قال مالك: قال الله: {رطبا جنيا} الجني: ما طاب من غير نقش ولا إفساد، والنقش أن ينقش في أسفل البسرة حتى ترطب، فهذا مكروه...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
وقوله:"وَهُزّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النّخْلَةِ" ذكر أن الجذع كان جذعا يابسا، وأمرها أن تهزّه، وذلك في أيام الشتاء، وهزّها إياه كان تحريكه...
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وهزّي إليك بالنخلة...
وأدخلت الباء في قوله: "وَهُزّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النّخْلَةِ "كما يقال: زوجتك فلانة، وزوّجتك بفلانة وكما قال "تَنْبُتُ بِالدّهْنِ" بمعنى: تنبت الدهن. وإنما تفعل العرب ذلك، لأن الأفعال تكنى عنها بالباء، فيقال إذا كنيت عن ضربت عمرا: فعلت به، وكذلك كلّ فعل، فلذلك تدخل الباء في الأفعال وتخرِج، فيكون دخولها وخروجها بمعنى، فمعنى الكلام: وهزّي إليك جذع النخلة، وقد كان لو أن المفسرين كانوا فسروه كذلك: وهزّي إليك رطبا بجذع النخلة، بمعنى: على جذع النخلة، وجها صحيحا، ولكن لست أحفظ عن أحد أنه فسره كذلك...
واختلف القرّاء في قراءة قوله: "تُسَاقِطْ" فقرأ ذلك عامّة قرّاء المدينة والبصرة والكوفة: «تَسّاقَطُ» بالتاء من تساقط وتشديد السين، بمعنى: تتساقط عليك النخلة رطبا جنيا، ثم تُدغم إحدى التاءين في الأخرى فتشدد، وكأن الذين قرأوا ذلك كذلك وجهوا معنى الكلام إلى: وهزّي إليك بجذع النخلة تساقط النخلة عليك رطبا. وقرأ ذلك بعض قرّاء الكوفة: «تَساقَطُ» بالتاء وتخفيف السين، ووجه معنى الكلام، إلى مثل ما وجه إليه مشدّدوها، غير أنهم خالفوهم في القراءة. ورُوي عن البراء بن عازب أنه قرأ ذلك: «يُساقِط» بالياء... وكأنه وجه معنى الكلام إلي: وهزّي إليك بجذع النخلة يتساقط الجذع عليك رطبا جنيا.
ورُوي عن أبي نهيك أنه كان يقرأه: «تُسْقِطُ» بضمّ التاء وإسقاط الألف...
وكأنه وجه معنى الكلام إلي: تسقط النخلة عليك رطبا جنيا.
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن هذه القراءات الثلاث، أعني تَسّاقَطُ بالتاء وتشديد السين، وبالتاء وتخفيف السين، وبالياء وتشديد السين، قراءات متقاربات المعاني، قد قرأ بكل واحدة منهنّ قرّاء أهل معرفة بالقرآن، فبأيّ ذلك قرأ القارئ فمصيب الصواب فيه، وذلك أن الجذع إذا تساقط رطبا، وهو ثابت غير مقطوع، فقد تساقطت النخلة رطبا، وإذا تساقطت النخلة رطبا، فقد تساقطت النخلة بأجمعها، جذعها وغير جذعها، وذلك أن النخلة ما دامت قائمة على أصلها، فإنما هي جذع وجريد وسعف، فإذا قطعت صارت جذعا، فالجذع الذي أمرت مريم بهزّه لم يذكر أحد نعلمه أنه كان جذعا مقطوعا غير السديّ، وقد زعم أنه عاد بهزّها إياه نخلة، فقد صار معناه ومعنى من قال: كان المتساقط عليها رطبا نخلة واحدا، فتبين بذلك صحة ما قلنا.
وقوله: "جَنِيّا" يعني مجنيا وإنما كان أصله مفعولاً فصرف إلى فعيل والمجني: المأخوذ طريا، وكل ما أخذ من ثمرة، أو نقل من موضعه بطراوته فقد اجتني...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا} فيه دلالة لزوم الكسب لأنه أمر مريم أن تهز النخلة لتتساقط عليها الرطب، ولو شاء لسقط من غير فعل يكون منها لِتَجْتَنِيَ هي، وذلك عليها أهون وأيسر على ما كان رزقها عند ما كانت مَؤنَتُهَا على زكريا. وفيه دلالة ألا يسع للمرء المسألة ما دام به أدنى قوة يقدر على قوته... وفيه دلالة أن الآيات التي تكون للأنبياء يجوز أن يجريها على غير أيدي الأنبياء حين جعل لمريم نخلة يابسة رطبة تثمر رطبا، وحين جعل من تحتها سريا أي نهرا جاريا، وحين رزقها عندما كانت في عيال زكريا من غير تكلف أحد. فذلك يشبه آيات الأنبياء والرسل ويقارنها. وهذه المحن التي امتحن بها مريم، في الظاهر عظيمة عند الناس، وفي الباطن من أعظم كراماته إليها، لأنه أخبر أنه تعالى اصطفاها على نساء العالمين بقوله: {إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين} (آل عمرن: 42) وسماها صديقة بقوله: {وأمه صديقة} (المائدة: 75) وذلك لا يسمى إلا من بلغ من البشر في الصدق والصبر غايتهما،والله أعلم.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
ثم أمر بهز الجذع اليابس لترى آية أخرى في إحياء موات الجذع، وقالت فرقة بل كانت النخلة مطعمة {رطباً}، وقال السدي كان الجذع مقطوعاً وأجرى النهر تحتها لحينه، والظاهر من الآية أن عيسى هو المكلم لها وأن الجذع كان يابساً وعلى هذا تكون آيات تسليها وتسكن إليها. والباء في قوله {بجذع} زائدة مؤكدة قال أبو علي: كما يقال ألقى بيده أي ألقى يده...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
والتعبير بصيغة التفاعل في قراءة الجماعة وحمزة للدلالة على أن التمر يسقط منها، ومن حقه أن يكون منتفياً لأنها غير متأهلة لذلك، فهو ظاهر في أنه على وجه خارق للعادة، وقراءة الجماعة بالإدغام تشير مع ذلك إلى أنه مع شدته يكاد أن يخفي كونه منها ليبسها وعدم إقنائها، وقراءة حمزة بالفتح والتخفيف تشير إلى سهولة تساقطه وكثرته، وقراءة حفص عن عاصم بالضم وكسر القاف من فاعل، تدل على الكثرة وأنه ظاهر في كونه من فعلها.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
أي: طريا لذيذا نافعا {فَكُلِي ْ} من التمر، {وَاشْرَبِي ْ} من النهر {وَقَرِّي عَيْنًا ْ} بعيسى، فهذا طمأنينتها من جهة السلامة من ألم الولادة، وحصول المأكل والمشرب والهني.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وهذه النخلة التي تستندين إليها هزيها فتساقط عليك رطبا. فهذا طعام وذاك شراب. والطعام الحلو مناسب للنفساء. والرطب والتمر من أجود طعام النفساء.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
فائدة قوله {وَهُزِي إليْكِ بِجِذْعِ} أن يكون إثمار الجذع اليابس رُطباً ببركة تحريكها إياه، وتلك كرامة أخرى لها. ولتشاهد بعينها كيف يُثمر الجذع اليابس رطباً. وفي ذلك كرامة لها بقوّة يقينها بمرتبتها. وضمن {وَهُزي} معنى قَرّبي أو أدني، فعُدي ب (إلى)، أي حرّكي جذع النخلة وقرّبيه يَدْنُ إليك ويَلِنْ بعد اليبس ويُسقط عليك رطباً. والمعنى: أدني إلى نفسك جِذع النخلة. فكان فاعل الفعل ومتعلقه متحداً، وكلاهما ضميرُ معادٍ واحد، ولا ضير في ذلك لصحة المعنى وورود أمثاله في الاستعمال نحو {واضمم إليك جناحك} [القصص: 32]. فالضامّ والمضموم إليه واحد. والجَنيّ: فعيل بمعنى مفعول، أي مجتنى، وهو كناية عن حَدثان سقوطه، أي عن طراوته ولم يكن من الرطب المخبوء من قبل لأن الرطب متى كان أقرب عهداً بنخلته كان أطيب طعماً.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
(الواو) عاطفة، فبعد أن نهى المنادي عن الحزن أخذ يدعوها بعد الانصراف أن تأكل مستريحة مطمئنة، وأن تشرب هنيئا مريئا وتلتفت إلى حاجة الجسم الذي نهكه المخاض وتحتاج إلى تعويضه. وأرى أن الباء للدلالة على تسهيل وصول الرطب إليها، ذلك أنها تهز في مكان هو الجذع تتساقط عليها الرطب من عل، وذلك بلا ريب تيسيرا للوصول، فلا تهز من أعلى بل تهز بمكان قريب منها، وهي النفساء والتي تتعبها الحركة الكثيرة.
كما أن الحق سبحانه قادر على أن ينزل لها طعامها دون جهد منها ودون هزها، إنما أراد سبحانه أن يجمع لها بين شيئين: طلب الأسباب والاعتماد على المسبب، الأخذ بالأسباب في هز النخلة، رغم أنها متعبة قد أرهقها الحمل والولادة، وجاء بها إلى النخلة لتستند إليها وتتشبث بها في وحدتها لنعلم أن الإنسان في سعيه مطالب بالأخذ بالأسباب مهما كان ضعيفاً. لذلك أبقى لمريم اتخاذ الأسباب مع ضعفها وعدم قدرتها، ثم تعتمد على المسبب سبحانه الذي أنزل لها الرطب مستوياً ناضجاً، وهل استطاعت مريم أن تهز هذا الجذع الكبير اليابس؟ إنها مجرد إشارة تدل على امتثال الأمر، والله تعالى يتولى إنزال الطعام لها، وقوله: {تساقط عليك.. "25 "} (سورة مريم) فيه دليل على استجابة الجماد وانفعاله، وإلا فالبلحة لم تخرج عن طوع أمها، إذن: فقد ألقتها طواعية واستجابة حين تم نضجها.
قوله تعالى : { وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا . فكلي واشربي وقَرّي عينا } فيه أربع مسائل :
الأولى-قوله تعالى : " وهزي " أمرها بهز الجذع اليابس لترى آية أخرى في إحياء موات الجذع . والباء في قوله : " بجذع " زائدة مؤكدة كما يقال : خذ بالزمام ، وأعط بيدك قال الله تعالى : " فليمدد بسبب إلى السماء " {[10814]} أي فليمدد سببا . وقيل : المعنى وهزي إليك رطبا على جذع النخلة . " وتساقط " أي تتساقط فأدغم التاء في السين . وقرأ حمزة " تساقط " مخففا فحذف التي أدغمها غيره . وقرأ عاصم في رواية حفص " تساقط " بضم التاء مخففا وكسر القاف . وقرئ " تتساقط " بإظهار التاءين و " يساقط " بالياء وإدغام التاء " وتسقط " و " يسقط " و " تسقط " و " يسقط " بالتاء للنخلة وبالياء للجذع ، فهذه تسع قراءات ذكرها الزمخشري رحمة الله تعالى عليه . " رطبا " نصب بالهز ، أي إذا هزت الجذع هززت بهزه " رطبا جنيا " وعلى الجملة ف " رطبا " يختلف نصبه بحسب معاني القراءات ، فمرة يستند الفعل إلى الجذع ، ومرة إلى الهز ، ومرة إلى النخلة . و " جنيا " معناه قد طابت وصلحت للاجتناء ، وهي من جنيت الثمرة . ويروى عن ابن مسعود - ولا يصح - أنه قرأ " تساقط عليك رطبا جنيا برنيا " {[10815]} . وقال مجاهد : " رطبا جنيا " قال : كانت عجوة . وقال عباس بن الفضل : سألت أبا عمرو بن العلاء عن قوله : " رطبا جنيا " فقال : لم يذو . قال وتفسيره : لم يجف ولم ييبس ولم يبعد عن يدي مجتنيه ، وهذا هو الصحيح . قال الفراء : الجني والمجني واحد يذهب إلى أنهما بمنزلة القتيل والمقتول والجريح والمجروح . وقال غير الفراء : الجني المقطوع من نخلة واحدة ، والمأخوذ من مكان نشأته ، وأنشدوا :
وطيب ثمارٍ في رياضٍ أريضةٍ *** وأغصان أشجارٍ جناها على قُرْبِ
يريد بالجنى ما يجنى منها أي يقطع ويؤخذ . قال ابن عباس : كان جذعا نخرا فلما هزت نظرت إلى أعلى الجذع فإذا السعف قد طلع ، ثم نظرت إلى الطلع قد خرج من بين السعف ، ثم أخضر فصار بلحا ثم احمر فصار زهوا ، ثم رطبا ، كل ذلك في طرفة عين ، فجعل الرطب يقع بين يديها لا ينشدخ منه شيء .
الثانية-استدل بعض الناس من هذه الآية على أن الرزق وإن كان محتوما ، فإن الله تعالى قد وكل ابن آدم إلى سعي ما فيه ؛ لأنه أمر مريم بهز النخلة{[10816]} لترى آية ، وكانت الآية تكون بألا تهز .
الثالثة-الأمر بتكليف الكسب الرزق سنة الله تعالى في عباده ، وأن ذلك لا يقدح في التوكل ، خلافا لما تقوله جهال المتزهدة ، وقد تقدم هذا المعنى والخلاف فيه . وقد كانت قبل ذلك يأتيها رزقها من غير تكسب كما قال : " كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا " {[10817]} الآية [ آل عمران : 37 ] . فلما ولدت أمرت بهز الجذع . قال علماؤنا : لما كان قلبها فارغا فرغ الله جارحتها عن النصب ، فلما ولدت عيسى وتعلق قلبها بحبه ، واشتغل سرها بحديثه وأمره ، وكلها إلى كسبها ، وردها إلى العادة بالتعلق بالأسباب في عباده . وحكى الطبري عن ابن زيد أن عيسى عليه السلام قال لها : لا تحزني ، فقالت له : وكيف لاأحزن وأنت معي ؟ ! لا ذات زوج ولا مملوكة ! أي شيء عذري عند الناس ؟ ! ! " يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا " فقال لها عيسى : أنا أكفيك الكلام .
الرابعة-قال الربيع بن خيثم : ما للنفساء عندي خير من الرطب لهذه الآية ، ولو علم الله شيئا هو أفضل من الرطب للنفساء لأطعمه مريم ولذلك قالوا : التمر عادة للنفساء من ذلك الوقت وكذلك التحنيك . وقيل : إذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب ولا للمريض خير من العسل ، ذكره الزمخشري . قال ابن وهب قال مالك قال الله تعالى : " رطبا جنيا " الجني من التمر ما طاب من غير نقش ولا إفساد . والنقش أن ينقش من أسفل البسرة حتى ترطب ، فهذا مكروه ، يعني مالك أن هذا تعجيل للشيء قبل وقته ، فلا ينبغي لأحد أن يفعله ، وإن فعله فاعل ما كان ذلك مجوزا لبيعه ، ولا حكما بطيبه . وقد مضى هذا القول في الأنعام{[10818]} . والحمد لله . عن طلحة بن سليمان " جنيا " بكسر الجيم للإتباع .
أي جعلنا{[10819]} لك في السري والرطب فائدتين : إحداهما الأكل والشرب ، الثانية : سلوة الصدر لكونهما معجزتين . وهو معنى قوله تعالى : " فكلي واشربي وقري عينا " .