : غسل الميت واجب ، والأول المشهور .

أما التكفين فهو واجب بغير خلاف . وعلى هذا يكفن الميت من ماله فإن لم يكن له مال قام بتكفين من تلزمه نفقته حال حياته وإلا كفن من بيت المال .

والأصل في وجوب التكفين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية وكذلك كفن مصعب بن عمير يوم أحد بنمرة فكانوا إذا غطوا بها رأسه خرجت رجلاه ، وإذا غطوا بها رجليه خرج رأسه . فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه من الأذخر " واتفقوا على أن الميت يغطى رأسه ويطيب إلا المحرم إذا مات في إحرامه فإنه لا يغطي رأسه ولا يمس طيبا . وهو قول الشافعية ، خلافا للحنفية والمالكية إذ قالوا : المحرم كغير المحرم في تغطية رأسه وتطييبه .

ويستحب الإسراع في المشي مع الجنازة . وصفة الإسراع ما كان فوق السجية قليلا ، والعجلة أفضل من الإبطاء . ويكره الإسراع بما يشق على ضعاف الناس ممن يتبعها . وقد سئل النبي صلى الله عليه و سلم عن صفة المشي مع الجنازة فقال : " أسرعوا بجنائزكم فإنما وهو خير تقدمونه إليه ، أو شر تلقونه عن رقابكم " {[656]} .

أما حكم الصلاة على الجنازة فإنها واجب على الكفاية كالجهاد وصفتها أن يكبر المصلي أربع تكبيرات غير تكبيرة الإحرام ، وهو المشهور من أقوال الفقهاء . وأصل ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم " نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر عليه أربع تكبيرات " {[657]} .

أما دفن الميت في التراب فهو واجب بالإجماع . ودليل ذلك قوله تعالى : ( ألم تجعل الأرض كفانا أحياء وأمواتا ) وقوله تعالى : ( فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه ) .

على أنه يكره تجصيص القبور . وهو قول الشافعية والمالكية خلافا للحنفية فقد أجازوا ذلك ، إلى غير ذلك من أحكام الموتى مما يقع تفصيله في مظانه من كتب الفقه{[658]} .


[651]:- القاموس المحيط جـ 1 ص 234.
[652]:- القاموس المحيط جـ 3 ص 86.
[653]:- القاموس المحيط جـ 2 ص 104 ومختار الصحاح ص 471.
[654]:- رواه مسلم عن أبي هريرة . انظر بلوغ المرام ص 92.
[655]:رواه أبو داود والنسائي عن معقل بن يسار انظر بلوغ المرام ص 92.
[656]:- أخرجه الموطأ بإسناده عن أبي هريرة ص 109.
[657]:-أخرجه الموطأ عن أبي هريرة ص 112.
[658]:- بداية المجتهد لابن رشد جـ 1 ص 191 -206 وتفسير القرطبي جـ 4 ص 298- 301.