تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج}: وإن أراد الرجل طلاق امرأته ويتزوج أخرى غيرها، {وآتيتم إحداهن قنطارا}: وآتيتم إحداهن من المهر قنطارا من ذهب، والقنطار ألف ومائتا دينار، {فلا تأخذوا منه شيئا} إذا أردتم طلاقها، يقول: فليس له أن يضر بها حتى تفتدي منه، يقول: {أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا}: بينا.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
{وَإنْ أرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ}: وإن أردتم أيها المؤمنون نكاح امرأة مكان امرأة لكم تطلقونها {وآتَيْتمْ إحْدَاهنّ}: وقد أعطيتم التي تريدون طلاقها من المهر قنطارا، والقنطار: المال الكثير. وقد ذكرنا فيما مضى اختلاف أهل التأويل في مبلغه والصواب من القول في ذلك عندنا. {فلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئا}: فلا تضرّوا بهنّ إذا أردتم طلاقهنّ ليفتدين منكم بما آتيتموهن. {أتأْخُذُونَهُ بُهْتانا وإثْما مبِينا}: أتأخذون ما آتيتموهنّ من مهورهنّ، {بُهْتانا}: ظلما بغير حقّ، {وإثْما مُبِينا}: وإثما قد أبان أمر آخذه أنه بأخذه إياه لمن أخذه منه ظالم.
قد اقتضت هذه الآية إيجابَ المهر لها تمليكاً صحيحاً وَمَنْعَ الزوج أن يأخذ منها شيئاً مما أعطاها، وأخبر أن ذلك سالمٌ لها سواءٌ استبدل بها أو أمسكها، وأنه محظور عليه أخْذُ شيء منه إلا بما أباح الله تعالى به أخْذَ مال الغير في قوله تعالى: {إلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}، وظاهره يقتضي حَظْرَ أَخْذِ شيء منه بعد الخلوة، فيحتج به في إيجاب كمال المهر إذا طلّق بعد الخلوة لعموم اللفظ في حَظْرِ الأخذ في كل حال إلا ما خصّه الدليل... وأكّد الله تعالى حَظْرَ أَخْذِ شيء مما أعطى بأن جعله ظلماً كالبهتان، وهو الكذب الذي يباهت به مخبره ويكابر به من يخاطبه، وهذا أقبح ما يكون من الكذب وأفحشه؛ فشبَّه أخذ ما أعطاها بغير حق بالبهتان في قبحه فسماه بهتاناً وإثماً. وقوله تعالى: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً} يدل على أن من وهب لامرأته هِبَةً لا يجوز له الرجوع فيها لأنها مما آتاها، وعموم اللفظ قد حظر أخذ شيء مما آتاها من غير فرق بين المهر وغيره.
أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ عَشْرَةَ: قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}.
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: لَمَّا أَبَاحَ اللَّهُ الْفِرَاقَ لِلْأَزْوَاجِ وَالِانْتِقَالَ بِالنِّكَاحِ مِنْ امْرَأَةٍ إلَى امْرَأَةٍ أَخْبَرَ عَنْ دِينِهِ الْقَوِيمِ وَصِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ فِي تَوْفِيَةِ حُقُوقِهِنَّ إلَيْهِنَّ عِنْدَ فِرَاقِهِنَّ؛ فَوَطْأَةٌ وَاحِدَةٌ حَلَالًا تُقَاوِمُ مَالَ الدُّنْيَا كُلِّهِ، نَهَى الْأَزْوَاجَ عَنْ أَنْ يَعْتَرِضُوهُنَّ فِي صَدَقَاتِهِنَّ، إذْ قَدْ وَجَبَ ذَلِكَ لَهُنَّ وَصَارَ مَالًا مِنْ أَمْوَالِهِنَّ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْله تَعَالَى: {وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} فِيهِ جَوَازُ كَثْرَةِ الصَّدَاقِ، وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ كَانُوا يُقَلِّلُونَهُ. وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى الْمِنْبَرِ: «أَلَا لَا تُغَالُوا فِي صَدَقَاتِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا وَتَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ مَا أَصْدَقَ قَطُّ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَلَا مِنْ بَنَاتِهِ فَوْقَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً» فَقَامَتْ إلَيْهِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا عُمَرُ، يُعْطِينَا اللَّهُ وَتَحْرُمُنَا أَنْتَ؟ أَلَيْسَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: {وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} فَقَالَ عُمَرُ: امْرَأَةٌ أَصَابَتْ وَأَمِيرٌ أَخْطَأَ».
وَفِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ مِثْلُهُ إلَى قَوْلِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً، زَادَ: «فَإِنَّ الرَّجُلَ يُغَلِّي بِالْمَرْأَةِ فِي صَدَاقِهَا. فَتَكُونُ حَسْرَةٌ فِي صَدْرِهِ فَيَقُولُ: كُلِّفْت إلَيْكَ عِرْقَ الْقِرْبَةِ. قَالَ: فَكُنْت غُلَامًا مَوْلُودًا لَمْ أَدْرِ مَا هَذَا؛ قَالَ: وَأُخْرَى يَقُولُونَ لِمَنْ قُتِلَ فِي مَغَازِيكُمْ هَذِهِ: قُتِلَ فُلَانٌ شَهِيدًا أَوْ مَاتَ فُلَانٌ شَهِيدًا، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ وَأُفْرِدَ دُونَ رَاحِلَتِهِ أَوْ أَعْجَزَهَا بِطَلَبِ النَّجَاةِ، وَلَكِنْ قُولُوا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مَاتَ فَلَهُ الْجَنَّةُ».
وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ عُمَرُ عَلَى طَرِيقِ التَّحْرِيمِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ النَّدْبَ إلَى التَّعْلِيمِ؛ وَقَدْ تَنَاهَى النَّاسُ فِي الصَّدَقَاتِ حَتَّى بَلَغَ صَدَاقُ امْرَأَةٍ أَلْفَ أَلْفٍ، وَهَذَا قَلَّ أَنْ يُوجَدَ مِنْ حَلَالٍ. وَقَدْ سُئِلَ عَطَاءٌ عَنْ رَجُلٍ غَالَى فِي صَدَاقِ امْرَأَةٍ أَيَرُدُّهُ السُّلْطَانُ؟ قَالَ: لَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ خَطَبَ إلَى عَلِيٍّ أُمَّ كُلْثُومٍ ابْنَتَهُ مِنْ فَاطِمَةَ، فَقَالَ: إنَّهَا صَغِيرَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إنَّ كُلَّ نَسَبٍ وَصِهْرٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا نَسَبِي وَصِهْرِي»، فَلِذَلِكَ رَغِبْت فِي مِثْلِ هَذَا. فَقَالَ عَلِيٌّ: إنِّي أُرْسِلُهَا حَتَّى تَنْظُرَ إلَى صِغَرِهَا، فَأَرْسَلَهَا فَجَاءَتْ، فَقَالَتْ: إنَّ أَبِي يَقُولُ: هَلْ رَضِيت الْحُلَّةَ؟ فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ رَضِيتهَا. فَأَنْكَحَهَا عَلِيٌّ فَأَصْدَقَهَا أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ صَدَاقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمِّ حَبِيبَةَ كَانَ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، وَرُوِيَ ثَمَانِمِائَةِ دِينَارٍ...
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِنَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، يُقَالُ هِيَ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ. «وَزَوَّجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةً بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ».
وَعَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى نَعْلَيْنِ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرَضِيتِ عَنْ مَالِكِ بِهَاتَيْنِ النَّعْلَيْنِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَجَازَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: «لَوْ أَصْدَقَهَا سَوْطًا جَازَ».
المسألة الأولى: أنه تعالى في الآية الأولى لما أذن في مضارة الزوجات إذا أتين بفاحشة، بين في هذه الآية تحريم المضارة في غير حال الفاحشة فقال: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج} روي أن الرجل منهم إذا مال إلى التزوج بامرأة أخرى رمى زوجة نفسه بالفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوج المرأة التي يريدها قال تعالى: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج}
المسألة الثانية: قالوا: الآية تدل على جواز المغالاة في المهر، روي أن عمر رضي الله عنه قال على المنبر: ألا لا تغالوا في مهور نسائكم، فقامت امرأة فقالت: يا ابن الخطاب الله يعطينا وأنت تمنع وتلت هذه الآية، فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر، ورجع عن كراهة المغالاة. وعندي أن الآية لا دلالة فيها على جواز المغالاة لأن قوله: {وآتيتم إحداهن قنطارا} لا يدل على جواز إيتاء القنطار كما أن قوله: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} لا يدل على حصول الآلهة، والحاصل أنه لا يلزم من جعل الشيء شرطا لشيء آخر كون ذلك الشرط في نفسه جائز الوقوع، وقال عليه الصلاة والسلام: «من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين» ولم يلزم منه جواز القتل.
المسألة الخامسة: اعلم أن سوء العشرة إما أن يكون من قبل الزوج، وإما أن يكون من قبل الزوجة، فإن كان من قبل الزوج كره له أنه يأخذ شيئا من مهرها لأن قوله تعالى: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا} صريح في أن النشوز إذا كان من قبله فإنه يكون منهيا عن أن يأخذ من مهرها شيئا، ثم إن وقعت المخالعة ملك الزوج بدل الخلع، كما أن البيع وقت النداء منهي عنه، ثم إنه يفيد الملك، وإذا كان النشوز من قبل المرأة فههنا يحل أخذ بدل الخلع؛ لقوله تعالى: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما ءاتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة}.
ثم قال تعالى: {أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا} وفيه مسائل:
المسألة الأولى: البهتان في اللغة الكذب الذي يواجه الإنسان به صاحبه على جهة المكابرة، وأصله من بهت الرجل إذا تحير، فالبهتان كذب يحير الإنسان لعظمته، ثم جعل كل باطل يتحير من بطلانه {بهتانا}.
المسألة الثالثة: في تسمية هذا الأخذ «بهتانا» وجوه:
الأول: أنه تعالى فرض لها ذلك المهر فمن استرده كان كأنه يقول: ليس ذلك بفرض فيكون بهتانا.
الثاني: أنه عند العقد تكفل بتسليم ذلك المهر إليها، وأن لا يأخذه منها، فإذا أخذه صار ذلك القول الأول بهتانا.
الثالث: أنا ذكرنا أنه كان من دأبهم أنهم إذا أرادوا تطليق الزوجة رموها بفاحشة حتى تخاف وتشتري نفسها منه بذلك المهر، فلما كان هذا الأمر واقعا على هذا الوجه في الأغلب الأكثر، جعل كأن أحدهما هو الآخر. الرابع: أنه تعالى ذكر في الآية السابقة: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما ءاتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} والظاهر من حال المسلم أنه لا يخالف أمر الله، فإذا أخذ منها شيئا أشعر ذلك بأنها قد أتت بفاحشة مبينة، فإذا لم يكن الأمر كذلك في الحقيقة صح وصف ذلك الأخذ بأنه بهتان، من حيث أنه يدل على إتيانها بالفاحشة مع أن الأمر ليس كذلك. وفيه تقرير آخر وهو أن أخذ المال طعن في ذاتها وأخذ لمالها، فهو بهتان من وجه وظلم من وجه آخر، فكان ذلك معصية عظيمة من أمهات الكبائر.
الخامس: أن عقاب البهتان والإثم المبين كان معلوما عندهم فقوله: {أتأخذونه بهتانا} معناه أتأخذون عقاب البهتان فهو كقوله: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا}.
المسألة الرابعة: قوله: {أتأخذونه} استفهام على معنى الإنكار والإعظام، والمعنى أن الظاهر أنكم لا تفعلون مثل هذا الفعل مع ظهور قبحه في الشرع والعقل.
ثم قال تعالى: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا}
واعلم أنه تعالى ذكر في علة هذا المنع أمورا:
أحدهما: أن هذا الأخذ يتضمن نسبتها إلى الفاحشة المبينة، فكان ذلك بهتانا والبهتان من أمهات الكبائر. وثانيها: أنه إثم مبين لأن هذا المال حقها فمن ضيق الأمر عليها ليتوسل بذلك التشديد والتضييق وهو ظلم، إلى أخذ المال وهو ظلم آخر، فلا شك أن التوسل بظلم إلى ظلم آخر يكون إثما مبينا.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
فإذا تبين بعد الصبر والتجمل والمحاولة والرجاء. أن الحياة غير مستطاعة، وأنه لا بد من الانفصال، واستبدال زوج مكان زوج، فعندئذ تنطلق المرأة بما أخذت من صداق، وما ورثت من مال، لا يجوز استرداد شيء منه، ولو كان قنطارا من ذهب. فأخذ شيء منه إثم واضح، ومنكر لا شبهة فيه: (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج، وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا. أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا؟)
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
لا جرم أنّ الكراهية تعقبها إرادة استبدال المكروه بضدّه، فلذلك عطف الشرط على الذي قبله استطراداً واستيفاء للأحكام.
فالمراد بالاستبدال طلاق المرأة السابقة وتزوّج امرأة أخرى.
والاستبدال: التبديل. وتقدّم الكلام عليه عند قوله تعالى: {قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير} في سورة البقرة (61) أي إن لم يكن سبب للفراق إلاّ إرادة استبدال زوج بأخرى فيُلجِيء التي يريد فراقها، حتّى تخالعه، ليجد ما لا يعطيه مهراً للتي رغب فيها، نهى عن أن يأخذوا شيئاً ممّا أعطوه أزواجهم من مهر وغيره والقنطار هنا مبالغة في مقدار المالِ المُعطى صداقاً أي ما لا كثيراً، كثرة غير متعارفة. وهذه المبالغة تدلّ على أنّ إيتاء القنطار مباح شرعاً لأنّ الله لا يمثّل بما لا يَرضى شرعه مثل الحرام، ولذلك لمّا خطب عمر بن الخطاب فنهَى عن المغالاة في الصدُقات، قالت له امرأة من قريش بعد أن نزل يا أمير المؤمنين كتاب الله أحقّ أن يُتبع أوْ قولك قال: بل كتاب الله بم ذَلك؟ قالت: إنّك نهيت الناس آنفاً أن يغالوا في صداق النساء، والله يقول في كتابه {وآتيتم إحداهنّ قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً} [النساء: 20] فقال عمر « كلّ أحد أفقهُ من عُمر». وفي رواية قال « امرأة أصَابتْ وأمير أخطَأ واللَّهُ المستعان» ثم رجع إلى المنبر فقال: « إنّي كنت نهيتكم أن تَغَالَوْا في صدقات النساء فليفعل كلّ رجل في ماله ما شاء». والظاهر من هذه الرواية أنّ عمر رجع عن تحجير المباح لأنّه رآه ينافي الإباحة بمقتضى دلالة الإشارة وقد كان بَدَا له من قبل أنّ في المغالاة علّة تقتضي المنع، فيمكن أن يكون نسي الآية بناء على أنّ المجتهد لا يلزمه البحث عن المعارض لدليلِ اجتهاده، أو أن يكون حملها على قصد المبالغة فرأى أنّ ذلك لا يدلّ على الإباحة، ثم رجع عن ذلك أو أن يكون رأى لنفسه أن يحجّر بعض المباح للمصلحة ثمّ عدل عنه لأنّه ينافي إذن الشرع في فعله أو نحو ذلك.
وضمير: {إحداهن} راجع إلى النساء. وهذه هي المرأة التي يراد طلاقها.
وتقدّم الكلام على القنطار عند تفسير قوله تعالى: {والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة} في سورة آل عمران (14).
والاستفهام في أتأخذونه إنكاري.
والبهتان مصدر كالشُّكران والغُفْران، مصدر بهَتَه كمَنَعَه إذا قال عليه ما لم يَفْعَل، وتقدّم البهت عند قوله تعالى: {فبهت الذي كفر} في سورة البقرة (258).
وإنّما جعل هذا الأخذ بهتانا لأنّهم كان من عادتهم إذا كرهوا المرأة وأرادوا طلاقها، رموها بسوء المعاشرة، واختلقوا عليها ما ليس فيها، لكي تخشى سوء السمعة فتبذل للزوج ما لا فداء ليطلّقها، حكى ذاك فخر الدين الرازي، فصار أخذ المال من المرأة عند الطلاق مظِنَّة بأنَّها أتت ما لا يُرضي الزوج، فقد يصدّ ذلك الراغبين في التزوّج عن خطبتها، ولذلك لمّا أذن الله للأزواج بأخذ المال إذا أتت أزواجهم بفاحشة، صار أخذ المال منهنّ بدون ذلك يُوهم أنّه أخذه في محل الإذن بأخذه، هذا أظهر الوجوه في جعل هذا الأخذ بهتاناً.
وأمّا كونه إثماً مبيّنا فقد جُعل هنا حالا بعد الإنكار، وشأن مثل هذا الحال أن تكون معلومة الانتساب إلى صاحبها حتّى يصبح الإنكار باعتبارها، فيحتمل أنّ كونها إثماً مبيّنا قد صار معلوماً للمخاطبين من قوله: {فلا تأخذوا منه شيئاً}، أو من آية البقرة (229) {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله} أو ممّا تقرّر عندهم من أنّ حكم الشريعة في الأموال أن لا تحلّ إلاّ عن طيب نفس.
الأولى : لما مضى في الآية المتقدمة حكم الفراق الذي سببه المرأة ، وأن للزوج أخذ المال منها عقب ذلك بذكر الفراق الذي سببه الزوج ، وبين أنه إذا أراد الطلاق من غير نشوز وسوء عشرة ، فليس له أن يطلب منها مالا .
الثانية : واختلف العلماء إذا كان الزوجان يريدان الفراق وكان منهما نشوز وسوء عشرة ، فقال مالك رضي الله عنه : للزوج أن يأخذ منها إذا تسببت في الفراق ولا يراعى تسببه هو . وقال جماعة من العلماء : لا يجوز له أخذ المال إلا أن تنفرد هي بالنشوز وتطلبه في ذلك .
الثالثة : قوله تعالى : " وآتيتم إحداهن قنطارا " فيها دليل على جواز المغالاة في المهور ؛ لأن الله تعالى لا يمثل إلا بمباح . وخطب عمر رضي الله عنه فقال : ألا لا تغالوا في صدقات النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله ، ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا بناته{[4189]} فوق اثنتي عشرة أوقية . فقامت إليه امرأة فقالت : يا عمر ، يعطينا الله وتحرمنا ! أليس الله سبحانه وتعالى يقول : " وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا " ؟ فقال عمر : أصابت امرأة وأخطأ عمر . وفي رواية فأطرق عمر ثم قال : كل الناس أفقه منك يا عمر ! . وفي أخرى : امرأة أصابت ورجل أخطأ . وترك الإنكار . أخرجه أبو حاتم البستي في صحيح مسنده عن أبي العجفاء السلمي قال : خطب عمر الناس ، فذكره إلى قوله : اثنتي عشرة أوقية ، ولم يذكر : فقامت إليه امرأة . إلى آخره . وأخرجه ابن ماجه في سننه عن أبي العجفاء ، وزاد بعد قوله : أوقية . وأن الرجل ليثقل صدقة امرأته حتى تكون لها عداوة في نفسه ، ويقول : قد كلفت إليك علق القربة - أو عرق القربة ، وكنت رجلا عربيا مولدا{[4190]} ما أدري ما علق القربة أو عرق القربة . قال الجوهري : وعلق القربة لغة في عرق القربة . قال غيره : ويقال علق القربة عصامها الذي تعلق به . يقول : كلفت إليك حتى عصام القربة . وعرق القربة ماؤها . يقول : جشمت إليك حتى سافرت واحتجت إلى عرق القربة ، وهو ماؤها في السفر . ويقال : بل عرق القربة أن يقول : نصبت لك وتكلفت حتى عرقت عرق القربة ، وهو سيلانها . وقيل : إنهم كانوا يتزودون الماء فيعلقونه على الإبل يتناوبونه فيشق على الظهر ؛ ففسر به اللفظان : العرق والعلق . وقال الأصمعي : عرق القربة كلمة معناها الشدة . قال : ولا أدري ما أصلها . قال الأصمعي : وسمعت ابن أبي طرفة وكان من أفصح من رأيت يقول : سمعت شيخاننا يقولون : لقيت من فلان عرق القربة ، يعنون الشدة . وأنشدني لابن الأحمر :
ليست بمَشْتَمَةٍ تُعَدُّ وعفوُها *** عَرَقُ السقاء على القَعُودِ اللاَّغِبِ
قال أبو عبيد : أراد أنه يسمع الكلمة تغيظه وليست بشتم فيؤاخذ صاحبها بها ، وقد أبلغت إليه كعرق القربة ، فقال : كعرق السقا لما لم يمكنه الشعر ، ثم قال : على القعود اللاغب ، وكان معناه أن تعلق القربة على القعود في أسفارهم .
وهذا المعنى شبيه بما كان الفراء يحكيه ، زعم أنهم كانوا في المفاوز في أسفارهم يتزودون الماء فيعلقونه على الإبل يتناوبونه ، فكان في ذلك تعب ومشقة على الظهر . وكان الفراء يجعل هذا التفسير في علق القربة باللام . وقال قوم : لا تعطى الآية جواز المغالاة بالمهور ؛ لأن التمثيل بالقنطار إنما هو على جهة المبالغة ؛ كأنه قال : وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد . وهذا كقوله : ( من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة{[4191]} بنى الله له بيتا في الجنة ) . ومعلوم أنه لا يكون مسجد كمفحص قطاة . وقد قال صلى الله عليه وسلم لابن أبي حدرد وقد جاء يستعينه في مهره ، فسأله عنه فقال : مائتين ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة{[4192]} أو جبل ) . فاستقرأ بعض الناس من هذا منع المغالاة بالمهور ، وهذا لا يلزم ، وإنكار النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الرجل المتزوج ليس إنكارا لأجل المغالاة والإكثار في المهور ، وإنما الإنكار لأنه كان فقيرا في تلك الحال فأحوج نفسه إلى الاستعانة والسؤال ، وهذا مكروه باتفاق . وقد أصدق عمر أم كلثوم بنت علي من فاطمة رضوان الله عليهم أربعين ألف درهم .
وروى أبو داود عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل : ( أترضى أن أزوجك فلانة ) ؟ قال : نعم . وقال للمرأة : ( أترضين أن أزوجك فلانا ) ؟ قالت : نعم . فزوج أحدهما من صاحبه فدخل بها الرجل ولم يفرض لها صداقا ولم يعطها شيئا ، وكان ممن شهد الحديبية وله سهم بخيبر ، فلما حضرته الوفاة قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجني فلانة ولم أفرض لها صداقا ولم أعطها شيئا ، وإني أشهدكم أني قد أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر ، فأخذت سهمها فباعته بمائة ألف .
وقد أجمع العلماء على ألا تحديد في أكثر الصداق ؛ لقوله تعالى : " وآتيتم إحداهن قنطارا " واختلفوا في أقله ، وسيأتي عند قوله تعالى : " أن تبتغوا بأموالكم " [ النساء : 24 ] . ومضى القول في تحديد القنطار في " آل عمران{[4193]} " . وقرأ ابن محيصن " وآتيتم احداهن " بوصل ألف " إحداهن " وهي لغة ، ومنه قول الشاعر :
وتسمع من تحت العجاج لها ازْمَلاَ{[4194]}
إن لم أقاتل فالبِسوني بُرقُعَا
الرابعة : قوله تعالى : " فلا تأخذوا منه شيئا " قال بكر بن عبدالله المزني : لا يأخذ الزوج من المختلعة شيئا ؛ لقول الله تعالى : " فلا تأخذوا " ، وجعلها ناسخة لآية " البقرة " . وقال ابن زيد وغيره : هي منسوخة بقوله تعالى في سورة البقرة " ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا " {[4195]} [ البقرة : 229 ] . والصحيح أن هذه الآيات محكمة وليس فيها ناسخ ولا منسوخ وكلها يبنى بعضها على بعض . قال الطبري : هي محكمة ، ولا معنى لقول بكر : إن أرادت هي العطاء ، فقد جوز النبي صلى الله عليه وسلم لثابت أن يأخذ من زوجته ما ساق إليها . " بهتانا " مصدر في موضع الحال " وإثما " معطوف عليه " مبينا " من نعته .