تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{فتبسم ضاحكا من قولها} ضحك من ثنائها على سليمان بعدله في ملكه، أنه لو يشعر بكم لم يحطمكم... وقال سليمان: لقد علمت النمل أنه ملك لا بغي فيه، ولا فخر، ولئن علم بنا قبل يغشانا لم نوطأ، ثم وقف سليمان بمن معه من الجنود ليدخل النمل مساكنهم، ثم حمد ربه عز وجل حين علمه منطق كل شيء، فسمع كلام النملة {وقال رب أوزعني} يعني ألهمني {أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي} من قبلي، يعني أبويه داود، وأمه... {و} ألهمني {وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك} يعني: بنعمتك {في} يعني: مع {عبادك الصالحين}، الجنة.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: فتبسّم سليمان ضاحكا من قول النملة التي قالت ما قالت، وقال:"رَبّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أنْعَمْتَ عَليّ" يعني بقوله "أوْزِعْنِي": ألهمني...عن ابن عباس، في قوله: "قالَ رَبّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ "يقول: اجعلني...وقال ابن زيد: "أوْزِعْنِي" ألهمني وحرّضني...
وقوله: "وأنْ أعْمَلَ صَالِحا تَرْضَاهُ" يقول: وأوزعني أن أعمل بطاعتك وما ترضاه. "وأدّخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ" يقول: وأدخلني برحمتك مع عبادك الصالحين، الذين اخترتهم لرسالتك وانتخبتهم لوحيك، يقول: أدخلني من الجنة مداخلهم...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
التبسُّمُ من الملوكِ يندر لمراعاتهم حُكْمَ السياسة، وذلك يدلُّ على رضاهم واستحسانهم لما منه يحصل التبسُّم، فلقد استحسن سليمان من كبير النمل حُسْنَ سياسته لرعيته...
{رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَالِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضاهُ}. في ذلك دليلٌ على أن نَظَرَه إليهم كان نَظَرَ اعتبارٍ، وأنه رأى تعريفَ الله إِياه ذلك، وتنبيهُه عليه من جملة نِعَمِه التي يجب عليها الشكرُ...قوله جلّ ذكره: {وأدخلني بِرَحْمَتِكَ في عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ}. سأل حُسْنَ العاقبة. لأنَّ الصالحَ من عباده مَنْ هو مختوم له بالسعادة.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
ومعنى {فَتَبَسَّمَ ضاحكا} تبسم شارعاً في الضحك وآخذاً فيه، يعني أنه قد تجاوز حدّ التبسم إلى الضحك... فإن قلت: ما أضحكه من قولها؟ قلت: شيئان، إعجابه بما دل من قولها على ظهور رحمته ورحمة جنوده وشفقتهم، وعلى شهرة حاله وحالهم في باب التقوى، وذلك قولها: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} تعني أنهم لو شعروا لم يفعلوا. وسروره بما آتاه الله مما لم يؤت أحداً: من إدراكه بسمعه ما همس به بعض الحكل الذي هو مثل في الصغر والقلة، ومن إحاطته بمعناه، ولذلك اشتمل دعاؤه على استيزاع الله شكر ما أنعم به عليه من ذلك، وعلى استيفاقه لزيادة العمل الصالح والتقوى. وحقيقة {أَوْزِعْنِي} اجعلني أزع شكر نعمتك عندي، وأكفه وأرتبطه لا ينفلت عني، حتى لا أنفك شاكراً لك. وإنما أدرج ذكر والديه لأنّ النعمة على الولد نعمة على الوالدين، خصوصاً النعمة الراجعة إلى الدين، فإنه إذا كان تقيا نفعهما بدعائه وشفاعته وبدعاء المؤمنين لهما كلما دعوا له...ومعنى {وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين} واجعلني من أهل الجنة.
أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْقَوْلُ فِي التَّبَسُّمِ: وَهُوَ أَوَّلُ الضَّحِكِ، وَآخِرُهُ بُدُوُّ النَّوَاجِذِ؛ وَذَلِكَ يَكُونُ مَعَ الْقَهْقَهَةِ، وَجُلُّ ضَحِكِ الْأَنْبِيَاءِ التَّبَسُّمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إنْ قِيلَ: من أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكَ سُلَيْمَانُ؟ قُلْنَا: فِيهِ أَقْوَالٌ: أَصَحُّهَا أَنَّهُ ضَحِكَ من نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي تَسْخِيرِ الْجَيْشِ وَعَظِيمِ الطَّاعَةِ، حَتَّى لَا يَكُونَ اعْتِدَاءً. وَلِذَلِكَ قَالَ: {أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَك الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ} وَهُوَ حَقِيقَةُ الشُّكْرِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{رب} أي أيها المحسن إليّ {أوزعني أن} أي اجعلني مطيقاً لأن {أشكر نعمتك} أي وازعاً له كافاً مرتبطاً حتى لا يغلبني. ولا يتفلت مني، ولا يشذ عني وقتاً ما... فالمعنى: اجعلني وازعاً أي فقيراً إلى الشكر، أي ملازماً له مولعاً به، لأن كل فقير إلى شيء مجتهد في تحصيله،..
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
(رب).. بهذا النداء القريب المباشر المتصل.. (أوزعني) اجمعني كلي. اجمع جوارحي ومشاعري ولساني وجناني وخواطري وخلجاتي، وكلماتي وعباراتي، وأعمالي وتوجهاتي. اجمعني كلي. اجمع طاقاتي كلها. أولها على أخرها وآخرها على أولها [وهو المدلول اللغوي لكلمة أوزعني] لتكون كلها في شكر نعمتك علي وعلى والدي.. وهذا التعبير يشي بنعمة الله التي مست قلب سليمان -عليه السلام- في تلك اللحظة ويصور نوع تأثره، وقوة توجهه، وارتعاشة وجدانه، وهو يستشعر فضل الله الجزيل، ويتمثل يد الله عليه وعلى والديه، ويحس مس النعمة والرحمة في ارتياع وابتهال...
(وأن أعمل صالحا ترضاه).. فالعمل الصالح هو كذلك فضل من الله يوفق إليه من يشكر نعمته... (وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين).. أدخلني برحمتك.. فهو يعلم أن الدخول في عباد الله الصالحين، رحمة من الله، تتدارك العبد فتوفقه إلى العمل الصالح، فيسلك في عداد الصالحين. يعلم هذا... يضرع إلى ربه وهو النبي الذي أنعم الله عليه وسخر له الجن والإنس والطير. غير آمن مكر الله -حتى بعد أن اصطفاه. خائفا أن يقصر به عمله، وأن يقصر به شكره..
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
وإنما تعجب من أنها عرفت اسمه وأنها قالت: {وهم لا يشعرون} فوسمته وجندَه بالصلاح والرأفة وأنهم لا يقتلون ما فيه روح لغير مصلحة، وهذا تنويه برأفتِه وعدله الشامل لكل مخلوق لا فساد منه أجراه الله على نملة ليعلَم شرفَ العدل ولا يحتقِرَ مواضعه، وأن وليّ الأمر إذا عدل سرى عدله في سائر الأشياء وظهرت آثاره فيها حتى كأنه معلوم عند ما لا إدراك له، فتسير جميع أمور الأمة على عدل..
{رب أوزعني} أي: امنعني أن أغفل، أو أن أنسى هذه النعم، فأظل شاكرا حامدا لك على الدوام؛ لأن هذه النعم فاقت ما أنعمت به على عامة الخلق، وفوق ما أنعمت به على إخواني من الأنبياء السابقين، وعلى كل ملوك الدنيا...وقوله: {علي} هذه خصوصية {وعلى والدي} لأنه ورث عنهما الملك والنبوة {وأن أعمل صالحا ترضاه} وهذا ثمن النعمة أن أؤدي خدمات الصلاح في المجتمع لأكون مؤتمنا على النعمة أهلا للمزيد منها...
ثم يقول: {وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين} وذكر الرحمة والفضل؛ لأنهما وسيلة النجاة، وبهما ندخل الجنة، وبدونهما لن ينجو أحد...
الخامسة- قوله تعالى : " فتبسم ضاحكا من قولها " وقرأ ابن السميقع : " ضحكا " بغير ألف ، وهو منصوب على المصدر بفعل محذوف يدل عليه تبسم ، كأنه قال ضحك ضحكا ، هذا مذهب سيبويه . وهو عند غير سيبويه منصوب بنفس " تبسم " لأنه في معنى ضحك ، ومن قرأ : " ضاحكا " فهو منصوب على الحال من الضمير في " تبسم " . والمعنى تبسم مقدار الضحك ؛ لأن الضحك يستغرق التبسم ، والتبسم دون الضحك وهو أوله . يقال : بسم ( بالفتح ) يبسم بسما فهو باسم وابتسم وتبسم ، والمبسم الثغر مثل المجلس من جلس يجلس ورجل مبسام وبسام كثير التبسم ، فالتبسم ابتداء الضحك . والضحك عبارة عن الابتداء والانتهاء ، إلا أن الضحك يقتضي مزيدا على التبسم ، فإذا زاد ولم يضبط الإنسان نفسه قيل قهقه . والتبسم ضحك الأنبياء عليهم السلام في غالب أمرهم . وفي الصحيح عن جابر بن سمرة وقيل له : أكنت تجالس النبي صلى الله عليه وسلم ؛ قال : نعم كثيرا ، كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح - أو الغداة - حتى تطلع الشمس فإذا طلعت قام ، وكانوا يتحدثون ويأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويبتسم . وفيه عن سعد قال : كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين{[12271]} ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( ارم فداك أبي وأمي ) قال فنزعت له بسهم ليس فيه نصل فأصبت جنبه فسقط فانكشفت عورته ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نظرت إلى نواجذه . فكان عليه السلام في أكثر أحواله يتبسم . وكان أيضا يضحك في أحوال أخر ضحكا أعلى من التبسم وأقل من الاستغراق الذي تبدو فيه اللهوات . وكان في النادر عند إفراط تعجبه ربما ضحك حتى بدت نواجذه . ود كره العلماء منه الكثرة ، كما قال لقمان لابنه : يا بني إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب . وقد روي مرفوعا من حديث أبي ذر وغيره . وضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه حين رمى سعد الرجل فأصابه ، إنما كان سرورا بإصابته لا بانكشاف عورته ، فإنه المنزه عن ذلك صلى الله عليه وسلم .
السادسة- لا اختلاف عند العلماء أن الحيوانات كلها لها أفهام وعقول . وقد قال الشافعي : الحمام أعقل الطير . قال ابن عطية : والنمل حيوان فطن قوي شمام جدا يدخر ويتخذ القرى ويشق الحب بقطعتين لئلا ينبت ، ويشق الكزبرة بأربع قطع ؛ لأنها تنبت إذا قسمت شقتين ، ويأكل في عامه نصف ما جمع ويستبقي سائره عدة . قال ابن العربي : وهذه خواص العلوم عندنا ، وقد أدركتها النمل بخلق الله ذلك لها . قال الأستاذ أبو المظفر شاهنور الإسفرايني : ولا يبعد أن تدرك البهائم حدوث العالم وحدوث المخلوقات ، ووحدانية الإله ، ولكننا لا نفهم عنها ولا تفهم عنا ، أما أنا نطلبها وهي تفر منا فبحكم الجنسية .
قوله تعالى : " وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي " ف " أن " مصدرية . و " أوزعني " أي ألهمني ذلك . وأصله من وزع فكأنه قال : كفني عما يسخط . وقال محمد بن إسحاق : يزعم أهل الكتاب أن أم سليمان هي امرأة أوريا التي امتحن الله بها داود ، أو أنه بعد موت زوجها تزوجها داود فولدت له سليمان عليه السلام . وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة " ص " {[12272]} إن شاء الله تعالى .
قوله تعالى : " وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين " أي مع عبادك ، عن ابن زيد . وقيل : المعنى في جملة عبادك الصالحين .