الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (46)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ويكلم الناس في المهد}: حجر أمه في الخِرَق طفلا، {و} يكلمهم {كهلا}: إذا اجتمع قبل أن يرفع إلى السماء، {ومن الصالحين}.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

{وَيُكَلّمُ النّاسَ فِي المَهْدِ} أن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم، وجيها عند الله، ومكلما الناس في المهد.

وأما المهد: فإنه يعني به مضجع الصبيّ في رضاعه.

{وَكَهْلاً}: ومحتَنِكا فوق الغلومة ودون الشيخوخة. وإنما عنى جلّ ثناؤه بقوله: {وَيُكَلّمُ النّاسَ فِي المَهْدِ وَكَهْلاً}: ويكلم الناس طفلاً في المهد، دلالة على براءة أمه مما قذفها به المفترون عليها، وحجة له على نبوّته، وبالغا كبيرا بعد احتناكه بوحي الله الذي يوحيه إليه، وأمره ونهيه، وما تقوّل عليه من كتابه. وإنما أخبر الله عزّ وجلّ عباده بذلك من أمر المسيح، وأنه كذلك كان، وإن كان الغالب من أمر الناس أنهم يتكلمون كهولاً وشيوخا، احتجاجا به على القائلين فيه من أهل الكفر بالله من النصارى بالباطل، وأنه كان في معاناة أشياء مولودا طفلاً، ثم كهلاً يتقلّب في الأحداث، ويتغير بمرور الأزمنة عليه والأيام، من صغر إلى كبر، ومن حال إلى حال، وأنه لو كان كما قال الملحدون فيه، كان ذلك غير جائز عليه، فكذب بذلك ما قاله الوفد من أهل نجران، الذين حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، واحتجّ به عليهم لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأعلمهم أنه كان كسائر بني آدم، إلا ما خصه الله به من الكرامة التي أبانه بها منهم. وقال آخرون: معنى قوله: {وَكَهْلاً}: أنه سيكلمهم إذا ظهر... قد كلمهم عيسى في المهد، وسيكلمهم إذا قتل الدجال، وهو يومئذٍ كهل.

{وَمِنَ الصّالِحِينَ}: من عدادهم وأوليائهم لأن أهل الصلاح بعضهم من بعض في الدين والفضل.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{ويكلم الناس في المهد وكهلا} والكهل يكلم الناس؟ قيل لوجهين: الأول: لأن كلامه في المهد آية، والآية لا تدوم كقوله: {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم} الآية [النور: 24]. وإنما يكون ذلك مرة لا أنها تشهد، وتنطق أبدا، فأخبر أن تكليمه الناس في المهد، وإن كان آية، فإنه ليس بالذي يدوم، ولا يكون إلا مرة. والثاني: أمن من الله لمريم وبشارة لها من ولادته إلى وقت كهولته، والله أعلم...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

ويكلم الناس طفلاً وكهلاً. ومعناه: يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء، من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

{ومن الصالحين}... لا رتبة أعظم من كون المرء صالحا، لأنه لا يكون كذلك إلا ويكون في جميع الأفعال والتروك مواظبا على النهج الأصلح، والطريق الأكمل، ومعلوم أن ذلك يتناول جميع المقامات في الدنيا والدين في أفعال القلوب، وفي أفعال الجوارح، فلما ذكر الله تعالى بعض التفاصيل أردفه بهذا الكلام الذي يدل على أرفع الدرجات...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

{ويكلم الناس في المهد وكهلا} وهذا غير التكليم المعتاد، بل المراد يكلم الناس بما فيه صلاحهم وفلاحهم، وهو تكليم المرسلين، ففي هذا إرساله ودعوته الخلق إلى ربهم، وفي تكليمهم في المهد آية عظيمة من آيات الله ينتفع بها المؤمنون، وتكون حجة على المعاندين، أنه رسول رب العالمين، وأنه عبد الله، وليكون نعمة وبراءة لوالدته مما رميت به. {ومن الصالحين} أي: يمن عليه بالصلاح، من من عليهم، ويدخله في جملتهم، وفي هذا عدة بشارات لمريم مع ما تضمن من التنويه بذكر المسيح عليه السلام...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والمهد: شِبْه الصندوق من خشب لا غطاء له يُمهد فيه مَضجع للصبي مدة رضاعه يُوضع فيه لحفظه من السقوط.

وخُص تكليمُه بحالين: حالِ كونه في المَهد، وحالِ كونه كهلاً، مع أنه يتكلّم فيما بين ذلك لأنّ لذَينك الحالين مزيدَ اختصاص بتشريف اللَّه إياه فأما تكليمه الناس في المهد فلأنه خارق عادة إرهاصاً لنبوءته. وأما تكليمهم كهلاً فمراد به دَعوتُه الناس إلى الشريعة. فالتكليم مستعمل في صريحه وفي كنايته باعتبار القرينة المعينة للمعنيين وهي ما تعلق بالفعل من المجرورين.

وعطف عليه {ومن الصالحين}؛ والصالحون الذين صفتهم الصلاح لا تفارقهم، والصلاح استقامة الأعمال وطهارة النفس، قال إبراهيم: {ربِّ هبْ لي من الصالحين} [الصافات: 100].

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

يقول الحق: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ} الكلام: معناه اللفظ الذي ينقل فكر الناطق إلى السامع،... و "المهد "هو ما أعد كفراش للوليد... ولقد أورد الحق {الْمَهْدِ وَكَهْلاً} رمزية لشيء، وهي أن عيسى ابن مريم من الأغيار، يطرأ عليه مرة أن يكون في المهد، ويطرأ عليه مرة أخرى أن يكون كهلا، وما دام في عالم الأغيار فلا يصح أن يفتتن به أحد ليقول إنه "إله" أو "ابن إله"...

{وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ} سر وجود آية المعجزة التي وهبها له الله وهو طفل في المهد. لأن المسألة تعلقت بعِرض أمه وكرامتها وعفتها، فكان من الواجب أن تأتي آية لتمحو عجبا من الناس حين يرونها تلد بدون أب لهذا الوليد أو زواج لها...

{وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً}... أي انه تكلم في المهد طفلاً ويتكلم كهلا أي ناضج التكوين، وبذلك نعرف أن عيسى بن مريم فيه أغيار وفيه أحوال، فإذا كنتم تقولون إنه إله فهل الألوهية في المهد هي الألوهية في الكهولة؟...

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (46)

" ويكلم الناس " عطف على " وجيها " قاله الأخفش أيضا . و " المهد " مضجع الصبي في رضاعه . ومهدت الأمر هيأته ووطأته . وفي التنزيل

" فلأنفسهم يمهدون " {[3103]} [ الروم : 44 ] . وامتهد الشيء ارتفع كما يمتهد سنام البعير . " وكهلا " الكهل بين حال الغلومة وحال الشيخوخة . وامرأة كهلة . واكتهلت الروضة إذا عمها النور . يقول : يكلم الناس في المهد آية ، ويكلمهم كهلا بالوحي والرسالة . وقال أبو العباس : كلمهم في المهد حين برأ أمه فقال : " إني عبد الله " {[3104]} [ مريم : 30 ] الآية . وأما كلامه وهو كهل فإذا أنزله الله تعالى من السماء{[3105]} أنزله على صورة ابن ثلاث وثلاثين سنة وهو الكهل فيقول لهم : " إني عبد الله " كما قال في المهد . فهاتان آيتان وحجتان . قال المهدوي : وفائدة الآية أنه أعلمهم أن عيسى عليه السلام يكلمهم في المهد ويعيش إلى أن يكلمهم كهلا ، إذ كانت العادة أن من تكلم في المهد لم يعش . قال الزجاج : " وكهلا " بمعنى ويكلم الناس كهلا . وقال الفراء والأخفش : هو معطوف على " وجيها " . وقيل : المعنى ويكلم الناس صغيرا وكهلا . وروى ابن جريح عن مجاهد قال : الكهل الحليم . قال النحاس : هذا لا يعرف في اللغة ، وإنما الكهل عند أهل اللغة من ناهز الأربعين . وقال بعضهم : يقال له حدث إلى ست عشرة سنة . ثم شاب إلى اثنتين وثلاثين . ثم يكتهل في ثلاث وثلاثين ، قاله الأخفش . " ومن الصالحين " عطف على " وجيها " أي وهو من العباد الصالحين . ذكر أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن إدريس عن حصين عن هلال بن يساف . قال : لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : عيسى وصاحب يوسف وصاحب جريج ، كذا قال : " وصاحب يوسف " . وهو في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لم يتكلم في المد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم وصاحب جريج وصاحب الجبار وبيْنا صبي يرضع من أمه ) وذكر الحديث بطوله{[3106]} . وقد جاء من حديث صهيب في قصة الأخدود ( أن امرأة جيء بها لتلقى في النار على إيمانها ومعها صبي ) . في غير كتاب مسلم ( يرضع فتقاعست أن تقع فيها فقال الغلام : يا أمه اصبري فإنك على الحق ) . وقال الضحاك : تكلم في المهد ستة : شاهد يوسف ، وصبي ماشطة امرأة فرعون ، وعيسى ويحيى ، وصاحب جريج ، وصاحب الجَبّار . ولم يذكر الأخدود ، فأسقط صاحب الأخدود وبه يكون المتكلمون سبعة . ولا معارضة بين هذا وبين قوله عليه السلام : ( لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة ) بالحصر فإنه أخبر بما كان في علمه مما أوحى إليه في تلك الحال ، ثم بعد هذا أعلمه الله تعالى بما شاء من ذلك فأخبر به .

قلت : أما صاحب يوسف فيأتي الكلام فيه ، وأما صاحب جريج وصاحب الجبار وصاحب الأخدود ففي صحيح مسلم . وستأتي قصة الأخدود في سورة " البروج " {[3107]} إن شاء الله تعالى . وأما صبي ماشطة امرأة فرعون ، فذكر البيهقي عن ابن عباس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لما أسري بي سرت في رائحة طيبة فقلت : ما هذه الرائحة ؟ قالوا : ماشطة ابنة فرعون وأولادها سقط مشطها من يديها فقالت : بسم الله فقالت ابنة فرعون : أبي ؟ قالت : ربي وربك ورب أبيك . قالت : أوَلكِ رب غير أبي ؟ قالت : نعم ربي وربك ورب أبيك الله - قال - فدعاها فرعون فقال : ألك رب غيري ؟ قالت : نعم ربي وربك الله - قال - فأمر بنقرة من نحاس فأحميت ثم أمر بها لتلقى فيها قالت : إن لي إليك حاجة قال : ما هي ؟ قالت : تجمع عظامي وعظام ولدي في موضع واحد قال : ذاك لك لما لك علينا من الحق . فأمر{[3108]} بهم فألقوا واحدا بعد واحد حتى بلغ رضيعا فيهم فقال قعي يا أمه ولا تقاعسي فإنا على الحق - قال - وتكلم أربعة وهم صغار : هذا وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى بن مريم .


[3103]:- راجع القرطبي جـ14 ص 44.
[3104]:- راجع جـ11 ص 102.
[3105]:- الزيادة عن البحر لأبي حيان.
[3106]:- راجع صحيح مسلم جـ2 ص 276 طبع بولاق راجع جـ19.
[3107]:- راجع جـ19 ص 284.
[3108]:- يبدو هنا سقط في كل الأصول، فقوله: واحدا بعد واحد من قصة أصحاب الأخدود لا صلة له بما قبله. راجع جـ19 ص 286.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (46)

وقوله : ( ويكلم الناس في المهد وكهلا ) ( في المهد ) يعني في مضجع الصبي في حال رضاعه . ( وكهلا ) ، أي بين حال الغلومة وحال الشيخوخة . وكلامه للناس هو دعوتهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له في حال صغره . وهذه معجزة تشهد على صدق نبوة عيسى عليه السلام ، وأنه عبد من عباد الله المقربين الصالحين الذين اصطفاهم على سائر البشر لحمل رسالة الله وتبليغها للناس .