تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
ثم ذكرهم النعم، فقال سبحانه: {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا}، تسكنون فيه،
{وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا}، يعني: مما على جلودها من أصوافها، وأوبارها، وأشعارها، تتخذون منها بيوتا، يعني: الأبنية، والخيم، والفساطيط، وغيرها،
{يوم ظعنكم}، يعني: حين رحلتكم وأسفاركم، وتستخفونها،
{ويوم إقامتكم}، حين تقيمون في الأسفار وتستخفونها، يعني: الأبيات التي تتخذونها، ولا يشق عليكم ضرب الأبنية،
ثم قال سبحانه: {ومن أصوافها}، يعني: الضأن،
{أثاثا}، يعني: الثياب التي تتخذ منها،
{ومتاعا إلى حين}، يعني: بلاغا إلى أن تبلى.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره:"وَاللّهُ جَعَلَ لَكُمْ" أيها الناس، "مِنْ بُيُوتِكُمْ "التي هي من الحجر والمدر، "سَكَنا" تسكنون أيام مقامكم في دوركم وبلادكم. "وَجَعَلَ لَكُمْ مِن جُلُودِ الأَنْعامِ بُيُوتا"، وهي البيوت من الأنطاع والفساطيط من الشعر والصوف والوبر. "تَسْتَخِفّوَنها"، يقول: تستخفون حملها ونقلها، {يَوْمَ ظَعْنِكُمْ}، من بلادكم وأمصاركم لأسفاركم، {وَيَوْمَ إقامَتِكُمْ}، في بلادكم وأمصاركم. "وَمِنْ أصْوَافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثا"...
وأما الأشعار: فجمع شَعْر، تثقل عينه وتخفف، وواحد الشّعْر: شَعْرة. وأما الأثاث: فإنه متاع البيت... عن ابن عباس، قوله: "أثاثا"، يعني بالأثاث: المال...
وقوله: {وَمَتاعا إلى حِينٍ}، فإنه يعني: أنه جعل ذلك لهم بلاغا، يتبلّغون ويكتفون به إلى حين آجالهم للموت.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
ظاهر هذا أنه قد جعل لنا من البيوت أيضا ما ليس بسكن؛ لأنه قال: {جعل لكم من بيوتكم سكنا}، هو ما ذكر في قوله: {ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة} (النور: 29)، وهو كالمساجد والرِّبَاطَات وغيرها...
ويشبه أن يكون ذكر هذا ليعرفوا عظيم مننه ونعمه حين جعل الأرض بمحل، يقرون عليها، ويمكن لهم المقام بها بالرواسي التي ذكر أنه أثبتها فيها بعد ما كانت تميد بهم، ولا يقرون عليها...
{جعل لكم من بيوتكم سكنا}، يحتمل وجهين:
أحدهما: أي: سخر الأرض حتى قدرتم على اتخاذ المساكن فيها، تسكنون فيها. والثاني: جعل لكم بيوتا، أي: علمكم ما تبنون فيها من البيوت، ما لولا تعليمه إياكم ما تقدرون على بناء البيوت فيها، يذكر منته عليهم، والله أعلم...
{تستخفونها يوم ظعنكم}، قيل: ليوم سفركم وسيركم...
قال بعض أهل التأويل: في المصر، وقال بعضهم: في السفر حين النزول...
والجَعْلُ في هذا يحتمل الوجهين...
ذكر سبحانه وتعالى في البيوت المتخذة من المدر السكنى، حين قال: {من بيوتكم سكنا}، ولم يذكر في البيوت المتخذة من الجلود والأوبار والأشعار. فكأنه ترك ذكره في هذا لذكره في الأول تصريح، وذكر في الثاني: ذكر دلالة...
{أثاثا}، قيل: الأثاث والرياش واحد، وهو المال، وقيل: ما يتخذ من الثياب والأمتعة...
{ومتاعا إلى حين}، يحتمل {إلى حين}: إلى وقت يَبْلَى ذلك الأثاث، أو {إلى حين}: وقت فنائهم...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
هذه آية تعديد نعمة الله على الناس في البيوت، فذكر أولاً بيوت التمدن: وهي التي للإقامة الطويلة، وهي أعظم بيوت الإنسان، وإن كان الوصف ب {سكناً} يعم جميع البيوت، والسكن مصدر يوصف به الواحد، ومعناه: يسكن فيها وإليها... ثم ذكر تعالى بيوت النقلة والرحلة... ولم تكن بلادهم بلاد قطن وكتان؛ فلذلك اقتصر على هذه، ويحتمل أن ترك ذلك القطن والحرير والكتان إعراضاً، والكتان في لفظ السرابيل...
أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :
قَوْله تَعَالَى: {سَكَنًا}: يَعْنِي: مَحَلًّا تَسْكُنُونَ فِيهِ، وَتَهْدَأُ جَوَارِحُكُمْ عَن الْحَرَكَةِ، وَقَدْ تَتَحَرَّكُ فِيهِ، وَتَسْكُنُ فِي غَيْرِهِ، إلَّا أَنَّ الْقَوْلَ خَرَجَ فِيهِ عَلَى غَالِبِ الْحَالِ، وَهُوَ أَنَّ الْحَرَكَةَ تَكُونُ فِيمَا خَرَجَ عَن الْبَيْتِ، فَإِذَا عَادَ الْمَرْءُ إلَيْهِ سَكَنَ. وَبِهَذَا سُمِّيَتْ مَسَاكِنُ؛ لِوُجُودِ السُّكُونِ فِيهَا فِي الْأَغْلَبِ، وَعُدَّ هَذَا فِي جُمْلَةِ النِّعَمِ، فَإِنَّهُ لَوْ خُلِقَ الْعَبْدُ مُضْطَرِبًا أَبَدًا كَالْأَفْلَاكِ لَكَانَ ذَلِكَ كَمَا خُلِقَ وَأَرَادَ، وَلَوْ خُلِقَ سَاكِنًا كَالْأَرْضِ لَكَانَ كَمَا خُلِقَ وَأَرَادَ، وَلَكِنَّهُ أَوْجَدَهُ خَلْقًا يَتَصَرَّفُ بِالْوَجْهَيْنِ، وَيَخْتَلِفُ حَالُهُ بَيْنَ الْحَالَيْنِ، وَرَدَّدَهُ بَيْنَ كَيْفَ وَأَيْنَ...
أَذِنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِالِانْتِفَاعِ بِصُوفِ الْغَنَمِ، وَوَبَرِ الْإِبِلِ، وَشَعْرِ الْمَعْزِ، كَمَا أَذِنَ فِي الْأَعْظَمِ، وَهُوَ ذَبْحُهَا وَأَكْلُ لُحُومِهَا. كَمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَ لَنَا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا، وَعَلِمَ كَيْفِيَّةَ الِانْتِفَاعِ بِهَا...
{أَثَاثًا}: هُوَ كُلُّ مَا يَحْتَاجُ الْمَرْءُ إلَى اسْتِعْمَالِهِ من آلَةٍ، وَيَفْتَقِرُ إلَيْهِ فِي تَصْرِيفِ مَنَافِعِهِ من حَاجَةٍ، وَمِنْهُ أَثَاثُ الْبَيْتِ، وَأَصْلُهُ من الْكَثْرَةِ، يُقَالُ: أَثَّ النَّبْتُ يَئِثُّ، إذَا كَثُرَ، وَكَذَلِكَ الشَّعْرُ يُقَالُ: شَعْرٌ أَثِيثٌ، إذَا كَانَ كَثِيرًا مُلْتَفًّا...
{وَمَتَاعًا}: وَهُوَ كُلُّ مَا انْتَفَعَ بِهِ الْمَرْءُ فِي مَصَالِحِهِ، وَصَرَفَهُ فِي حَوَائِجِهِ، يُقَالُ: تَمَتَّعَ الرَّجُلُ بِمَالِهِ إذَا نَالَ لَذَّتَهُ، وَبِبَدَنِهِ إذَا وَجَدَ صِحَّتَهُ، وَبِأَهْلِهِ إذَا أَصَابَ حَاجَتَهُ، وَبِبَنِيهِ إذَا ظَهَرَ بِنُصْرَتِهِمْ، وَبِجِيرَتِهِ إذَا رَأَى مَنْفَعَتَهُمْ...
{وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا}: وَلَمْ يَذْكُرْ الْقُطْنَ وَلَا الْكَتَّانَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ، وَإِنَّمَا عَدَّدَ عَلَيْهِمْ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَخُوطِبُوا فِيمَا عَرَفُوا بِمَا فَهِمُوا، وَمَا قَامَ مَقَامَ هَذِهِ وَنَابَ مَنَابَهَا يَدْخُلُ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَالنِّعْمَةِ مَدْخَلَهَا، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: {وَيُنَزِّلُ من السَّمَاءِ من جِبَالٍ فِيهَا من بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشَاءُ}؛ فَخَاطَبَهُمْ بِالْبَرَدِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ نُزُولَهُ كَثِيرًا عِنْدَهُمْ، وَسَكَتَ عَنْ ذِكْرِ الثَّلْجِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي بِلَادِهِمْ، وَهُوَ مِثْلُهُ فِي الصِّفَةِ وَالْمَنْفَعَةِ، وَقَدْ ذَكَرَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعًا فِي التَّطْهِيرِ فَقَالَ: (اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي بِمَاءٍ وَثَلْجٍ وَبَرَدٍ، وَنَقِّنِي من الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ الدَّنِسُ بِالْمَاءِ)...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما ذكرهم سبحانه بنعمة الإدراك بعد ابتداء الخلق، وأتبعه ما منّ به على الطير من الارتفاع الحامي لها من الحر، أتبعه ما يسكنون إليه، فيظلهم ويجمعهم؛ لأنه أهم الأشياء للحيوان، فقال تعالى: {والله}، أي: الذي له الحكمة البالغة والقدرة الشاملة، {جعل لكم}، أي: أيها الغافلون، {من بيوتكم}، أصل البيت المأوى ليلاً، ثم اتسع فيه، {سكناً}، هو مصدر بمعنى مفعول، ولم يسلط عليكم فيها الحشرات والوحوش كما سلطكم عليهم؛ ثم أتبع ما يخص الحضر ما يصلح له، وللسفر بما ميزهم به عن الطير وغيرها من سائر الحيوانات، فقال تعالى: {وجعل لكم}، أي: إنعاماً عليكم، {من جلود الأنعام}، التي سلطكم عليها.
ولما كانت الخيام، التي من جلود الأنعام، في ظلها الظليل تقارب بيوت القرى، جمعها جمعاً، فقال تعالى: {بيوتاً}، فإنهم قالوا: إن هذا الجمع بالمسكن أخص، والأبيات بالشعر أخص، {تستخفونها}، أي: تطالبون بالاصطناع خفها، فتجدونها كذلك، {يوم ظعنكم}، أي: وقت ارتحالكم، وعبر به لأنه في النهار أكثر، {ويوم إقامتكم}، ثم أتبعه ما به كمال السكن، فقال تعالى: {ومن أصوافها}، أي: الضأن منها، {وأوبارها}، وهي: للإبل، كالصوف للغنم، {وأشعارها}، وهي: ما كان من المعز ونحوه، من المساكن والملابس والمفارش والأخبية وغيرها، {أثاثاً}، أي: متاعاً من متاع البيت كثيراً، من قولهم: شهر أثيث أي كثير، وأث النبت. إذا كثر {ومتاعاً} تتمتعون به {إلى حين}، أي: وقت غير معين، بحسب كل إنسان في فقد ذلك، وأعرض عن ذكر الحرير والكتان والقطن؛ لأنها لم تكن من صناعتهم، وإشارة إلى الاقتصاد وعدم الإسراف.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ويخطو السياق خطوة أخرى في أسرار الخلق وآثار القدرة ومظاهر النعمة، يدخل بها إلى بيوت القوم وما يسر لهم فيها وحولها من سكن ومتاع وأكنان وظلال!... والسكن والطمأنينة في البيوت نعمة لا يقدرها حق قدرها إلا المشردون الذين لا بيوت لهم ولا سكن ولا طمأنينة. وذكرها في السياق يجيء بعد الحديث عن الغيب، وظل السكن ليس غريبا عن ظل الغيب، فكلاهما فيه خفاء وستر. والتذكير بالسكن يمس المشاعر الغافلة عن قيمة هذه النعمة...
ونستطرد هنا إلى شيء عن نظرة الإسلام إلى البيت، بمناسبة هذا التعبير الموحي: (والله جعل لكم من بيوتكم سكنا).. فهكذا يريد الإسلام البيت مكانا للسكينة النفسية والاطمئنان الشعوري. هكذا يريده مريحا تطمئن إليه النفس وتسكن وتأمن سواء بكفايته المادية للسكنى والراحة، أو باطمئنان من فيه بعضهم لبعض، ويسكن من فيه كل إلى الآخر. فليس البيت مكانا للنزاع والشقاق والخصام، إنما هو مبيت وسكن وأمن واطمئنان وسلام...
ومن ثم يضمن الإسلام للبيت حرمته، ليضمن له أمنه وسلامه واطمئنانه. فلا يدخله داخل إلا بعد الاستئذان، ولا يقتحمه أحد -بغير حق- باسم السلطان، ولا يتطلع أحد على من فيه لسبب من الأسباب، ولا يتجسس أحد على أهله في غفلة منهم أو غيبة، فيروع أمنهم، ويخل بالسكن الذي يريده الإسلام للبيوت، ويعبر عنه ذلك التعبير الجميل العميق!... ولأن المشهد مشهد بيوت وأكنان وسرابيل، فإن السياق يعرض من الأنعام جانبها الذي يتناسق مع مفردات المشهد: (وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين). وهو هنا كذلك يستعرض من نعمة الأنعام ما يلبي الضرورات وما يلبي الأشواق، فيذكر المتاع، إلى جانب الأثاث. والمتاع ولو أنه يطلق على ما في الأرحال من فرش وأغطية وأدوات، إلا أنه يشي بالتمتع والارتياح...
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
ونبه كتاب الله إلى أن الوظيفة الأساسية التي يرمي إليها الإسلام من تأسيس البيوت لإقامة الأسر والعائلات، هي: الحصول على نوع خاص من الحياة يتميز عن كل ما عداه بالسكينة والهدوء والطمأنينة وراحة البال، ولن يؤدي البيت هذه الوظيفة الحيوية إلا إذا كان مستوفيا لشرائط الراحة والانسجام، ماديا وروحيا، وإلا إذا كان أعضاؤه المتساكنون فيه على غاية الوفاق والوئام، وفي مأمن من عوامل الشقاق والخصام، وإلى هذا المعنى الدقيق الرقيق يشير قوله تعالى: {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا}، ويزيد هذا المعنى توضيحا وتحليلا، قوله تعالى في سورة الروم: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} [الآية: 21]. وهي سياق امتنان الله على عباده بما آتاهم من أسر وبيوت، وبنين وحفدة، عرض كتاب الله جملة من النعم التي هي شرط أساسي لحياة الأسرة وسعادة البيت، مما يتوقف عليه كل إنسان في الحر والقر، في الظعن والإقامة، في السلم والحرب...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
... ثم تتحرك الجولة القرآنية في آفاق حياة الناس لتدلهم على آثار نعمة الله فيها، فتدخل إلى بيوتهم، وإلى ما يسّره الله لهم من طمأنينة العيش وراحته فيها، {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً}، يتخفف الإنسان فيها من جهد العمل، وتعب التنقل، ويحس فيها بأنه يسكن إلى أرض وسقف يتحقق له فيها الكثير من السكينة والطمأنينة وراحة الروح والجسد. ولعلّ هذه المشاعر التي يستوحيها الإنسان من كلمة السكن، ومن معنى البيت في الواقع، لا يفهمها إلا الذين يفقدون البيت، وينتقلون باستمرار من مكانٍ إلى مكان في دوّامةٍ من عدم الاستقرار...
وقيمة البيت لا تتعلق بالجدران التي تحوطه والسقف الذي يظله، بل في ما يتضمنه معنى السكن في داخله، من حرمة معنوية جعلها الله له، إذ حرم الله على الآخرين دخوله دون إذن صاحبه، والتلصص عليه، والتجسس على ما في داخله، وأحلّ لصاحبه مواجهة كل من يحاول الاعتداء عليه بأيّ شكلٍ من الأشكال؛ لأن الله يريد للإنسان أن يكون البيت ساحةً مغلقةً يمارس فيها خصوصياته الذاتية والعائلية في الحدود التي أراد الله له فيها أن يعيش حريته الخاصة...
لذا فإن خلق الله للأنعام التي يصنعون من جلودها البيوت الخفيفة المتنقلة تعد نعمة في هذا المجال، {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ}، والأنعام نعمة أيضاً لجهة ما يصنعه الناس من صوفها ووبرها وشعرها من فراش وثياب ورياش يتناسب مع الحياة الداخلية في أجواء البيت وأهله...
{ والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين }
فيه عشر{[9995]} مسائل :
الأولى : قوله تعالى : " جعل لكم " ، معناه : صير . وكل ما علاك فأظلك فهو سقف وسماء ، وكل ما أقلك فهو أرض ، وكل ما سترك من جهاتك الأربع فهو جدار ، فإذا انتظمت واتصلت فهو بيت . وهذه الآية فيها تعديد نعم الله تعالى على الناس في البيوت ، فذكر أولا بيوت المدن وهي التي للإقامة الطويلة . وقوله : " سكنا " ، أي : تسكنون فيها وتهدأ جوارحكم من الحركة ، وقد تتحرك فيه وتسكن في غيره ، إلا أن القول خرج على الغالب . وعد هذا في جملة النعم ، فإنه لو شاء خلق العبد مضطربا أبدا كالأفلاك لكان ذلك كما خلق وأراد ، لو خلقه ساكنا كالأرض لكان كما خلق وأراد ، ولكنه أوجده خلقا يتصرف للوجهين ، ويختلف حاله بين الحالتين ، وَرَدَّدَهُ بَيْنَ كيفَ وأينَ . والسكن مصدر يوصف به الواحد والجمع . ثم ذكر تعالى بيوت النقلة والرحلة وهي :
الثانية : فقال : " وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها " ، أي : من الأنطاع والأدم . " بيوتا " ، يعني : الخيام والقباب يخف عليكم حملها في الأسفار . " يوم ظعنكم " ، الظعن : سير البادية في الانتجاع{[9996]} والتحول من موضع إلى موضع ، ومنه قول عنترة :
ظَعَنَ الذين فراقُهم أتَوَقَّعُ *** وجَرَى بَيْنَهم الغراب الأَبْقَعُ
ألا هل هاجَك الأظعانُ إذ بانوا *** وإذ جادت بِوَشْكِ البينِ غِرْبَانُ
وقرئ بإسكان العين وفتحها كالشعر والشعر . وقيل : يحتمل أن يعم بيوت الأدم وبيوت الشعر وبيوت الصوف ؛ لأن هذه من الجلود لكونها نابتة فيها ، نحا إلى ذلك ابن سلام . وهو احتمال حسن ، ويكون قوله : " ومن أصوافها " ، ابتداء كلام ، كأنه قال : جعل أثاثا ، يريد الملابس والوطاء ، وغير ذلك ، قال الشاعر :
أَهَاجَتْكَ الظَّعَائِنُ يوم بَانوا *** بذي الزِّيِّ الجميل من الأثاث
ويحتمل أن يريد بقوله : " من جلود الأنعام " ، بيوت الأدم فقط كما قدمناه أولا . ويكون قوله : " ومن أصوافها " ، عطفا على قوله : " من جلود الأنعام " ، أي : جعل بيوتا أيضا . قال ابن العربي : وهذا أمر انتشر في تلك الديار ، وعريت عنه بلادنا ، فلا تضرب الأخبية عندنا إلا من الكتان والصوف ، وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم قبة من أدم ، وناهيك من أدم الطائف غلاء في القيمة ، واعتلاء في الصنعة ، وحسنا في البشرة ، ولم يعد ذلك صلى الله عليه وسلم ترفا ولا رآه سرفا ؛ لأنه مما امتن الله سبحانه من نعمته وأذن فيه من متاعه ، وظهرت وجوه منفعته في الاكتنان والاستظلال الذي لا يقدر على الخروج عنه جنس الإنسان . ومن غريب ما جرى أني زرت بعض المتزهدين من الغافلين مع بعض المحدثين ، فدخلنا عليه في خباء كتان ، فعرض عليه صاحبي المحدث أن يحمله إلى منزله ضيفا ، وقال : إن هذا موضع يكثر فيه الحر ، والبيت أرفق بك وأطيب لنفسي فيك ، فقال : هذا الخباء لنا كثير ، وكان في صنعنا من الحقير ، فقلت : ليس كما زعمت ، فقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو رئيس الزهاد ، قبة من أدم طائفي ، يسافر معها ويستظل بها ، فبهت ، ورأيته على منزلة من العي ، فتركته مع صاحبي وخرجت عنه .
الثالثة : قوله تعالى : " ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها " ، أذن الله سبحانه بالانتفاع بصوف الغنم ووبر الإبل وشعر المعز ، كما أذن في الأعظم ، وهو ذبحها وأكل لحومها ، ولم يذكر القطن والكتان ؛ لأنه لم يكن في بلاد العرب المخاطبين به ، وإنما عدد عليهم ما أنعم به عليهم ، وخوطبوا فيما عرفوا بما فهموا . وما قام مقام هذه وناب منابها فيدخل في الاستعمال والنعمة مدخلها ، وهذا كقوله تعالى : " وينزل من السماء من جبال فيها من برد{[9997]} " [ النور : 43 ] ؛ فخاطبهم بالبرد لأنهم كانوا يعرفون نزوله كثيرا عندهم ، وسكت عن ذكر الثلج ؛ لأنه لم يكن في بلادهم ، وهو مثله في الصفة والمنفعة ، وقد ذكرهما النبي صلى الله عليه وسلم معا في التطهير ، فقال : ( اللهم اغسلني بماء وثلج وبرد ) . قال ابن عباس : الثلج : شيء أبيض ينزل من السماء وما رأيته قط . وقيل : إن ترك ذكر القطن والكتان إنما كان إعراضا عن الترف ؛ إذ ملبس عباد الله الصالحين إنما هو الصوف . وهذا فيه نظر ، فإنه سبحانه يقول : " يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم " ، حسبما تقدم بيانه في " الأعراف " {[9998]} [ الأعراف : 26 ] ، وقال هنا : " وجعل لكم سرابيل " ، فأشار إلى القطن والكتان في لفظة " سرابيل " ، والله أعلم . و " أثاثا " ، قال الخليل : متاعا منضما بعضه إلى بعض ، من أث : إذا كثر . قال :
وفرعٍ يزين المَتْنَ أسودَ فاحِمٍ *** أثيثٍ كقِنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ{[9999]}
ابن عباس : " أثاثا " : ثيابا .
وتضمنت هذه الآية جواز الانتفاع بالأصواف والأوبار والأشعار على كل حال ، ولذلك قال أصحابنا : صوف الميتة وشعرها طاهر يجوز الانتفاع به على كل حال ، ويغسل مخافة أن يكون علق به وسخ ، وكذلك روت أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا بأس بجلد الميتة إذا دبغ ، وصوفها وشعرها إذا غسل ){[10000]} ؛ لأنه مما لا يحله الموت ، سواء كان شعر ما يؤكل لحمه أو لا ، كشعر ابن آدم والخنزير ، فإنه طاهر كله ، وبه قال أبو حنيفة ، ولكنه زاد علينا فقال : القرن والسن والعظم مثل الشعر ، قال : لأن هذه الأشياء كلها لا روح فيها ، لا تنجس بموت الحيوان . وقال الحسن البصري والليث بن سعد والأوزاعي : إن الشعور كلها نجسة ، ولكنها تطهر بالغسل . وعن الشافعي ثلاث روايات : الأولى : طاهرة لا تنجس بالموت . الثانية : تنجس . الثالثة : الفرق بين شعر ابن آدم وغيره ، فشعر ابن آدم طاهر وما عداه نجس . ودليلنا عموم قوله تعالى : " ومن أصوافها " ، الآية . فمن علينا بأن جعل لنا الانتفاع بها ، ولم يخص شعر الميتة من المذكاة ، فهو عموم ، إلا أن يمنع منه دليل . وأيضا فإن الأصل كونها طاهرة قبل الموت بإجماع ، فمن زعم أنه انتقل إلى نجاسة فعليه الدليل . فإن قيل قوله : " حرمت عليكم الميتة{[10001]} " [ المائدة : 3 ] ، وذلك عبارة عن الجملة . قلنا : نخصه بما ذكرنا ؛ فإنه منصوص عليه في ذكر الصوف ، وليس في آيتكم ذكره صريحا ، فكان دليلنا أولى . والله أعلم .
وقد عول الشيخ الإمام أبو إسحاق إمام الشافعية ببغداد على أن الشعر جزء متصل بالحيوان خِلقة ، فهو ينمي بنمائه ويتنجس بموته كسائر الأجزاء . وأجيب بأن الماء ليس بدليل على الحياة ؛ لأن النبات ينمى وليس بحي . وإذا عولوا على النماء المتصل لما على الحيوان عولنا نحن على الإبانة التي تدل على عدم الإحساس الذي يدل على عدم الحياة . وأما ما ذكره الحنفيون في العظم والسن والقرن أنه مثل الشعر ، فالمشهور عندنا أن ذلك نجس كاللحم . وقال ابن وهب مثل قول أبي حنيفة . ولنا قول ثالث : هل تلحق أطراف القرون والأظلاف بأصولها أو بالشعر ، قولان . وكذلك الشعريّ من الريش حكمه حكم الشعر ، والعظمي منه حكمه حكمُه . ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تنتفعوا من الميتة بشيء ) ، وهذا عام فيها وفي كل جزء منها ، إلا ما قام دليله ، ومن الدليل القاطع على ذلك قوله تعالى : " قال من يحيي العظام وهي رميم{[10002]} " [ يس : 78 ] ، وقال تعالى : " وانظر إلى العظام كيف ننشزها{[10003]} " [ البقرة : 259 ] ، وقال : " فكسونا العظام لحما{[10004]} " [ المؤمنون : 14 ] ، وقال : " أئذا كنا عظاما نخرة{[10005]} " [ النازعات : 11 ] ، فالأصل هي العظام ، والروح والحياة فيها كما في اللحم والجلد . وفي حديث عبدالله بن عكيم : ( لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ) . فإن قيل : قد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شاة ميمونة : ( ألا انتفعتم بجلدها ) ؟ فقالوا : يا رسول الله ، إنها ميتة . فقال : ( إنما حرم أكلها ) ، والعظم لا يؤكل . قلنا : العظم يؤكل ، وخاصة عظم الحمل{[10006]} الرضيع ، والجدي والطير ، وعظم الكبير يشوى ويؤكل . وما ذكرناه قبل يدل على وجود الحياة فيه ، وما كان طاهرا بالحياة ويستباح بالذكاة ينجس بالموت . والله أعلم .
الرابعة : قوله تعالى : " من جلود الأنعام " ، عام في جلد الحي والميت ، فيجوز الانتفاع بجلود الميتة وإن لم تدبغ ، وبه قال ابن شهاب الزهري والليث بن سعد . قال الطحاوي : لم نجد عن أحد من الفقهاء جواز بيع جلد الميتة قبل الدباغ إلا عن الليث . قال أبو عمر : يعني من الفقهاء أئمة الفتوى بالأمصار بعد التابعين ، وأما ابن شهاب فذلك عنه صحيح ، وهو قول أباه جمهور أهل العلم . وقد روي عنهما خلاف هذا القول ، والأول أشهر .
قلت : قد ذكر الدارقطني في سننه حديث يحيى بن أيوب عن يونس وعقيل عن الزهري ، وحديث بقية عن الزبيدي ، وحديث محمد بن كثير العبدي وأبي سلمة المنقري عن سليمان بن كثير عن الزهري ، وقال في آخرها : هذه أسانيد صحاح .
السادسة : اختلف العلماء في جلد الميتة إذا دبغ هل يطهر أم لا ، فذكر ابن عبدالحكم عن مالك ما يشبه مذهب ابن شهاب في ذلك . وذكره ابن خويز منداد في كتابه عن ابن عبد الحكم أيضا . قال ابن خويز منداد : وهو قول الزهري والليث . قال : والظاهر من مذهب مالك ما ذكره ابن عبد الحكم ، وهو أن الدباغ لا يطهر جلد الميتة ، ولكن يبيح الانتفاع به في الأشياء اليابسة ، ولا يصلى عليه ولا يؤكل فيه . وفي المدونة لابن القاسم : من اغتصب جلد ميتة غير مدبوغ فأتلفه كان عليه قيمته . وحكى أن ذلك قول مالك . وذكر أبو الفرج أن مالكا قال : من اغتصب لرجل جلد ميتة غير مدبوغ فلا شيء عليه . قال إسماعيل : إلا أن يكون لمجوسي . وروى ابن وهب ، وابن عبد الحكم عن مالك جواز بيعه ، وهذا في جلد كل ميتة إلا الخنزير وحده ؛ لأن الزكاة لا تعمل فيه ، فالدباغ أولى . قال أبو عمر : وكل جلد ذكي فجائز استعماله للوضوء وغيره . وكان مالك يكره الوضوء في إناء جلد الميتة بعد الدباغ على اختلاف من قوله ، ومرة قال : إنه لم يكرهه إلا في خاصة نفسه ، وتكره الصلاة عليه وبيعه ، وتابعه على ذلك جماعة من أصحابه . وأما أكثر المدنيين فعلى إباحة ذلك وإجازته ؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أيما إهاب دبغ فقد طهر ) . وعلى هذا أكثر أهل الحجاز والعراق من أهل الفقه والحديث ، وهو اختيار ابن وهب .
السابعة : ذهب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه إلى أنه لا يجوز الانتفاع بجلود الميتة في شيء وإن دبغت ؛ لأنها كلحم الميتة . والأخبار بالانتفاع بعد الدباغ ترد قوله . واحتج بحديث عبد الله بن عكيم - رواه أبو داود - قال : قرئ علينا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأرض جهينة وأنا غلام شاب : ( ألا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ) . وفي رواية : قبل موته بشهر{[10007]} . رواه القاسم بن مخيمرة ، عن عبد الله بن عكيم ، قال : حدثنا مشيخة لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليهم . . قال داود بن علي : سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث ، فضعفه وقال : ليس بشيء ، إنما يقول حدثني الأشياخ ، قال أبو عمر : ولو كان ثابتا لاحتمل أن يكون مخالفا للأحاديث المروية عن ابن عباس وعائشة وسلمة بن المحبق وغيرهم ، لأنه جائز أن يكون معنى حديث ابن عكيم ( ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ) قبل الدباغ ، وإذا احتمل ألا يكون مخالفا فليس لنا أن نجعله مخالفا ، وعلينا أن نستعمل الخبرين ما أمكن ، وحديث عبد الله بن عكيم وإن كان قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بشهر كما جاء في الخبر ، فيمكن أن تكون قصة ميمونة وسماع ابن عباس منه ( أيما إهاب دبغ فقد طهر ) قبل موته بجمعة أو دون جمعة ، والله أعلم .
الثامنة : المشهور عندنا أن جلد الخنزير لا يدخل في الحديث ولا يتناوله العموم ، وكذلك الكلب عند الشافعي . وعند الأوزاعي وأبي ثور : لا يطهر بالدباغ إلا جلد ما يؤكل لحمه . وروى معن بن عيسى ، عن مالك أنه سئل عن جلد الخنزير إذا دبغ فكرهه . قال ابن وضاح : وسمعت سحنونا يقول : لا بأس به ، وكذلك قال محمد بن عبد الحكم ، وداود بن علي وأصحابه ؛ لقوله عليه السلام : ( أيما مسك{[10008]} دبغ فقد طهر ) . قال أبو عمر : يحتمل أن يكون أراد بهذا القول عموم الجلود المعهود الانتفاع بها ، فأما الخنزير فلم يدخل في المعنى ؛ لأنه غير معهود الانتفاع بجلده ، إذ لا تعمل فيه الذكاة . ودليل آخر ، وهو ما قاله النضر بن شميل : إن الإهاب جلد البقر والغنم والإبل ، وما عداه فإنما يقال له : جلد لا إهاب .
قلت : وجلد الكلب ، وما لا يؤكل لحمه أيضا ، غير معهود الانتفاع به فلا يطهر ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( أكل كل ذي ناب من السباع حرام ) فليست الذكاة فيها ذكاة ، كما أنها ليست في الخنزير ذكاة . وروى النسائي ، عن المقدام بن معد يكرب قال : ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحرير ، والذهب ، ومياثر النمور ){[10009]}
التاسعة : اختلف الفقهاء في الدباغ التي تطهر به جلود الميتة ما هو ؟ فقال أصحاب مالك ، وهو المشهور من مذهبه : كل شيء دبغ الجلد من ملح أو قرظ أو شب ، أو غير ذلك ، فقد جاز الانتفاع به . وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه ، وهو قول داود . وللشافعي في هذه المسألة قولان : أحدهما : هذا ، والآخر : أنه لا يطهر إلا الشب والقرظ ؛ لأنه الدباغ المعهود على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وعليه خرج الخطابي - والله أعلم - ما رواه النسائي ، عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم رجال من قريش يجرون شاة لهم مثل الحصان ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو أخذتم إهابها ) قالوا . إنها ميتة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يطهرها الماء والقرظ ) .
العاشرة : قوله تعالى : " أثاثا " ، الأثاث : متاع البيت ، واحدها أثاثة ، هذا قول أبي زيد الأنصاري . وقال الأموي : الأثاث : متاع البيت ، وجمعه آثة وأثث . وقال غيرهما : الأثاث : جميع أنواع المال ، ولا واحد له من لفظه . وقال الخليل : أصله من الكثرة ، واجتماع بعض المتاع إلى بعض حتى يكثر ، ومنه شعر أثيث ، أي : كثير . وأث شعر فلان يأث أثا ، إذا كثر والتف ، قال امرؤ القيس :
وفرعٍ يزينُ المَتْنَ أسودَ فاحمٍ *** أثيثٍ كقِنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ
وقيل : الأثاث : ما يلبس ويفترش . وقد تأثثت : إذا اتخذت أثاثا . وعن ابن عباس رضي الله عنه : " أثاثا " : مالا . وقد تقدم القول في الحين{[10010]} ، وهو هنا وقت غير معين بحسب كل إنسان ، إما بموته ، وإما بفقد تلك الأشياء التي هي أثاث . ومن هذه اللفظة قول الشاعر :
أهَاجَتْكَ الظعائنُ يوم بَانُوا *** بذي الزِّيّ الجميل من الأثاث