الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{۞وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمۡ أَن تَبۡتَغُواْ بِأَمۡوَٰلِكُم مُّحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَۚ فَمَا ٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهِۦ مِنۡهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا تَرَٰضَيۡتُم بِهِۦ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡفَرِيضَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا} (24)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{والمحصنات من النساء}: وكل امرأة أيضا فنكاحها حرام مع ما حرم من النسب والصهر، ثم استثنى من المحصنات، فقال سبحانه: {إلا ما ملكت أيمانكم} من الحرائر مثنى وثلاث ورباع.

{كتاب الله عليكم}: فريضة الله لكم بتحليل أربع. {وأحل لكم ما وراء ذلكم}: ما وراء الأربع، {أن تبتغوا بأموالكم محصنين} لفروجهن {غير مسافحين} بالزنا علانية. ثم ذكر المتعة، فقال: {فما استمتعتم به منهن} إلى أجل مسمى، {فآتوهن أجورهن فريضة}: أعطوهن مهورهن، {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة}: لا حرج عليكم فيما زدتم من المهر وازددتم في الأجل بعد الأمر الأول، {إن الله كان عليما} بخلقه {حكيما} في أمره، نسختها آية الطلاق وآية المواريث.

تفسير الإمام مالك 179 هـ :

قال مالك: المحصنات: ذوات الأزواج.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يعني بذلك جلّ ثناؤه: حرّمت عليكم المحصنات من النساء، إلا ما ملكت أيمانكم.

واختلف أهل التأويل في المحصنات التي عناهنّ الله في هذه الآية؛ فقال بعضهم: هن ذوات الأزواج غير المسبيات منهنّ.

وملكُ اليمين: السبايا اللواتي فرّق بينهنّ وبين أزواجهنّ السباء، فحللن لمن صرن له بملك اليمين من غير طلاق كان من زوجها الحربيّ لها. واعتلّ قائلو هذه المقالة بالأخبار التي رُويت أن هذه الآية نزلت فيمن سُبي من أَوْطاس. وقال آخرون ممن قال: المحصنات: ذوات الأزواج في هذا الموضع. بل هنّ كل ذات زوج من النساء حرام على غير أزواجهنّ، إلا أن تكون مملوكة اشتراها مشتر من مولاها فتحلّ لمشتريها، ويُبطل بيع سيدها إياها النكاحَ بينها وبين زوجها...طلاق الأمة بيعها...

وقال آخرون: بل معنى المحصنات في هذا الموضع: العفائف. قالوا: وتأويل الآية: والعفائف من النساء حرام أيضا عليكم، إلا ما ملكت أيمانكم منهنّ بنكاح وصداق وسنة وشهود من واحدة إلى أربع.

وقال آخرون: المحصنات في هذا الموضع ذوات الأزواج، غير أن الذي حرم الله منهن في هذه الآية الزنا بهن، وأباحهن بقوله: {إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ} بالنكاح أو الملك. وقال آخرون: بل هن نساء أهل الكتاب.

وقال آخرون: بل هن الحرائر.

وقال آخرون: المحصنات: هن العفائف وذوات الأزواج، وحرام كل من الصنفين إلا بنكاح أو ملك يمين.

وقال آخرون: نزلت هذه الآية في نساءكنّ يهاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهنّ أزواج، فيتزوّجهن بعض المسلمين، ثم يقدم أزواجهنّ مهاجرين، فنهي المسلمون عن نكاحهن...

فأما المحصنات فإنهنّ جمع محصنة، وهي التي قد منع فرجها بزوج، يقال منه: أحصن الرجل امرأته فهو يُحْصِنها إحصانا وحَصُنَتْ هي فهي تَحْصُنُ حَصَانَةً: إذا عفّت، وهي حاصن من النساء: عفيفة.

ويقال أيضا إذا هي عفت وحفظت فرجها من الفجور: قد أحصنت فرجها فيه محصنة، كما قال جلّ ثناؤه: {وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها} بمعنى: حفظته من الريبة ومنعته من الفجور. وإنما قيل لحصون المدائن والقرى حصون لمنعها من أرادها وأهلها، وحفظها ما وراءها ممن بغاها من أعدائها، ولذلك قيل للدرع درع حصينة. فإذا كان أصل الإحصان ما ذكرنا من المنع والحفظ فبين أن معنى قوله: {والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ}: والممنوعات من النساء حرام عليكم {إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ}. وإذ كان ذلك معناه، وكان الإحصان قد يكون بالحرية، كما قال جل ثناؤه: {والمُحْصَناتُ مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} ويكون بالإسلام، كما قال تعالى ذكره: {فإذَا أُحْصِنّ فإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنّ نِصْفُ ما على المُحْصَناتِ مِنَ العَذَابِ} ويكون بالعفة كما قال جل ثناؤه: {وَالّذِينَ يَرْمُون المُحْصَناتِ ثُمّ لَمْ يَأْتُوا بأرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} ويكون بالزوج ولم يكن تبارك وتعالى خصّ محصنة دون محصنة في قوله: {والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ} فواجب أن يكون كل محصنة بأي معاني الإحصان كان إحصانها حراما علينا سفاحا أو نكاحا، إلا ما ملكته أيماننا منهن بشراء، كما أباحه لنا كتاب الله جل ثناؤه، أو نكاح على ما أطلقه لنا تنزيل الله. فالذي أباحه تبارك وتعالى لنا نكاحا من الحرائر الأربع سوى اللواتي حرمن علينا بالنسب والصهر، ومن الإماء ما سبينا من العدو سوى اللواتي وافق معناهن معنى ما حرم علينا من الحرائر بالنسب والصهر، فإنهن والحرائر فيما يحل ويحرم بذلك المعنى متفقات المعاني، وسوى اللواتي سبيناهن من أهل الكتابين ولهن أزواج، فإن السباء يحلهن لمن سباهن بعد الاستبراء، وبعد إخراج حق الله تبارك وتعالى الذي جعله لأهل الخمس منهن. فأما السّفاح فإن الله تبارك وتعالى حرمه من جميعهن، فلم يحلّه من حرّة ولا أمة ولا مسلمة ولا كافرة مشركة. وأما الأمة التي لها زوج فإنها لا تحل لمالكها إلا بعد طلاق زوجها إياها، أو وفاته وانقضاء عدتها منه، فأما بيع سيدها إياها فغير موجب بينها وبين زوجها فراقا ولا تحليلاً لمشتريها، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنه خير بريرة إذ أعتقتها عائشة بين المقام مع زوجها الذي كان سادتها زوّجوها منه في حال رقها، وبين فراقه» ولم يجعل صلى الله عليه وسلم عتق عائشة إياها طلاقا. ولو كان عتقها وزوال ملك عائشة إياها لها طلاقا لم يكن لتخيير النبيّ صلى الله عليه وسلم إياها بين المقام مع زوجها والفراق معنى، ولوجب بالعتق الفراق، وبزوال ملك عائشة عنها الطلاق، فلما خيرها النبيّ صلى الله عليه وسلم بين الذي ذكرنا وبين المقام مع زوجها والفراق كان معلوما أنه لم يخير بين ذلك إلا والنكاح عقده ثابت، كما كان قبل زوال ملك عائشة عنها، فكان نظيرا للعتق الذي هو زوال ملك مالك المملوكة ذات الزوج عنها البيع الذي هو زوال ملك مالكها عنها، إذ كان أحدهما زوالاً ببيع والاَخر بعتق في أن الفرقة لا يجب بها بينها وبين زوجها بهما ولا بواحد منهما طلاق وإن اختلفا في معان أخر، من أن لها في العتق الخيار في المقام مع زوجها والفراق، لعلة مفارقة معنى البيع، وليس ذلك لها في البيع.

فإن قال قائل: وكيف يكون معنيا بالاستثناء من قوله: {والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ} ما وراء الأربع من الخمس إلى ما فوقهنّ بالنكاح والمنكوحات به غير مملوكات؟ قيل له: إن الله تعالى لم يخصّ بقوله: {إلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} المملوكات الرقاب دون المملوك عليها بعقد النكاح أمرها، بل عمّ بقوله: {إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ} كلا المعنيين، أعني ملك الرقبة وملك الاستمتاع بالنكاح، لأن جميع ذلك ملكته أيماننا، أما هذه فملك استمتاع، وأما هذه فملك استخدام واستمتاع وتصريف فيما أبيح لمالكها منها. ومن ادعى أن الله تبارك وتعالى عني بقوله: {والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ} محصنة وغير محصنة، سوى من ذكرنا أولاً بالاستثناء بقوله: {إلاّ ما مَلَكَتْ أيمَانُكُم} بَعْضَ أملاك أيماننا دون بعض، غير الذي دللنا على أنه غير معني به، سئل البرهان على دعواه من أصل أو نظير، فلن يقول في ذلك قولاً إلا ألزم في الاَخر مثله. فإن اعتل معتل منكم بحديث أبي سعيد الخدري أن هذه الآية نزلت في سبايا أوطاس، قيل له: إن سبايا أوطاس لم يوطأن بالملك والسباء دون الإسلام، وذلك أنهن كن مشركات من عبدة الأوثان، وقد قامت الحجة بأن نساء عبدة الأوثان لا يحللن بالملك دون الإسلام، وأنهن إذا أسلمن فرق الإسلام بينهنّ وبين الأزواج، سبايا كنّ أو مهاجرات، غير أنهّ إذا كنّ سبايا حللن إذا هن أسلمن بالاستبراء. فلا حجة لمحتج في أن المحصنات اللاتي عناهن بقوله: {والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ} ذوات الأزواج من السبايا دون غيرهن بخبر أبي سعيد الخدري أن ذلك نزل في سبايا أوطاس¹ لأنه وإن كان فيهن نزل، فلم ينزل في إباحة وطئهن بالسباء خاصة دون غيره من المعاني التي ذكرنا، مع أن الآية تنزل في معنى فتعمّ ما نزلت به فيه وغيره، فيلزم حكمها جميع ما عمته لما قد بينا من القول في العموم والخصوص في كتابنا «كتاب البيان عن أصول الأحكام».

{كِتابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ}: كتابا من الله عليكم. فأخرج الكتاب مُصَدّرا من غير لفظه. وإنما جاز ذلك لأن قوله تعالى: {حُرّمَتْ عَلَيْكُم أُمّهاتُكُمْ}... إلى قوله: {كِتابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ} بمعنى: كتب الله تحريم ما حرم من ذلك وتحليل ما حلل من ذلك عليكم كتابا.

{وأُحِلّ لَكُمْ ما وَرَاءَ ذَلِكُمْ أنْ تَبْتَغُوا بأمْوَالِكُمْ}: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: معنى ذلك: وأحلّ لكم ما دون الخمس أن تبتغوا بأموالكم على وجه النكاح.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأحلّ لكم ما وراء ذلكم من سَمّى لكم تحريمه من أقاربكم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: {وأُحِلّ لَكُمْ ما وَرَاءَ ذَلِكُمْ}: عدد ما أحل لكم من المحصنات من النساء الحرائر ومن الإماء.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، ما نحن مبينوه¹ وهو أن الله جلّ ثناؤه بين لعباده المحرّمات بالنسب والصهر، ثم المحرّمات من المحصنات من النساء، ثم أخبرهم جلّ ثناؤه أنه قد أحلّ لهم ما عدا هؤلاء المحرّمات المبينات في هاتين الآيتين أن نبتغيه بأموالنا نكاحا وملك يمين لا سفاحا.

فإن قال قائل: عرفنا المحللات اللواتي هنّ وراء المحرّمات بالأنساب والأصهار، فما المحللات من المحصنات والمحرّمات منهنّ؟ قيل: هو ما دون الخمس من واحدة إلى أربع على ما ذكرنا من الحرائر، فأما ما عدا ذوات الأزواج فغير عدد محصور بملك اليمين.

وإنما قلنا إن ذلك كذلك، لأن قوله: {وأُحِلّ لَكُمْ ما وَرَاء ذَلِكُمْ} عامّ في كل محلّل لنا من النساء أن نبتغيها بأموالنا، فليس توجيه معنى ذلك إلى بعض منهنّ بأولى من بعض، إلا أن تقوم بأن ذلك كذلك حجة يجب التسليم لها، ولا حجة بأن ذلك كذلك.

{ما وَرَاءَ ذَلِكُمْ}: ما عدا هؤلاء اللواتي حرمتهن عليكم أن تبتغوا بأموالكم، يقول: أن تطلبوا وتلتمسوا بأموالكم، إما شراء بها وإما نكاحا بصداق معلوم، كما قال جلّ ثناؤه: {ويكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ} يعني: بما عداه وبما سواه. {مُحْصِنِينَ غيْرَ مُسافِحِينَ}: أعفاء بابتغائكم ما وراء ما حرّم عليكم من النساء بأموالكم، {غَيْرَ مُسَافِحِينَ}: غير مزانين. [غير] زانين بكل زانية.

{فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنّ فَآتُوهُنّ أجُورَهُنّ فَرِيضَةً}.

اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنّ}؛

فقال بعضهم: معناه: فما نكحتم منهنّ فجامعتموهنّ، يعني من النساء {فَآتُوهُنّ أُجُورَهُنّ فَرِيضَةً} يعني: صدقاتهن فريضة معلومة. عن ابن عباس، قوله: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنّ فَآتُوهُنّ أُجُورَهُنّ فَرِيضَةً} يقول: إذا تزوّج الرجل منكم ثم نكحها مرة واحدة فقد وجب صداقها كله. والاستمتاع هو النكاح، وهو قوله: {وآتُوا النّساءَ صَدُقاتِهِنّ نِحْلَةً}.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فما تمتعتم به منهنّ بأجر تمتع اللذة، لا بنكاح مطلق على وجه النكاح الذي يكون بولي وشهود ومهر... فهذه المتعة الرجل ينكح المرأة بشرط إلى أجل مسمى، ويشهد شاهدين، وينكح بإذن وليها، وإذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل وهي منه برة، وعليها أن تستبرئ ما في رحمها، وليس بينهما ميراث، ليس يرث واحد منهما صاحبه... يعني نكاح المتعة.

وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من تأوله: فما نكحتموه منهنّ فجامعتموه فآتوهنّ أجورهنّ لقيام الحجة بتحريم الله متعة النساء على غير وجه النكاح الصحيح أو الملك الصحيح على لسان رسوله اصلى الله عليه وسلم.

وقد دللنا على أن المتعة على غير النكاح الصحيح حرام في غير هذا الموضع من كتبنا بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

{وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الفَرِيضَةِ إنّ اللّهَ كانَ عَلِيما حَكِيما}

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: معنى ذلك: لا حرج عليكم أيها الأزواج إن أدركتكم عسرة بعد أن فرضتم لنسائكم أجورهنّ فريضة فيما تراضيتم به، من حطّ وبراءة، بعد الفرض الذي سلف منكم لهن ما كنتم فرضتم.

وقال آخرون: معنى ذلك: ولا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضيتم أنتم والنساء واللواتي استمتعتم بهنّ إلى أجل مسمى، إذا انقضى الأجل الذي أجلتموه بينكم وبينهم في الفراق، أن يزدنكم في الأجل وتزيدوا من الأجر والفريضة قبل أن يستبرئن أرحامهنّ.

وقال آخرون: معنى ذلك: ولا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضيتم به أنتم ونساؤكم بعد أن تؤتوهن أجورهم على استمتاعكم بهنّ من مقام وفراق.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا جناح عليكم فيما وضعت عنكم نساؤكم من صدقاتهنّ من بعد الفريضة.

وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معنى ذلك: ولا حرج عليكم أيها الناس فيما تَراضيتم به أنتم ونساؤكم من عد إعطائهنّ أجورهنّ على النكاح الذي جرى بينكم وبينهنّ من حطّ ما وجب لهنّ عليكم، أو إبراء أو تأخير ووضع. وذلك نظير قوله جلّ ثناؤه: {وآتُوا النّساءَ صَدُقاتِهِنّ نِحْلَةً فإنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسا فَكُلُوهُ هَنِيئا مَرِيئَا}.

{إنّ اللّهَ كانَ عَلِيما حكِيما}: إن الله كان ذا علم بما يصلحكم أيها الناس في مناكحكم وغيرها من أموركم وأمور سائر خلقه بما يدبر لكم ولهم من التدبير، وفيما يأمركم وينهاكم¹، لا يدخل حكمته خلل ولا زلل.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

في هاتين الآيتين بيان بقية ما يحرم من نكاح النساء وحل ما عداه وحكم نكاح الإماء، وما فصلناهما عما قبلهما إلا لأن من قسموا القرآن إلى ثلاثين جزءا جعلوهما في أول الجزء الخامس وقد راعوا في هذا التقسيم المقادير من اللفظ دون المعنى وكان المناسب للمعنى أن يجعلوا أول الجزء الخامس قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} كما هو ظاهر.

فقوله تعالى: {والمحصنات من النساء} عطف على ما قبله من المحرمات أي وحرمت عليكم المحصنات من النساء أن تنكحوهم. والمحصنات جمع محصنة بفتح الصاد اسم مفعول من "أحصن "عند جميع القراء وروي عن الكسائي كسرها في غير هذا الموضع فقط وقيل لا يصح الفتح عنه.

ويقال أحصنت المرأة إذا تزوجت لأنها تكون في حصن الرجل وحمايته ويقال أحصنها أهلها إذا زوجوها. ومن شأن المتزوجة أن تحصن نفسها فتكتفي بزوجها عن التطلع إلى الرجال لأجل حاجة الطبيعة وتحصن زوجها عن التطلع إلى غيرها من النساء فعلى المرأة المعول في الإحصان... وجماهير السلف والخلف منهم أئمة الفقه المشهورون على أن المراد بالمحصنات ههنا المتزوجات وقيل هن الحرائر وقيل عام في الحرائر والعفائف والمتزوجات. وقد يقال هن الحرائر المتزوجات وسيأتي عن الأستاذ الإمام ما يرجحه. ولماذا قال "من النساء" وصيغة الجمع مغنية عن هذا القيد؟ قال بعضهم النكتة في ذلك تأكيد العموم ولم ير قوله كافيا وافيا وصرح بعضهم بغموض النكتة في ذلك.

قال الأستاذ الإمام:

قد استشكل ذلك المفسرون حتى روي عن مجاهد أنه قال: لو كنت أعلم من يفسرها لي لضربت إليه أكباد الإبل، أي لسافر إليه وإن بعد مكانه. وعندي أن هذا القيد يكاد يكون بديهيا فإن لفظ المحصنات قد يراد به العفيفات أو المسلمات فلو لم يقل ههنا "من النساء" لتوهم أن المحصنات إنما يحرم نكاحهن إذا كن مسلمات فأفاد هذا القيد العموم والإطلاق أي إن عقد الزوجية محترم مطلقا لا فرق فيه بين المؤمنات والكافرات والحرائر والمملوكات فيحرم تزوج أية امرأة في عصمة رجل وحصنه.

وأما قوله تعالى: {إلا ما ملكت أيمانكم} فالجمهور على أنه استثناء من المحصنات أي إلا ما سبيتم منهن في حرب دينية تدافعون فيها عن حقيقتكم، أو تؤمنون بها دعوة دينكم، ورأيتم من المصلحة أن لا تعاد السبايا إلى أزواجهن الكفار في دار الحرب فعند ذلك ينحل عقد زوجيتهن ويكن حلالا لكم بالشروط المعروفة في الشريعة فقد روى مسلم من حديث أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) أنه كان سبب نزول هذه الآية تحرج الصحابة من الاستمتاع بسبايا (أوطاس) وأخرج الحديث أيضا أحمد وأصحاب السنن وفي هذه الروايات التصريح باشتراط الاستبراء بوضع الحامل لحملها، وحيض غيرها ثم طهرها، وقد صرح بعض العلماء كالحنفية وبعض الحنابلة بأن من سبي معها زوجها لا تحل لغيره فاعتبروا في الحل اختلاف الدار دار الإسلام ودار الحرب. وبعضهم يقول إن اختلاف الدار لا دخل له في حل السبايا وإنما سببه أن من سبيت دون زوجها فإنها إنما تحل للسابي بعد استبراء رحمها للشك في حياة زوجها أي وعدم الطمع في لحوقه بها إن فرض أنه بقي حيا إلا على سبيل الندور الذي لا حكم له. وهذا ينطبق على الحكمة العامة في حل الاستمتاع بالمملوكات وهي أنه لما كان الشأن الغالب أن يقتل بعض أزواجهن ويفر بعضهم الآخر حتى لا يعود إلى بلاد المسلمين وكان من الواجب على المسلمين كفالة هؤلاء السبايا بالإنفاق عليهن ومنعهن من الفسق كان من المصلحة لهن وللهيئة الاجتماعية أن يكون لكل واحدة منهن أو أكثر كافل يكفيها هم الرزق وبذل العرض لكل طالب ولا يخفى ما في هذا الأخير من الشقاء على النساء.

فإن قيل أليس الخير لهن أن يرجعن إلى بلادهن فمن كان زوجها حيا عادت إليه ومن كان زوجها مفقودا تزوجت غيره أو كان شر فسقها على قومها؟ نقول إن الإسلام ما فرض السبي ولا أوجبه ولا حرمه أيضا لأنه قد يكون فيه المصلحة حتى للسبايا أنفسهن في بعض الأوقات والأحوال ومنها أن تستأصل الحرب جميع الرجال من قبيلة محدودة العدد مثلا. فإن رأى المسلمون أن الخير والمصلحة في بعض الأحوال أن ترد السبايا إلى قومهن جاز لهم ذلك أو وجب عملا بقاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد. وكل هذا إذا كانت الحرب دينية كما قيدنا فإن كانت الحرب لمطامع الدنيا وحظوظ الملوك فلا يباح فيها السبي. وقد نبه على ذلك الأستاذ الإمام وهذه عبارته في تفسير الآية:

والمحصنات: المتزوجات، وما ملكت الأيمان بالسبي في حرب دينية وأزواجهن كفار في دار الحرب ينفسخ نكاحهن ويحل الاستمتاع بهن بعد الاستبراء. فإذا قيل إن ما ملكت الأيمان يشمل المملوكة المتزوجة في دار الإسلام وهي محرمة على سيدها أن يفترشها بالإجماع! فالجواب أن العموم هنا مخصوص بالمسبيات وسكت عن المملوكات المتزوجات لأن التزوج بالمملوكات خلاف الأصل وهو مكروه في الشرع والذوق والعقل فهو كالتنبيه إلى أنه لا ينبغي أن يكون ولذلك شدد فيه كما يأتي ويزاد على هذا أنه أمر لم يكن معروفا عند التنزيل اه.

أقول: والذي تبادر إلى فهمي أن المراد ب"ملكت أيمانكم" هنا نشوء الملك وحدوثه على الزوجية لأن الفعل الماضي في مقام التشريع لا يراد به الإخبار وإنما يراد به الإنشاء فالمعنى وحرمت عليكم المحصنات أي المتزوجات إلا من طرأ عليهن الملك وإنما يطرأ الملك على المتزوجة بالسبي بشرطه الذي أشرنا إليه وأما المملوكة التي زوجها سيدها فالزواج فيها هو الذي طرأ على الملك بجعل المالك ماله من حق الاستمتاع للزوج. فإذا أخرجها المالك الذي زوجها من ملكه بنحو بيع أو هبة كان بائعا أو واهبا ما يملكه وهو ما عدا الاستمتاع الذي صار حق الزوج. وروي عن بعض الصحابة ومنهم ابن مسعود أن المالك الجديد يبطل نكاحها فتطلق على زوجها وتحل لمالكها الجديد عملا بعموم الآية. ويقال إن عليه جمهور الإمامية ولولا ما اختاره الأستاذ الإمام من عدم الاعتداد بزواج الأمة حتى كأنه غير موجود وما بيناه من كون البائع أو الواهب إنما باع أو وهب ما يملك لكان هذا القول أرجح من مذهب جمهور أهل السنة إلا من قال إن المحصنات هنا يعم ذوات الأزواج والعفيفات والحرائر، وملك اليمين يعم ملك الاستمتاع بالنكاح والاستمتاع بالتسري، والمعنى حينئذ: وحرمت عليكم كل أجنبية إلا بعقد النكاح وهو ملك الاستمتاع أو بملك العين الذي يتبعه حل الاستمتاع. وروي هذا عن سعيد بن جبير وعطاء والسدي من مفسري التابعين وفقهائهم وعن بعض الصحابة أيضا واختاره مالك في الموطأ وفيه من التكلف ما ترى وأما إذا كانت الأمة المتزوجة كافرة وسباها المسلمون بالشروط المتقدمة فبطلان نكاحها بالسبي أولى من بطلان نكاح الحرة به.

ثم قال تعالى: {كتاب الله عليكم} أي كتب الله عليكم تحريم هذه الأنواع من النساء كتابا مؤكدا أي فرضه فرضا ثابتا محكما لا هوادة فيه لأن مصلحتكم فيه ثابتة لا تتغير وسيأتي بيان ذلك في تفسير قوله تعالى: {يريد الله ليبين لكم} [النساء:26].

{وأحل لكم ما وراء ذلكم} قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم {وأحل} بضم الهمزة بالبناء للمفعول وهو المناسب في المقابلة لقوله: {حرمت عليكم أمهاتكم} فيكون معطوفا عليه كما قال الزمخشري، وقرأه الباقون بفتح الهمزة على البناء للفاعل فجعله الزمخشري معطوفا على "كتب" المقدرة الناصبة لقوله {كتاب الله} ترجيحا لجانب اللفظ ولا مانع من عطفه على {حرمت} ومن المعلوم بالبداهة أن المحرم هناك هو المحلل هنا وهو الله عز وجل. والمراد بما وراء ذلكم المبين تحريمه هو ما لا يتناوله بلفظه ولا فحواه، فهو لكونه لا يدخل فيه بنص ظاهر، ولا قياس واضح، جعل وراءه خارجا عن محيط مدلوله وإفادته، فالجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها ليس وراءه كما أشرنا إلى ذلك عند تفسير {وأن تجمعوا بين الأختين} وكذلك كون محرمات الرضاع سبعا كمحرمات النسب.

الأستاذ الإمام:

ذكر فيما مر أكثر المحرمات من النساء وبقي من المحرمات بالرضاعة غير الأمهات والأخوات من المحرمات بالنسب ومثل الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها وقد قال إنه أحل لنا ما وراء ذلك فربما يقال أنه يدخل فيه ما ذكر آنفا ونحوه من المحرم إجماعا أو بنصوص أخرى كالمطلقة ثلاثا والمشركة والمرتدة! والجواب أن بعض ما ذكر يؤخذ مما تقدم فإن الله تعالى قد ذكر من كل صنف من المحرمات بعضه فدخل في الأمهات الجدات وفي البنات بنات الأولاد الخ وبعضها يؤخذ من آيات أخرى كتحريم المشركات والمطلقة ثلاثا على مطلقها في سورة البقرة. وقد يقال إن ما ذكر هنا من المحرمات مجمل بينته السنة والسر في النص على ما ذكر أنه كان واقعا شائعا في الجاهلية فهو يعلمنا بالنص على الواقع أن لا نتعرض إلا للأمور الوجودية وإن الأمور المفروضة والمتخيلة لا ينبغي الالتفات لها ولا الاشتغال بها.

وأقول: إن هذا القول ينظر إلى ما تقدم عن ابن جرير في تفسير {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} [النساء:22] فيكون ما بعد هذه الآية من التفصيل بيانا لها في التحريم والتحليل فلا يدخل فيه ما حرم لسبب آخر كتحريم المشركة. وسواء كان ما ذكر شائعا في الجاهلية أم لا فقد بين الله تعالى لنا ههنا جميع ما يحرم علينا من أنواع القرابة والرضاعة والصهر وهو ما نحتاج إليه لذاته في كل زمان ومكان ولما قال بعد ذلك {وأحل لكم ما وراء ذلكم} فهم منه أنه يحل من هذه الأنواع كل ما لا يتناوله لفظ المحرمات بنص أو دلالة كبنات العم والخال وبنات العمة والخالة الخ ولا يدخل في عمومه حل ما حرم في نصوص أخرى لسبب عارض يزول بزواله كنكاح المشركة والزانية والمرتدة. مثال ذلك أن تقول للمتعلم عند ما تقرأ له كتاب الطهارة لا تلبس ثوبا متنجسا ثم تقول له عند قراءة كتاب اللباس لا تلبس الحرير ولا المنسوج بالذهب أو الفضة والبس كل ما عداهما من الثياب فلا حرج عليك فيها، فهل تدخل في عموم هذا القول الثوب المتنجس؟ لا لا. إن اللفظ العام يتناول كل ما يسمح له السياق والمقام أن يتناوله فإذا كان السياق في نوع له جنس أو أجناس بعضها أعلى من بعض فلا يفهم أحد من أهل اللغة خروج العام عن سياق النوع وتناوله جميع أفراد الجنس السافل أو العالي لذلك النوع فإذا قال صاحب البستان للفعلة الذين يقطعون الأشجار غير المثمرة لتكون خشبا لا تقطعوا الشجر الصغير واقطعوا كل ما عداه من الأشجار الكبيرة فإنهم يفهمون إن مراده من الكلية أفراد ذلك النوع من الشجر الكبير لا جنس الشجر الكبير الذي يعم المثمر. ومثل الثياب الذي أوردناه آنفا أشبه بما نحن فيه.

وقوله تعالى: {أن تبتغوا بأموالكم} معناه أحل لكم ما وراء ذلكم لأجل أن تبتغوه أي تطلبوه بأموالكم أو المعنى أحله لكم أن تبتغوه أي أحل لكم طلبه بأموالكم تدفعونها مهرا للزوجة قيل أو ثمنا للأمة وهو يقتضي أنه يجب قصد إحصان الأمة كما يجب قصد إحصان الزوجة لقوله: {محصنين غير مسافحين} فإن الحال قيد للعامل وحذف مفعول محصنين ليفيد العموم أي محصنين أنفسكم ومن تطلبونها بمالكم باستغناء كل منكما بالآخر عن طلب الاستمتاع المحرم فإن الفطرة تسوق كل ذلك بداعية النسل إلى الاتصال بأنثى وكل أنثى إلى الاتصال بذكر ليزدوجا وينتجا. والإحصان عبارة عن الاختصار الذي يمنع هذه الداعية الفطرية أن تذهب كل مذهب فيتصل كل ذكر بأية امرأة واتته وكل امرأة بأي رجل واتاها بأن يكون غرض كل منهما المشاركة في سفح الماء الذي تفرزه الفطرة لإيثار اللذة على المصلحة، فإن مصلحة البشر أن تكون هذه الداعية الفطرية سائقة لكل فرد من أفراد أحد الجنسين لأن يعيش مع فرد من الجنس الآخر عيشة الاختصاص، لتتكون بذلك البيوت ويتعاون الزوجان على تربية أولادهما. فإذا انتفى قصد هذا الإحصان انحصرت طاعة الداعية الفطرية في قصد سفح الماء، وذلك هو الفساد العام الذي لا تنحصر مصائبه في مجموع الأمة.

وهذه أمة فرنسا قد قل فيها النكاح وكثر السفاح بضعف الدين في عاصمتها (باريس) وأمهات مدنها فقل نسلها ووقف نماؤها وفنك النساء ومسن الرجال وضعفت الدولة فصارت دون خصمها حتى اضطرت إلى الاعتزاز بمحالفة دولة مضادة لها في شكل حكومتها ومدنيتها وهي الدولة الروسية ولولا الثروة الواسعة والعلوم الزاخرة والسياسة المبنية على أصول علم الاجتماع والعمران لأسرع إليها الهلاك كما أسرع إلى الأمم التي كثر مترفوها ففسقوا فيها فحق عليها القول الثابت في سنة الاجتماع "فدمرها الله تدميرا"، وما أراها إلا أول دولة تسقط في أوربا إذا ظل هذا الكفر والفسق على هذا النماء فيها.

وقد خص بعض المفسرين قصد الإحصان بالرجال وخصه الأستاذ الإمام بالنساء فقال معناه أن يقصد الرجل إحصان المرأة وحفظها أن ينالها أحد سواه ليكن عفيفات طاهرات ولا يكون التزوج لمجرد التمتع وسفح الماء وإراقته وهو يدل على بطلان النكاح الموقت وهو نكاح المتعة الذي يشترط فيه الأجل اه وقد علمت أن اللفظ يفيد العموم وهو الذي تقتضيه الحكمة وتتم به المصلحة وإنما بين الأستاذ ما قصر فيه غيره من المفسرين. ومعلوم أن الإحصان إنما يكون بإعطاء المرأة حقها من الاستمتاع فيجب ذلك على الرجل ولا يحل له تعمد التقصير فيه ولا سيما إذا كان سبب ذلك الفسق فإن في ذلك إفساد البيوت الذي يترتب عليه إفساد الأمة. والفقهاء يقولون إنه لا يجب عليه لمملوكته ما يجب عليه من ذلك لزوجته وهم متفقون على أنه يجب عليه منعها من الزنا فهل يكفي هذا المنع في إحصان الأمة دون إحصان الزوجة أم يقولون إن شراء الإماء لأجل الاستمتاع لا يدخل في مفهوم قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين} وإلا فكيف يصح قولهم ويكون موافقا للنص ومنطبقا على حكمة الشرع؟؟.

الحق: إن الاسترقاق فيه مفاسد كثيرة وهو مناف لمحاسن الإسلام وحكمه العالية ولكنه قد كان عمت به البلوى بين الأمم فلذلك لم يمنعه منعا باتا ولكنه خفف مصائبه ومهد السبل لمنعه حتى إذا جاء وقت تقتضي فيه المصلحة العامة منعه مع عدم وجود مفسدة تعارض المنع وترجح عليه كان لأولي الأمر منعه، فإن المصلحة أصل في الأحكام السياسية والمدنية يرجع إليه في غير تحليل المحرمات أو إبطال الواجبات. وقد علمت أن محل إباحة الاسترقاق الحرب الدينية التي يحاربنا فيها الكفار ونحاربهم لأجل ديننا كمنعنا من الدعوة إليه أو إقامة شعائره وأحكامه وقد خير الله تعالى أولي الأمر منا في أسرى هذه الحرب بقوله: {فإما منا بعد وإما فداء} [محمد:4] أي فإما أن تمنوا عليهم وتطلقوهم فضلا وإحسانا وإما أن تأخذوا منهم فداء {حتى تضع الحرب أوزارها} [محمد:4] قال البيضاوي أي آلاتها وأثقالها التي لا تقوم إلا بها كالسلاح والكراع أي حتى تنقضي الحرب ولم يبق إلا مسلم أو مسالم. اه.

والمسالم من لا يحارب المسلمين لأجل دينهم. فإذا جاز لنا أن نمن على الأسرى من الرجال المحاربين الذين يخشى أن يعودوا إلى حربنا أفلا يجوز لنا أن نمن على النساء اللاتي لا ضرر من إطلاقهن وقد يكون الضرر في استرقاقهن؟ وناهيك بالتنفير عن الإسلام، وتأريث الفتن بين أهله وسائر الأقوام، فإن ضرره في هذا الزمان فوق كل ضرر، ومفسدته شر من كل مفسدة.

هذا ولابد من التنبيه هنا إلى مسألة يجهلها العوام، وقد سكت عن بيان الحق فيها جماهير العلماء الأعلام، ومرت على ذلك القرون لا الأعوام، وقد سبق التنبيه إليها من قبل في المنار، وهي أن الاسترقاق الشائع المعروف في هذا العصر والعصور غير شرعي سواء ما كان منه في بلاد السودان وما كان في بلد البيض كبنات الشراكسة اللواتي كن يبعن في الآستانة جهرا قبل الدستور وكلهن حرائر من بنات المسلمين الأحرار ومع هذا كنت ترى العلماء ساكتين عن بيعهن والاستمتاع بهن بغير عقد النكاح وذلك من أعظم المنكرات حتى لو سألت الفقيه عن حكم المسألة بعد شرحها له لأفتاك بأن هذا الاسترقاق محرم إجماعا وربما قال لك وإن مستحل ذلك يكفر لأنه لا يعذر بالجهل وعلل ذلك بما يعللون به مثله وهو أنه مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة.

وقد ذكرت هذه المسألة لأحد أهل الآستانة وأنا أكتب هذا وسألته هل بقي لهذا الرقيق الباطل أثر هنا بعد الدستور؟ فقال نعم ولكنه خفي وغير رسمي ويقال إنه يوجد في الحجاز أيضا، وماذا يمكن أن نعمل وراء بيان حرمة هذا العمل وبراءة الإسلام منه.

{فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة} الاستمتاع بالشيء هو التمتع أو طول التمتع به وهو من المتاع أي الشيء الذي ينتفع به ومنه قوله تعالى: {فاستمتعتم بخلاقكم} [التوبة:69] أي نصيبكم الخ الآية قال بعضهم إن السين والتاء في استمتعن للتأكيد ولا يجوز أن تكون للطلب الذي هو الغالب في معناها والصواب أنه لا مانع يمنع من جعل الصيغة للطلب كما سأبينه. والأجور جمع أجر وهو في الأصل الثواب والجزاء الذي يعطى في مقابلة شيء ما من عمل أو منفعة ثم خص بعد زمن التنزيل أو غلب فيما هو معلوم. والفريضة الحصة المفروضة أي المقدرة المحددة من فرض الخشبة إذا حزها وكانت العرب وغير العرب من الناس ولا يزالون يقدرون الأشياء من المقاييس والإعداد بفرض الخشب.

ويطلق الفرض والفريضة على ما أوجبه الله من التكاليف إيجابا حتما لأن المفروض في الخشب يكون قطعيا لا محل للتردد فيه. والمعنى: فكل امرأة أو أية امرأة من أولئك النساء اللواتي أحل لكم أن تبتغوا تزوجهن بأموالكم استمتعن بها أي تزوجتموها فأعطوها الأجر والجزاء بعد أن تفرضوه لها في مقابلة ذلك الاستمتاع وهو المهر وقد تقدم في تفسير {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} [النساء:4] أنه ينبغي للزوج أن يلاحظ في المهر معنى أعلى من معنى المكافأة والعوض فإن رابطة الزوجية أعلى من ذلك بأن يلاحظ فيه معنى تأكيد المحبة والمودة.

وأقول: إن تسمية المهر هنا أجرا أي ثوابا وجزاء لا ينافي ملاحظة ما في الزوجية من معنى سكون كل من الزوجين إلى الآخر وارتباطه معه برابطة المودة والرحمة كما بين الله تعالى ذلك في سورة الروم، كما لا ينافي ما بينه في سورة البقرة من حقوق كل من الزوجين على الآخر بالمساواة (ج 2 تفسير) ولكنه لما جعل للرجل على المرأة مع هذه المساواة في الحقوق درجة هي درجة القيامة ورياسة المنزل الذي يعمرانه والعشيرة التي يكونانها بالاشتراك وجعله بذلك هو فاعل الاستمتاع أي الانتفاع وهي القابلة له والمواتية فيه فرض لها سبحانه في مقابلة هذا الامتياز الذي جعله للرجل جزاء وأجرا تطيب به نفسها، ويتم به العدل بينها وبين زوجها، فالمهر ليس ثمنا للبضع ولا جزاء للزوجية نفسها وإنما سره وحكمته ما ذكرنا وهو واضح من معنى الآية مطابق للفظها جامع بينها وبين سائر الآيات وقد فتح الله علي به الآن ولم يكن خطر على بالي من قبل على وضوحه في نفسه.

وهل يعطى هذا الأجر المفروض والمهر المحدود قبل الدخول بالمرأة أو بعده؟ إذا قلنا إن السين والتاء في {استمتعتم} للطلب يكون المعنى فمن طلبتم أن تتمتعوا وتنتفعوا بتزوجها فأعطوها المهر الذي تفرضونه لها عند العقد عطاء فريضة أو حال كونه فريضة تفرضونها على أنفسكم أو فرضها الله عليكم، وإذا قلنا إنها ليست للطلب يكون المعنى فمن تمتعتم بتزوجها منهن بأن دخلتم أو صرتم متمكنين من الدخول بها لعدم المانع بعد العقد فأعطوها مهرها عطاء فريضة أو افرضوه لها فريضة أو فرض الله عليكم ذلك فريضة لا هوادة فيها، أو حال كون ذلك المهر فريضة منكم أو منه تعالى. فالمهر يفرض ويعين في عقد النكاح ويسمى ذلك إيتاء وإعطاء حتى قبل القبض يقولون حتى الآن عقد على فلانة وأمهرها بألف أو أعطاها عشرة آلاف مثلا، وكانوا يقولون أيضا فرض لها كذا فريضة ولذلك اخترنا أن الذي فرض الفريضة هو الزوج بتقديمه في التقدير ويؤيده قوله تعالى: {ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} [البقرة:236] وقوله: {وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} [البقرة:237] فالمهر يجب ويتعين بفرضه وتعيينه في العقد ويصير في حكم المعطى والعادة أن يعطى كله أو أكثره قبل الدخول ولا يجب كله إلا بالدخول لأن من طلق قبل الدخول وجب عليه نصف المهر لا كله. ومن لم يعطه قبل الدخول يجب عليه إعطاؤه بعده. ومن قال من الفقهاء لا تسمع دعوى المرأة بمعجل المهر بعد الدخول لم يرد أنه لا يجب لها أو أنه يسقط بالدخول بل أراد أن هذه الدعوى على خلاف الظاهر المعهود فيغلب أن تكون باطلة.

{ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} أي لا حرج ولا تضييق عليكم منه تعالى إذا تراضيتم بعد الفريضة على الزيادة فيها أو النقص منها أو حطها كلها فإن الغرض من الزوجية أن تكونوا في عيشة راضية ومودة ورحمة تصلح بها شؤونكم، وترتقي بها أمتكم، والشرع يضع لكم قواعد العدل، ويهديكم مع ذلك إلى الإحسان والفضل، {إن الله كان عليما حكيما} فيضع لعباده من الشرائع بحكمته ما يعلم أن فيه صلاح حالهم ما تمسكوا به ومن ذلك أن أوجب على الرجل أن يفرض لمن يريد الاستمتاع بها أجرا يكافئها به على قبول قيامه ورياسته عليها ثم أذن له ولها في التراضي على ما يريان الخير فيه والائتلاف والمودة بينهما.

هذا هو المتبادر من نظم الآية فإنها قد بينت ما يحل من نكاح النساء في مقابلة ما حرم فيما قبلها وفي صدرها وبينت كيفيته وهو أن يكون بمال يعطى للمرأة وبأن يكون الغرض المقصود منه الإحصان دون مجرد التمتع بسفح الماء. وذهبت الشيعة إلى أن المراد بالآية نكاح المتعة وهو نكاح المرأة إلى أجل معين كيوم أو أسبوع أو شهر مثلا واستدلوا على ذلك بقراءة شاذة رويت عن أبيّ وابن مسعود وابن عباس (رضي الله عنه) وبالأخبار والآثار التي رويت في المتعة. فأما القراءة فهي شاذة لم تثبت قرآنا. وقد تقدم أن ما صحت فيه الرواية من مثل هذا آحادا فالزيادة فيه من قبيل التفسير وهو فهم لصاحبه وفهم الصحابي ليس حجة في الدين لا سيما إذا كان النظم والأسلوب يأباه كما هنا فإن المتمتع بالنكاح الموقت لا يقصد الإحصان دون المسافحة بل يكون قصده الأول المسافحة. فإن كان هناك ما من إحصان نفسه ومنعها من التنقل في دمن الزنا فإنه لا يكون فيه شيء ما من إحصان المرأة التي تؤجر نفسها كل طائفة من الزمن لرجل. ثم إنه ينافي ما تقرر في القرآن بمعنى هذا كقوله عز وجل في صفة المؤمنين {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} [المؤمنون:5-7] أي المتجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حرمه عليهم وهذه الآيات لا تعارض الآية التي نفسرها بل هي بمعناها فلا نسخ والمرأة المتمتع بها ليست زوجة فيكون لها على الرجل مثل الذي له عليها بالمعروف كما قال الله تعالى وقد نقل عن الشيعة أنفسهم أنهم لا يعطونها أحكام الزوجة ولوازمها فلا يعدونها من الأربع اللواتي تحل للرجل أن يجمع بينها مع عدم الخوف من الجور بل يجوزون للرجل أن يتمتع بالكثير من النساء. ولا يقولون برجم الزاني المتمتع إذ لا يعدونه محصنا وذلك قطع منهم بأنه لا يصدق عليه قوله تعالى في المستمتعين {محصنين غير مسافحين} [النساء:24] وهذا تناقض صريح منهم، ونقل عنهم بعض المفسرين أن المرأة المتمتع بها ليس لها إرث ولا نفقة ولا طلاق ولا عدة!. والحاصل أن القرآن بعيد من هذا القول ولا دليل في هذه الآية ولا شبه دليل عليه البتة.

وأما الأحاديث والآثار المروية في ذلك مجموعها يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرخص لأصحابه فيها في بعض الغزوات ثم نهاهم عنها ثم رخص فيها مرة أو مرتين ثم نهاهم عنها نهيا مؤبدا، وأن الرخصة كانت للعلم بمشقة اجتناب الزنا مع البعد عن نسائهم فكانت من قبيل ارتكاب أخف الضررين فإن الرجل إذا عقد على امرأة خلية نكاحا موقتا وأقام معها ذلك الزمن الذي عينه فذلك أهون من تصديه للزنا بأية امرأة يمكنه أن يستميلها. ويرى أهل السنة أن الرخصة في المتعة مرة أو مرتين يقرب من التدريج في منع الزنا منعا باتا كما وقع التدريج في تحريم الخمر وكلتا الفاحشتين كانتا فاشيتين في الجاهلية ولكن فشوا الزنا كان في الإماء دون الحرائر. وروي عن بعض الصحابة أن الرخصة بالمتعة لم تنسخ أو أن النهي عنها إنما كان في حال الإقامة والاختيار، لا في حال العنت والاضطرار، الذي يكون غالبا في الأسفار، وأشهر علماء الصحابة الذين كانوا يقولون بها عبد الله بن عباس (رضي الله عنه) وقد روي أنه لما رخص فيها قال له مولى له: إنما ذلك في الحال الشديد وفي النساء قلة أو نحوه قال ابن عباس نعم. وعن ابن جبير أنه قال قلت لابن عباس لقد سارت فتياك الركبان وقال فيها الشعراء. قال وما قالوا؟ قلت قالوا:

قد قلت للشيخ لما طال مجلسه ** يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس

هل لك في رخصة الاطراف آنسة ** تكون مثواك حتى مصدر النــــــــاس

فقال سبحان الله ما بهذا أفتيت! وما هي إلا كالميتة والدم ولحم الخنزير ولا تحل إلا للمضطر. فعلى هذا لا يجيزها إلا لمن خشي العنت وعجز عن التزوج الذي مبني عقده على الدوام ورأى أنه لا مفر له من الزنا إلا بهذا الزواج الموقت. ورووا أن عليا كرّم الله وجهه خطأ ابن عباس في رأيه هذا فرجع عنه ولكن ثبت في صحيح مسلم أن ابن عباس كان يقول بذلك في خلافة عبد الله بن الزبير. وروى عنه الترمذي والبيهقي والطبراني أنها كانت في أول الإسلام كان الرجل يقدم البلد ليس له بها معرفة فيتزوج بقدر ما يرى أنه مقيم فتحفظ له متاعه وتصلح له شأنه حتى نزلت الآية {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} [المؤمنون:6] فكل فرج سواهما فهو حرام.

وهذه الرواية معارضة بالروايات الصحيحة عند مسلم وغيره في أن المتعة كانت في أواخر سني الهجرة وبأن الآية التي أشار إليها مكية وبما هو معلوم في التاريخ من أن المسلمين في أول الإسلام لم يكن الرجل منهم يسافر إلى البلد فيقيم فيه كما ذكر في الرواية فإنهم كانوا مضطهدين معرضين للقتل أينما ثقفوا، نعم إن وقوع ذلك منهم ليس محالا ولكنه خلاف الظاهر ولم ترد به رواية معينة عن أحد مع أن ظاهر العبارة أنه كان شائعا. فعبارة هذه الرواية تنم عليها وتشهد أنها لفقت في عهد حضارة المسلمين بعد الصحابة. فالإنصاف أن مجموع الروايات تدل على إصرار ابن عباس (رضي الله عنه) على فتواه بالمتعة لكن على سبيل الضرورة وهو اجتهاد منه معارض بالنصوص ويقابله اجتهاد السواد الأعظم من الصحابة والتابعين وسائر المسلمين.

والعمدة عند أهل السنة في تحريمها وجوه: (أولها) ما علمت من منافاتها لظاهر القرآن في أحكام النكاح والطلاق والعدة إن لم تقل لنصوصه، و (ثانيها) الأحاديث المصرحة بتحريمها تحريما مؤبدا إلى يوم القيامة وقد جمع متونها وطرقها مسلم في صحيحه فمن أحب الاطلاع على ذلك فليرجع إليه وإلى شرح النووي له وكذا شرح الحافظ ابن حجر للبخاري، و (ثالثها): نهي عمر عنها في خلافته وإشادته بتحريمها على المنبر وإقرار الصحابة له على ذلك وقد علم أنهم ما كانوا يقرون على منكر وأنهم كانوا يرجعونه إذا أخطأ، ومنه ما مر في تفسير قوله تعالى: {وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا} [النساء:20] (4 من التفسير) فقد خطأته امرأة فرجع إلى قولها واعترف بخطئه على المنبر ومثل هذا ينقض قول من يقول من الشيعة إنهم سكتوا تقية. وقد تعلقوا بما ورد في بعض في بعض الروايات من قول عمر (رضي الله عنه)" أنا محرمها "فقالوا إنه حرمها من قبل نفسه ولا يعتد بتحريمه ولو بني ذلك على نص لذكره. وأجيب عن ذلك بأنه أسند التحريم إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما في رواية ابن ماجة وابن المنذر والبيهقي فيظهر أن من روى عنه ذلك اللفظ رواه بالمعنى فإن صح أنه لفظه فمعناه أنه مبين تحريمها أو منفذ له. وقد شاع عند الفصحاء والعلماء إسناد التحريم والإيجاب والإباحة إلى مبين ذلك فإذا قالوا: حرم الشافعي النبيذ وأحله أو أباحه أبو حنيفة. لم يعنوا أنهما شرعا ذلك من عند أنفسهما وإنما يعنوه أنهم بينون بما ظهر لهم من الدليل وقد كنا قلنا في" محاورات المصالح والمقلد "التي نشرت في المجلدين الثالث والرابع من المنار إن عمر منع المتعة اجتهادا منه وافقه عليه الصحابة ثم تبين لنا أن ذلك خطأ فنستغفر الله منه. وإنما ذكرنا ذلك على سبيل الشاهد والمثال، لا التمحيص للمسألة على طريق الاستقلال.

وتقول الشيعة إن لديهم روايات عن آل البيت عليهم السلام قاطعة بإباحة المتعة. ولم نطلع على هذه الروايات وأسانيدها لنحكم فيها فأين هي؟ ولكن ثبت عندنا أن إمام أئمة آل البيت عليا كرم الله وجهه حرم المتعة مع المحرمين لها من الصحابة رضوان الله عليهم ويقول بعض الغلاة في التعصب منهم إنا لا نقبل هذه الرواية عنه لأنها رواية الخصم ولأن شيعته أعلم بأقواله. ويجيب أهل السنة عن مثل هذا الكلام بأنه تمويه ومغالطة فإن المسألة ليست من الأصول التي كانت الشيعة بها شيعة وأهل السنة هم أهل السنة وإنما هي من أحكام الفروع العملية التي يهم كل مسلم أن يحرر الرواية فيها عن علماء الصحابة ولا يشك أحد من أهل السنة في كون علي في مقدمتهم. ثم إن رواة الأحاديث المدونة في دواوين أهل السنة المشهورة قسمان منهم الأولون الذين لم يكونوا يلتزمون مذهبا فيتهموا بتأييده بالروايات وإنما يتبعون ما صحت روايته عندهم فالرواية هي الأصل وإلى ما صح منها يذهبون، ومنهم الذين كانوا متبعين للمذاهب بعد حدوثها وقد كان عدولهم يروون ما يوافقها وما يخالفها لأنهم يدينون لله بالصدق في الرواية ويكلون إلى فقائهم بيان معناه وترجيح المتعارض منها بل لم يمتنعوا عن رواية بعض الأحاديث التي لا تخلو من طعن في بعض أصول الدين التي لا تختلف فيها المذاهب. فعدالة الرواة هي العمدة فيرجع فيها إلى قواعد الجرح والتعديل وتراجم الرجال وتمحيص ما قيل في جرحهم وتعديلهم. ولا يستطيع أحد أن ينكر أن المذاهب كانت سببا للوضع والكذب في الرواية وإن نقد الرواة المقلدين هو أهم مسائل هذا الفن ولكن مسألة المتعة لم تكن في عصر الرواية من هذا الباب.

وقد عدل المحدثون من أهل السنة كثيرا من الشيعة في الرواية، ولا سعة في التفسير لهذه المباحث بل أخشى أن أكون خرجت بهذا البحث عن منهاجي فيه وهو الإعراض عن مسائل الخلاف التي لا علاقة لها بفهم القرآن والاهتداء به، وعن الترجيح بين المذاهب الذي هو مثار تفرق المسلمين وتعاديهم، على أنني أبرأ إلى الله من التعصب والتحيز إلى غير ما يظهر لي أنه الحق والله عليم بذات الصدور.

وقد بدأت بكتابة هذا البحث وأنا أنوي أن لا أكتب فيه إلا بضعة أسطر لأنني لا أريد تحرير القول في الروايات هنا وليس عندي حيث أكتب شيء من كتب السنة فأراجعها فيها ولكن ما كتبته هو صفوتها وصفوة ما قالوه فيها، فإن اطلعنا بعد ذلك على روايات أخرى للشيعة بأسانيدها فربما نكتب في ذلك مقالا نمحص فيه ما ورد من الطريقين ونحكم فيه بما نعتقد من قواعد التعارض والترجيح وننشر ذلك في المنار.

وهذا وإن تشديد علماء السلف والخلف في منع المتعة يقتضي منع النكاح بنية الطلاق وإن كان الفقهاء يقولون إن عقد النكاح يكون صحيحا إذا نوى الزوج التوقيت ولم يشترطه في صيغة العقد ولكن كتمانه إياه يعد خداعا وغشا وهو أجدر بالبطلان من العقد الذي يشترط فيه التوقيت يكون بالتراضي بين الزوج والمرأة ووليها ولا يكون فيه من المفسدة إلا العبث بهذه الرابطة العظيمة التي هي أعظم الروابط البشرية، وإيثار التنقل في مراتع الشهوات بين الذواقين والذواقات، وما يترتب على ذلك من المنكرات، وما لا يشترط فيه ذلك يكون على اشتماله على ذلك غشا وخداعا يترتب عليه مفاسد أخرى من العداوة والبغضاء وذهاب الثقة حتى بالصادقين الذين يريدون بالزواج حقيقته وهو إحصان كل من الزوجين للآخر وإخلاصه له وتعاونهما على تأسيس بيت صالح من بيوت الأمة.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

نمضي مع سورة النساء في هذا الجزء، الذي يتضمن معظم أهداف السورة وموضوعاتها، التي أجملنا الإشارة إليها في مطالعها في الجزء الرابع. ونجد في هذا الجزء من الأهداف الأساسية للسورة والموضوعات الرئيسية عناصر كثيرة: نجد في الدرس الأول بقية من تنظيم شؤون الأسرة؛ وإقامتها على أساس ثابت من موحيات الفطرة؛ وحمايتها من تأثير الملابسات العارضة في جو الحياة الزوجية؛ وحمايتها كذلك وحماية المجتمع معها من انتشار الفاحشة، والاستهتار بالحرمات، ووهن الروابط العائلية. كذلك نجد بقية من التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية. تتناول العلاقات المالية والتجارية، كما تتناول بعض أحكام الميراث، وحقوق الملكية للجنسين في المجتمع.. وهذه التنظيمات وتلك تستهدف -كما قلنا في مطالع السورة- نقل المجتمع المسلم من النظام الجاهلي إلى النظام الإسلامي للحياة؛ ومحو الملامح الجاهلية المترسبة، وتثبيت الملامح الإسلامية الجديدة، والارتفاع بالجماعة المسلمة -التي التقطها المنهج الرباني من سفح الجاهلية- والمضي بها صعدا في المرتقى الصاعد، إلى القمة السامقة. ثم نجد في الدرس الثاني عودة إلى تقرير أصول التصور الإسلامي؛ تبين حد الإيمان وشرط الإسلام.. ليقوم هذا التقرير المستأنف قاعدة لبعض تنظيمات أخرى للتكافل الاجتماعي في الجماعة. التكافل الذي يبدأ من أضيق الحدود في الأسرة، ثم يمتد ليشمل المحتاجين والضعاف في الجماعة كلها، ومع الأمر بالبذل والتكافل نجد تقبيح البخل بالمال، والاختيال بالثراء، وكتمان النعمة، والرياء في الإنفاق. كما نجد في هذا الدرس جانبا من التربية النفسية بالعبادة التي بدأ بها، والتطهير لأدائها، واعتبار الخمر دنسا لا يتفق مع حال العبادة.. وذلك كخطوة في طريق تحريمها.. وفق المنهج التربوي الحكيم. وفي الدرس الثالث نجد من موضوعات السورة الأساسية موقفا مع أهل الكتاب يتضمن كشفا لأهدافهم الخبيثة ونياتهم الماكرة بالجماعة المسلمة، وبيانا لطبيعة كيدهم ومكرهم، وتعجيبا من أمرهم، واعتبارهم عدوا للمسلمين. وتهديدهم بسوء المصير والعذاب الأليم. أما الدرس الرابع فيستهدف بيان معنى الدين، وشرط الإيمان، وحد الإسلام. بيانا حاسما جازما. يكشف عن طبيعة النظام الإسلامي، ومنهج المسلمين في الطاعة والاتباع والتلقي من الله وحده، والتحاكم إلى منهج الله وحده، واتباع حكم رسوله وطاعته.. كما يكشف عن تكاليف المسلمين في الأرض في أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بين الناس بالعدل، وإقامة منهج الله في حياة الناس -باعتبار هذا كله شرطا لتحقق الإيمان- مع التعجيب من أمر الذين يدعون الإيمان، ثم لا يحققون شرطه الأول من التحاكم إلى الله ورسوله، مع الرضى والتسليم المطلق.. والتوكيد بعد التوكيد على أنه لا إيمان -مهما ادعاه المدعون- إلا بتحقق هذا الشرط الواضح الصريح. ومن ثم نجد في الدرس الخامس توجيه الجماعة المسلمة لحماية هذا المنهج الواضح بالقتال دونه، والتنديد بالمعوقين والمنافقين الذين يبطئون عن الجهاد. واستجاشة الضمائر المؤمنة، ببيان أهداف القتال، لاستنقاذ الضعاف من المؤمنين من دار الكفر إلى دار الإسلام، وتمتيعهم بالحياة في ظل ذلك المنهج الرفيع الكريم، وبيان حقيقة الأجل والقدر، لتطهير القلوب من الخوف والفزع.. وينتهي الدرس بأمر للنبي صلى الله عليه وسلم أن يمضي إلى الجهاد، ولو لم يجد إلا نفسه! فلا مناص من المضي فيه للتمكين لهذا الدين، وللمنهج الإلهي القويم. وبمناسبة القتال نجد في الدرس السادس بيانا للكثير من قواعد المعاملات الدولية، بين المعسكر الإسلامي وشتى المعسكرات المناوئة له، والمهادنة، والمعاهدة، فليس الأمر أمر قوة وبطش وغلب، ولكنه أمر مواجهة للواقع مع إقامة الحدود المنظمة للعلاقات الإنسانية، في المعسكرات المختلفة الاتجاه.. وفي الدرس السابع نجد الحديث عن الجهاد بالأموال والأنفس، في صدد التنديد بالقاعدين عن الهجرة في دار الكفر، حيث يفتنون عن دينهم، بينما دار الإسلام قائمة، وراية الدين فيها عزيزة كريمة.. وينتهي هذا الدرس أيضا بالتحضيض للمؤمنين على القتال، ومتابعة أعدائهم، وعدم الوهن في طلبهم، وبيان حقيقة موقف المؤمنين وموقف أعدائهم، واختلاف وجهتهم ومصائرهم وجزائهم. وفي الدرس الثامن نستشرف تلك القمة السامقة في العدل الإسلامي، في قصة اليهودي الذي اتهم ظلما، وقامت الشهادات الملفقة ضده، فنزل القرآن من الملأ الأعلى يبرئ هذا اليهودي.. مع كل ما كانت تكيده يهود للإسلام والمسلمين. ولكن العدل الإسلامي الإلهي هو العدل الذي لا يتأثر بالمودة أو الشنأن. وهو القمة السامقة التي لم تبلغ إليها البشرية قط إلا في ظلال هذا المنهج الرفيع الفريد. والدرس التاسع جولة مع الشرك والمشركين، وخرافات الشرك وآثاره في إنشاء الشعائر الضالة، والتصورات السخيفة! مع تصحيح الأوهام والأماني الزائفة عن عدل الله. وتقرير الجزاء على أساس العمل لا الأماني والأوهام. وتوكيد أن الإسلام هو وحدة الدين، وهو ملة إبراهيم. ويعود الدرس العاشر إلى النساء؛ وحقوقهن -وبخاصة اليتامى منهن- وحقوق المستضعفين من الولدان -وهو الموضوع الذي بدأت به السورة- وإلى الإجراءات التي يعالج بها موقف النشوز والإعراض من جانب الزوج. مع بيان حدود العدل المطلوب في معاشرة الزوجات، والذي لا تستقيم العشرة بدونه، ويكون خيرا منها الفرقة، عندما يتعذر الإصلاح.. والتعقيب على هذه الأحكام المتعلقة بالأسرة، والعدل في المعاشرة يربط هذه الأحكام والتوجيهات بالله، وملكيته للسماوات والأرض؛ وقدرته على الذهاب بالناس واستبدال غيرهم بهم -فيدل على ضخامة الأمر، وعلاقته بحقيقة الألوهية الهائلة.. ومن ثم يستجيش تقوى الله في الضمائر؛ ويستطرد إلى دعوة الذين آمنوا إلى العدل المطلق في معاملاتهم كلها، وفي أحكامهم جميعها.. على طريقة القرآن في الاستطراد من القطاع الضيق الخاص، إلى المحيط الشامل العام. ثم يجيء الدرس الأخير في هذا الجزء. وهو يكاد يكون مقصورا على التنديد بالنفاق والمنافقين؛ ودعوة المؤمنين إلى الإيمان الجاد الواضح المستقيم؛ وتحذيرهم من الولاء لغير الجماعة المسلمة وقيادتها الخاصة، ومن التهاون والتراخي في دينهم مجاملة أو مراعاة للعلاقات الاجتماعية أو المصلحية مع المنافقين وأعداء هذا الدين. فهذه سمة من سمات النفاق، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار. والمنافقون هم الذين يتولون الكافرين. ويختم الدرس، ويختم الجزء معه بتقرير حقيقة مؤثرة عن صفة الله سبحانه، وعلاقته بعباده، والحكمة في عقابه للمنحرفين والضالين. وهو- سبحانه -لا حاجة به إلى عقاب مخاليقه لو آمنوا وشكروا: (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم؟ وكان الله شاكرا عليما).. وهو تعبير عجيب يوحي للقلب برحمة الله، واستغنائه- سبحانه -عن تعذيب الناس، لو استقاموا على منهجه، وشكروا فضله في هذا المنهج ومنته.. ولكنهم هم الذين يشترون العذاب لأنفسهم بالكفر والجحود، وما ينشئه الكفر والجحود من فساد في الأرض، وفساد في النفس، وفساد في الحياة. وهكذا يضم الجزء جناحيه على هذا الحشد من الأهداف والموضوعات، وعلى هذا المدى من الأشواط والأبعاد.. فنكتفي في التقديم له بهذه الإشارات الخاطفة، ريثما نستعرض النصوص فيما يلي بتوفيق الله..

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

{والمحصنات مِنَ النسآء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم كتاب الله عَلَيْكُمْ}.

عطف على {وأن تجمعوا} [النساء: 23] والتقدير: وحُرّمت عليكم المحصنات من النساء إلخ... فهذا الصنف من المحرّمات لعارض نظيرَ الجمع بين الأختين.

والمحصنات بفتح الصاد من أحصنها الرجل إذا حفظها واستقّل بها عن غيره، ويقال: امرأة محصنة بكسر الصاد أحصنت نفسها عن غير زوجها، ولم يقرأ قوله: {والمحصنات} في هذه الآية إلاَّ بالفتح.

ويقال أحصَنَ الرجُلُ فهو محصِن بكسر الصاد لا غير، ولا يقال محصَن: ولذلك لم يقرأ أحد: محصَنين غير مسافحين بفتح الصاد، وقرئ قوله: {ومحصنات} بالفتح والكسر وقوله: {فإذا أحصن} [النساء: 25] بضم الهمزة وكسر الصاد، وبفتح الهمزة وفتح الصاد. والمراد هنا المعنى الأول، أي وحرّمت عليكم ذوات الأزواج ما دُمن في عصمة أزواجهنّ، فالمقصود تحريم اشتراك رجلين فأكثر في عصمة امرأة، وذلك إبطال لنوع من النكاح كان في الجاهلية يسمّى الضِّمَاد، ولنوع آخر ورد ذكره في حديث عائشة: أن يشترك الرجال في المرأة وهم دون العشرة، فإذا حملت ووضعت حملها أرسلت إليهم فلا يستطيع أحد منهم أن يمتنع، فتقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، تسمّي من أحبّت باسمه فيلحق به. ونوع آخر يسمّى نكاح الاستبضاع؛ وهو أن يقول الزوج لامرأته إذا طَهرت من حيضها: أرسلي إلى فلان، فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسّها حتّى يتبيّن حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبيّن حملها أصابها زوجها. قالت عائشة: وإنما يفعل هذا رغبة في نجابة الولد، وأحسب أنّ هذا كان يقع بتراض بين الرجلين، والمقصد لا ينحصر في نجابة الولد، فقد يكون لبذل مال أو صحبة. فدَلّت الآية على تحريم كلّ عقد على نكاح ذات الزوج، أي تحريم أن يكون للمرأة أكثر من زوج واحد. وأفادت الآية تعميم حرمتهنّ ولو كان أزواجهنّ مشركين، ولذلك لزم الاستثناء بقوله: {إلا ما ملكت أيمانكم} أي إلاّ اللائي سبَيتُموهنّ في الحرب، لأنّ اليمين في كلام العرب كناية عن اليد حين تمسك السيف.

وقد جعل الله السبي هادما للنكاح تقريراً لمعتاد الأمم في الحروب، وتخويفاً أن لا يناصبوا الإسلام لأنّهم لو رفع عنهم السبي لتكالبوا على قتال المسلمين، إذ لا شيء يحذره العربي من الحرب أشدّ من سبي نسوته، ثم من أسره...

واتّفق المسلمون على أنّ سبي المرأة دون زوجها يهدم النكاح، ويُحلّها لمن وقعت في قسمته عند قسمة المغانم. واختلفوا في التي تسبَى مع زوجها: فالجمهور على أنّ سبيها يهدم نكاحها، وهذا إغضاء من الحكمة التي شرع لأجلها إبقاء حكم الاسترقاق بالأسر.

وأومأت إليها الصلة بقوله: {ملكت أيمانكم} وإلاّ لقال: إلاّ ما تركت أزواجهنّ.

ومن العلماء من قال: إنّ دخول الأمة ذاتِ الزوج في ملك جديد غير ملك الذي زوَّجها من ذلك الزوج يسوّغ لمالكها الجديد إبطال عقد الزوجية بينها وبين زوجها، كالتي تباع أو توهب أو تورث، فانتقال الملك عندهم طلاق. وهذا قول ابن مسعود، وأبَي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، وسعيد، والحسن البصري، وهو شذوذ؛ فإنّ مالكها الثاني إنّما اشتراها عالماً بأنّها ذات زوج، وكأنَّ الحامل لهم على ذلك تصحيح معنى الاستثناء، وإبقاء صيغة المضيّ على ظاهرها في قوله: {ملكت} أي ما كن مملوكات لهم من قبل. والجواب عن ذلك أن المراد بقوله: {ملكت} ما تجدّد ملكها بعد أن كانت حرّة ذات زوج. فالفعل مستعمل في معنى التجدّد.

وقد نقل عن ابن عباس أنّه تحيّر في تفسير هذه الآية، وقال: « لو أعلم أحداً يعلم تفسيرها لضربت إليه أكباد الإبل». ولعلّه يعني من يعلم تفسيرها عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان بعض المسلمين في الزمن الأول يتوهّم أنّ أمة الرجل إذا زوَّجها من زوج لا يحرم على السيّد قِربانها، مع كونها ذات زوج. وقد رأيت منقولاً عن مالك: أنّ رجلا من ثقيف كان فعل ذلك في زمان عُمر، وأنّ عمر سأله عن أمته التي زوجّها وهل يطَؤها، فأنكر، فقال له: لو اعترفتَ لجعلتُكَ نَكَالاً.

وقوله: {كتاب الله عليكم} تذييل، وهو تحريض على وجوب الوقوف عند كتاب الله، ف {عليكم} نائب مناب (الزَمُوا)، وهو مُصيَّر بمعنى اسم الفعل، وذلك كثير في الظروف والمجرورات المنزَّلة منزلة أسماء الأفعال بالقرينة، كقولهم: إليك، ودُونك، وعَليك. و {كتاب الله} مفعوله مُقدّم عليه عند الكوفيين، أو يجعل منصوباً ب (عليكم) محذوفاً دلّ عليه المذكور بعده،...

ويجوز أن يكون {كتاب} مصدراً نائباً مناب فعلِه، أي كَتَب الله ذلك كتاباً، و {عليكم} متعلّقاً به.

{وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين}

عطف على قوله: {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] وما بعدَه، وبذلك تلتئم الجمل الثلاث في الخبرية المراد بها الإنشاء، وفي الفعلية والماضوية.

وقرأ الجمهور: {وأحل لكم} بالبناء للفاعل، والضمير المستتر عائد إلى اسم الجلالة من قوله: {كتاب الله عليكم}.

وأسند التحليل إلى الله تعالى إظهاراً للمنّة، ولِذلك خالف طريقة إسناد التحريم إلى المجهول في قوله: {حرمت عليكم أمهاتكم} لأنّ التحريم مشقّة فليس المقام فيه مقام منّة.

وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر: {وأحل} بضم الهمزة وكسر الحاء على البناء للنائب على طريقة {حرمت عليكم أمهاتكم}.

والوراء هنا بمعنى غير ودُون...

والمعنى: أحلّ لكم ما عَدا أولئكم المحرّمات، وهذا أنزِل قبل تحريم ما حرّمته السُّنة نحو (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها)، ونحو (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).

وقوله: {أن تبتغوا بأموالكم} يجوز أن يكون بدل اشتمال من (ما) باعتبار كون الموصول مفعولا ل (أحَلَّ)، والتقدير: أن تبتغوهنّ بأموالكم فإنّ النساء المبَاحات لا تحلّ إلاّ بعد العقد وإعطاء المهور، فالعقد هو مدلول (تبتغوا)، وبذل المهر هو مدلول (بأموالكم)، ورابط الجملة محذوف: تقديره أن تبتغوه...

ويجوز أن يجعل {أن تبتغوا} معمولا للام التعليل محذوفةٍ، أي أحَلَّهُن لتبتغوهنّ بأموالكم، والمقصود هو عين ما قرّر في الوجه الأول.

و {محصنِين} حال من فاعل (تبتغوا) أي محصنين أنفسكم من الزنى، والمراد متزوّجين على الوجه المعروف. {غير مسافحين} حال ثانية، والمسافح الزاني، لأنّ الزنى يسمّى السفاح، مشتقّا من السفح، وهو أن يهراق الماء دون حَبْس، يقال: سَفَح الماءُ. وذلك أنّ الرجل والمرأة يبذل كلّ منهما للآخر ما رامه منه دون قيد ولا رضَى وليّ، فكأنّهم اشتقّوه من معنى البذل بلا تقيّد بأمرٍ معروف؛ لأنّ المِعطاء يطلق عليه السَّفَّاح. وكان الرجل إذا أراد من المرأة الفاحشة يقول لها: سافحيني، فرجع معنى السفاح إلى التباذل وإطلاق العنان، وقيل: لأنّه بلا عقد، فكأنّه سَفَح سفحاً، أي صبّا لا يحجبه شيء، وغير هذا في اشتقاقه لا يَصحّ، لأنّه لا يختصّ بالزنى.

{فما استمتعتم به منهن فئاتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما}.

تفريع على {أن تبتغوا بأموالكم} وهو تفريع لفظي لبيان حقّ المرأة في المهر وأنّه في مقابلة الاستمتاع تأكيداً لما سبقه من قوله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} [النساء: 4] سواء عند الجمهور الذين يجعلون الصداق ركنا للنكاح، أو عند أبي حنيفة الذي يجعله مجرّد حقّ للزوجة أن تطالب به؛ ولذلك فالظاهر أن تجعل (ما) اسم شرط صادقاً على الاستمتاع، لبيان أنّه لا يجوز إخلاء النكاح عن المهر، لأنّه الفارق بينه وبين السفاح، ولذلك قرن الخبر بالفاء في قوله: {فأتوهن أجورهن فريضة} لأنّه اعتبر جواباً للشرط.

والاستمتاع: الانتفاع، والسين والتاء فيه للمبالغة، وسمَّى الله النكاح استمتاعاً لأنّه منفعة دنيوية، وجميع منافع الدنيا متاع، قال تعالى: {وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع} [الرعد: 26].

والضمير المجرور بالباء عائد على (مَا). و (مِنْ) تبعيضية، أي: فإن استمتعتم بشيء منهن فآتوهنّ؛ فلا يجوز استمتاع بهنّ دون مهر.

أو يكون (مَا) صادقة على النساء، والمجرور بالباء عائداً إلى الاستمتاع المأخوذ من استمتعتم و (من) بيانية، أي فأي امرأة استمتعتم بها فآتوها.

ويجوز أن تجعل (مَا) موصولة، ويكون دخول الفاء في خبرها لمعاملتها معاملة الشرط، وجيء حينئذ ب (ما) ولم يعبر ب (مَن) لأنّ المراد جنس النساء لا القصد إلى امرأة واحدة، على أنّ (ما) تجيء للعاقل كثيراً ولا عكس: و {فريضةً} حال من {أجورهن} أي مفروضة، أي مقدرة بينكم.

والمقصد من ذلك قطع الخصومات في أعظم معاملة يقصد منها الوثاق وحسن السمعة.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمۡ أَن تَبۡتَغُواْ بِأَمۡوَٰلِكُم مُّحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَۚ فَمَا ٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهِۦ مِنۡهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا تَرَٰضَيۡتُم بِهِۦ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡفَرِيضَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا} (24)

فيه أربع عشرة مسألة :

الأولى : قوله تعالى : " والمحصنات " عطف على المحرمات والمذكورات قبل . والتحصن : التمنع ، ومنه الحصن لأنه يمتنع فيه ، ومنه قوله تعالى : " وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم " {[4233]} [ الأنبياء : 80 ] أي لتمنعكم ، ومنه الحصان للفرس ( بكسر الحاء ) لأنه يمنع صاحبه من الهلاك . والحصان ( بفتح الحاء ) : المرأة العفيفة لمنعها نفسها من الهلاك . وحصنت المرأة تحصن فهي حصان ، مثل : جبنت فهي جبان . وقال حسان في عائشة رضي الله عنها :

حصان رزان ما تُزَّنُّ بريبة *** وتصبح غَرْثَى من لحوم الغوافل{[4234]}

والمصدر الحصانة ( بفتح الحاء ) والحصن كالعلم{[4235]} . فالمراد بالمحصنات ههنا ذوات الأزواج ، يقال : امرأة محصنة أي متزوجة ، ومحصنة أي حرة ، ومنه " والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب " {[4236]} [ المائدة : 5 ] . ومحصنة أي عفيفة . قال الله تعالى : " محصنات غير مسافحات " [ النساء : 25 ] وقال : " محصنين غير مسافحين " . ومحصنة ومحصنة وحصان أي عفيفة ، أي ممتنعة من الفسق ، والحرية تمنع الحرة مما يتعاطاه العبيد . قال الله تعالى : " والذين يرمون المحصنات " {[4237]} [ النور : 4 ] أي الحرائر ، وكان عرف الإماء في الجاهلية الزنى ، ألا ترى إلى قول هند بنت عتبة للنبي صلى الله عليه وسلم حين بايعته : " وهل تزني الحرة " ؟ والزوج أيضا يمنع زوجه من أن تزوج غيره ؛ فبناء ( ح ص ن ) معناه المنع كما بينا . ويستعمل الإحصان في الإسلام ؛ لأنه حافظ ومانع ، ولم يرد في الكتاب وورد في السنة ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( الإيمان قيد الفتك ){[4238]} . ومنه قول الهذلي :

فليس كعهد الدار يا أم مالك *** ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل

وقال الشاعر :

قالت هلم إلى الحديث فقلت لا *** يأبى عليك الله والإسلام

ومنه قول سحيم :

كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا{[4239]}

الثانية : إذا ثبت هذا فقد اختلف العلماء في تأويل هذه الآية ، فقال ابن عباس وأبو قلابة وابن زيد ومكحول والزهري وأبو سعيد الخدري : المراد بالمحصنات هنا المسبيات ذوات الأزواج خاصة ، أي هن محرمات إلا ما ملكت اليمين بالسبي من أرض الحرب ، فإن تلك حلال للذي تقع في سهمه وإن كان لها زوج . وهو قول الشافعي في أن السباء يقطع العصمة ، وقال ابن وهب وابن عبدالحكم ورياه عن مالك ، وقال به أشهب . يدل عليه ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس{[4240]} فلقوا العدو فقاتلوهم وظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا ، فكان ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين ، فأنزل الله عز وجل في ذلك{[4241]} " والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم " . أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن . وهذا نص صحيح{[4242]} صريح في أن الآية نزلت بسبب تحرج أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن وطء المسبيات ذوات الأزواج ، فأنزل الله تعالى في جوابهم " إلا ما ملكت أيمانكم " . وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى .

واختلفوا في استبرائها بماذا يكون ؟ فقال الحسن : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يستبرئون المسبية بحيضة ، وقد روي ذلك من حديث أبي سعيد الخدري في سبايا أوطاس ( لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض ) . ولم يجعل لفراش الزوج السابق أثرا حتى يقال : أن المسبية مملوكة ولكنها كانت زوجة زال نكاحها فتعتد عدة الإماء ، على ما نقل عن الحسن بن صالح قال : عليها العدة حيضتان إذا كان لها زوج في دار الحرب . وكافة العلماء رأوا استبراءها واستبراء التي لا زوج لها واحدا في أن الجميع بحيضة واحدة . والمشهور من مذهب مالك أنه لا فرق بين أن يسبى الزوجان مجتمعين أو متفرقين . وروى عنه ابن بكير أنهما إن سبيا جميعا واستبقي الرجل أقرا علي نكاحهما ، فرأى في هذه الرواية أن استبقاءه إبقاء لما يملكه ؛ لأنه قد صار له عهد وزوجته من جملة ما يملكه ، فلا يحال بينه وبينها ، وهو قول أبي حنيفة والثوري ، وبه قال ابن القاسم ورواه عن مالك . والصحيح الأول ؛ لما ذكرناه ؛ ولأن الله تعالى قال : ( إلا ما ملكت أيمانكم ) فأحال على ملك اليمين وجعله هو المؤثر فيتعلق الحكم به من حيث العموم والتعليل جميعا ، إلا ما خصه الدليل . وفي الآية قول ثان قاله عبدالله بن مسعود وسعيد بن المسيب والحسن بن أبي الحسن وأبي بن كعب وجابر بن عبدالله وابن عباس في رواية عكرمة : أن المراد بالآية ذوات الأزواج ، أي فهن حرام إلا أن يشتري الرجل الأمة ذات الزوج فإن بيعها طلاقها والصدقة بها طلاقها ، وأن تورث طلاقها وتطليق الزوج طلاقها . قال ابن مسعود : فإذا بيعت الأمة ولها زوج فالمشتري أحق ببضعها وكذلك المسبية ، كل ذلك موجب للفرقة بينها وبين زوجها . قالوا : وإذا كان كذلك فلا بد أن يكون بيع الأمة طلاقا لها ؛ لأن الفرج محرم على اثنين في حال واحدة بإجماع من المسلمين . قلت : وهذا يرده حديث بريرة ؛ لأن عائشة رضى الله عنها اشترت بريرة وأعتقتها ثم خيرها النبي صلى الله عليه وسلم وكانت ذات زوج ، وفي إجماعهم على أن بريرة قد خيرت تحت زوجها مغيث بعد أن اشترتها عائشة فأعتقتها لدليل{[4243]} على أن بيع الأمة ليس طلاقها{[4244]} ؛ وعلى ذلك جماعة فقهاء الأمصار من أهل الرأي والحديث ، وألا طلاق لها إلا الطلاق . وقد احتج بعضهم بعموم قوله : إلا ما ملكت أيمانكم " وقياسا على المسبيات . وما ذكرناه من حديث بريرة يخصه ويرده ، وأن ذلك إنما هو خاص بالمسبيات على حديث أبي سعيد ، وهو الصواب والحق إن شاء الله تعالى .

وفي الآية قول ثالث : روى الثوري{[4245]} عن مجاهد عن إبراهيم قال ابن مسعود في قوله تعالى : " والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم " قال : ذوات الأزواج من المسلمين والمشركين . وقال علي بن أبي طالب : ذوات الأزواج من المشركين . وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب " والمحصنات من النساء " هن ذوات الأزواج ، ويرجع ذلك إلى أن الله حرم الزنى . وقالت طائفة : المحصنات في هذه الآية يراد به العفائف ، أي كل النساء حرام . وألبسهن اسم الإحصان من كان منهن ذات زوج أو غير ذات زوج ؛ إذ الشرائع في أنفسها تقتضي ذلك .

قوله تعالى : " إلا ما ملكت أيمانكم " قالوا : معناه بنكاح أو شراء . هذا قول أبي العالية وعبيدة السلماني وطاوس وسعيد بن جبير وعطاء ، ورواه عبيدة عن عمر ، فأدخلوا النكاح تحت ملك اليمين ، ويكون معنى الآية عندهم في قوله تعالى : " إلا ما ملكت أيمانكم " يعني تملكون عصمتهن بالنكاح وتملكون الرقبة بالشراء ، فكأنهن كلهن ملك يمين وما عدا ذلك فزنى ، وهذا قول حسن . وقد قال ابن عباس : " المحصنات " العفائف من المسلمين ومن أهل الكتاب . قال ابن عطية : وبهذا التأويل يرجع معنى الآية إلى تحريم الزنى ؛ وأسند الطبري أن رجلا قال لسعيد بن جبير : أما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية فلم يقل فيها شيئا ؟ فقال سعيد : كان ابن عباس لا يعلمها . وأسند أيضا عن مجاهد أنه قال : لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل : قوله " والمحصنات " إلى قوله " حكيما " . قال ابن عطية : ولا أدري كيف نسب هذا القول إلى ابن عباس ولا كيف انتهى مجاهد إلى هذا القول ؟

الثالثة : قوله تعالى : " كتاب الله عليكم " نصب على المصدر المؤكد ، أي حرمت هذه النساء كتابا من الله عليكم .

ومعنى " حرمت عليكم " كتب الله عليكم . وقال الزجاج والكوفيون : هو نصب على الإغراء ، أي الزموا كتاب الله ، أو عليكم كتاب الله . وفيه نظر على ما ذكره أبو علي ، فإن الإغراء لا يجوز فيه تقديم المنصوب على حرف الإغراء ، فلا يقال : زيدا عليك ، أو زيدا دونك ، بل يقال : عليك زيدا ودونك عمرا ، وهذا الذي قاله صحيح على أنه منصوبا ب " عليكم " إشارة إلى ما ثبت في القرآن من قوله تعالى : " مثنى وثلاث ورباع " [ النساء :3 ] وفي هذا بعد ؛ والأظهر أن قوله : " كتاب الله عليكم " إنما هو إشارة إلى التحريم الحاجز بين الناس وبين ما كانت العرب تفعله .

الرابعة : قوله تعالى : " وأُحِلَّ لكم ما وراء ذلكم " قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص " وأحل لكم " ردا على " حرمت عليكم " . الباقون بالفتح ردا على قوله تعالى : " كتاب الله عليكم " . وهذا يقتضي ألا يحرم من النساء إلا من ذكر ، وليس كذلك ، فإن الله تعالى قد حرم على لسان نبيه من لم يذكر في الآية فيضم إليها ، قال الله تعالى : " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " {[4246]} [ الحشر : 7 ] . روى مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها ) . وقال ابن شهاب : فنرى خالة أبيها وعمة أبيها بتلك المنزلة ، وقد قيل : إن تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها متلقى من الآية نفسها ؛ لأن الله تعالى حرم الجمع بين الأختين ، والجمع بين المرأة وعمتها في معنى الجمع بين الأختين ؛ أو لأن الخالة في معنى الوالدة والعمة في معنى الوالد . والصحيح الأول ؛ لأن الكتاب والسنة كالشيء الواحد ؛ فكأنه قال : أحللت لكم ما وراء ما ذكرنا في الكتاب ، وما وراء ما أكملت به البيان على لسان محمد عليه السلام . وقول ابن شهاب : " فنرى خالة أبيها وعمة أبيها بتلك المنزلة " إنما صار إلى ذلك لأنه حمل الخالة والعمة على العموم وتم له ذلك ؛ لأن العمة اسم لكل أنثى شاركت أباك في أصليه أو في أحدهما والخالة كذلك كما بيناه . وفي مصنف أبي داود وغيره عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على بنت أخيها ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها ولا تنكح الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى ) . وروى أبو داود أيضا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كره أن يجمع بين العمة والخالة وبين العمتين والخالتين . الرواية " لا يجمع " برفع العين على الخبر على المشروعية فيتضمن النهي عن ذلك ، وهذا الحديث مجمع على العمل به في تحريم الجمع بين من ذكر فيه بالنكاح . وأجاز الخوارج الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وخالتها{[4247]} ، ولا يعتد بخلافهم لأنهم مرقوا من الدين وخرجوا منه ، ولأنهم مخالفون للسنة الثابتة . وقوله : ( لا يجمع بين العمتين والخالتين ) فقد أشكل على بعض أهل العلم وتحير في معناه حتى حمله على ما يبعد أو لا يجوز ؛ فقال : معنى بين العمتين على المجاز ، أي بين العمة وبنت أخيها ، فقيل لهما : عمتان ، كما قيل : سنة العمرين أبي بكر وعمر ؛ قال : وبين الخالتين مثله . قال النحاس : وهذا من التعسف الذي لا يكاد يسمع بمثله ، وفيه أيضا مع التعسف أنه يكون كلاما مكررا لغير فائدة ؛ لأنه إذا كان المعنى نهى أن يجمع بين العمة وبنت أخيها وبين العمتين يعني به العمة وبنت أخيها صار الكلام مكررا لغير فائدة ، وأيضا فلو كان كما قال لوجب أن يكون وبين الخالة ، وليس كذلك الحديث ؛ لأن الحديث ( نهى أن يجمع بين العمة والخالة ) . فالواجب على لفظ الحديث ألا يجمع بين امرأتين إحداهما عمة الأخرى والأخرى خالة الأخرى . قال النحاس : وهذا يخرج على معنى صحيح ، يكون رجل وابنه تزوجا امرأة وابنتها ، تزوج الرجل البنت وتزوج الابن الأم فولد لكل واحد منهما ابنة من هاتين الزوجتين ، فابنة الأب عمة ابنة الابن ، وابنة الابن خالة ابنة الأب . وأما الجمع بين الخالتين فهذا يوجب أن يكونا امرأتين كل واحدة منهما خالة الأخرى ، وذلك أن يكون رجل تزوج ابنة رجل وتزوج الآخر ابنة ، فولد لكل واحد منهما ابنة ، فابنة كل واحد منهما خالة الأخرى . وأما الجمع بين العمتين فيوجب ألا يجمع بين امرأتين كل واحدة منهما عمة الأخرى ، وذلك أن يتزوج رجل أم رجل ويتزوج الآخر أم الآخر ، فيولد لكل واحد منهما ابنة فابنة كل واحد منهما عمة الأخرى ، فهذا ما حرم الله على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم مما ليس في القرآن .

الخامسة : وإذا تقرر هذا فقد عقد العلماء فيمن يحرم الجمع بينهن عقدا حسنا ، فروى معتمر بن سليمان عن فضيل بن ميسرة عن أبي جرير عن الشعبي قال : كل امرأتين إذا جعلت موضع إحداهما ذكرا لم يجز له أن يتزوج الأخرى فالجمع بينهما باطل . فقلت له : عمن هذا ؟ قال : عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال سفيان الثوري : تفسيره عندنا أن يكون من النسب ، ولا يكون بمنزلة امرأة وابنة زوجها يجمع بينهما إن شاء .

قال أبو عمر : وهذا على مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة والأوزاعي وسائر فقهاء الأمصار من أهل الحديث وغيرهم فيما علمت لا يختلفون في هذا الأصل . وقد كره قوم من السلف أن يجمع الرجل بين ابنة رجل وامرأته من أجل أن أحدهما لو كان ذكرا لم يحل له نكاح الأخرى . والذي عليه العلماء أنه لا بأس بذلك ، وأن المراعى النسب دون غيره من المصاهرة ، ثم ورد في بعض الأخبار التنبيه على العلة في منع الجمع بين من ذكر ، وذلك ما يفضي إليه الجمع من قطع الأرحام القريبة مما يقع بين الضرائر من الشنآن والشرور بسبب الغيرة ، فروى ابن عباس قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوج الرجل المرأة على العمة أو على الخالة ، وقال : ( إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم ) ذكره أبو محمد الأصيلي في فوائده وابن عبدالبر وغيرهما . ومن مراسيل أبي داود عن حسين بن طلحة قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على أخواتها مخافة القطيعة ، وقد طرد بعض السلف هذه العلة فمنع الجمع بين المرأة وقريبتها ، وسواء كانت بنت عم أو بنت خال أو بنت خالة ، روي ذلك عن إسحاق بن طلحة وعكرمة وقتادة وعطاء في رواية ابن أبي نجيح ، وروى عنه ابن جريج أنه لا بأس بذلك وهو الصحيح . وقد نكح حسن بن حسين بن علي في ليلة واحدة ابنة محمد بن علي وابنة عمر بن علي فجمع بين ابنتي عم ، ذكره عبدالرزاق . زاد ابن عيينة : فأصبح نساؤهم لا يدرين إلى أيتهما يذهبن ؛ وقد كره مالك هذا ، وليس بحرام عنده{[4248]} . وفي سماع ابن القاسم : سئل مالك عن ابنتي العم أيجمع بينهما ؟ فقال : ما أعلمه حراما . قيل له : أفتكرهه ؟ قال : إن ناسا ليتقونه . قال ابن القاسم : وهو حلال لا بأس به . قال ابن المنذر : لا أعلم أحدا أبطل هذا النكاح . وهما داخلتان في جملة ما أبيح بالنكاح غير خارجتين منه بكتاب ولا سنة ولا إجماع ، وكذلك الجمع بين ابنتي عمة وابنتي خالة . وقال السدي في قوله تعالى : " وأحل لكم ما وراء ذلك " : يعني النكاح فيما دون الفرج . وقيل : المعنى وأحل لكم ما وراء ذوات المحارم من أقربائكم . قتادة : يعني بذلك ملك اليمين خاصة .

السادسة : قوله تعالى : " أن تبتغوا بأموالكم " لفظ يجمع{[4249]} التزوج والشراء . و " أن " في موضع نصب بدل من " ما " ، وعلى قراءة حمزة في موضع رفع ، ويحتمل أن يكون المعنى لأن ، أو بأن ، فتحذف اللام أو الباء فيكون في موضع نصب . و " محصنين " نصب على الحال ، ومعناه متعففين عن الزنى . " غير مسافحين " أي غير زانين . والسفاح الزنى ، وهو مأخوذ من سفح الماء ، أي صبه وسيلانه ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع الدفاف{[4250]} في عرس : ( هذا النكاح لا السفاح ولا نكاح السر ) . وقد قيل : إن قوله " محصنين غير مسافحين " يحتمل وجهين : أحدهما : ما ذكرناه وهو الإحصان بعقد النكاح ، تقديره اطلبوا منافع البضع بأموالكم على وجه النكاح لا على وجه السفاح ، فيكون للآية{[4251]} على هذا الوجه عموم . ويحتمل أن يقال : " محصنين " أي الإحصان صفة لهن ، ومعناه لتزوجوهن على شرط الإحصان فيهن ، والوجه الأول أولى ؛ لأنه متى أمكن جري الآية على عمومها والتعلق بمقتضاها فهو أولى ، ولأن مقتضى الوجه الثاني أن المسافحات لا يحل التزوج بهن ، وذلك خلاف الإجماع .

السابعة : قوله تعالى : " بأموالكم " أباح الله تعالى الفروج بالأموال ولم يحصل ، فوجب إذا حصل بغير المال ألا تقع الإباحة به ؛ لأنها على غير الشرط المأذون فيه ، كما لو عقد على خمر أو خنزير أو ما لا يصح تملكه . ويرد على أحمد قوله في أن العتق يكون صداقا ؛ لأنه ليس فيه تسليم مال وإنما فيه إسقاط الملك من غير أن استحقت به تسليم مال إليها ؛ فإن الذي كان يملكه المولى من عنده لم ينتقل إليها وإنما سقط . فإذا لم يسلم الزوج إليها شيئا ولم تستحق عليه شيئا ، وإنما أتلف به ملكه ، لم يكن مهرا . وهذا بين مع قوله تعالى : " وأتوا النساء " [ النساء : 4 ] وذلك أمر يقتضي الإيجاب ، وإعطاء العتق لا يصح . وقوله تعالى : " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه " [ النساء : 4 ] وذلك محال في العتق ، فلم يبق أن يكون الصداق إلا مالا لقوله تعالى : " بأموالكم " [ النساء :24 ] اختلف من قال بذلك في قدر ذلك ، فتعلق الشافعي بعموم قوله تعالى : " بأموالكم " في جواز الصداق بقليل وكثير ، وهو الصحيح . ويعضده قوله عليه السلام في حديث الموهوبة ( ولو خاتما من حديد ) . وقوله عليه السلام : ( أنكحوا الأيامى ) . ثلاثا . قيل : ما العلائق بينهم يا رسول الله ؟ قال : ( ما تراضى عليه الأهلون ولو قضيبا من أراك ) . وقال أبو سعيد الخدري : سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صداق النساء فقال : ( هو ما اصطلح عليه أهلوهم ) . وروى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لو أن رجلا أعطى امرأة ملء يديه طعاما كانت به حلالا ) . أخرجهما الدارقطني في سننه . قال الشافعي : كل ما جاز أن يكون ثمنا لشيء ، أو جاز أن يكون أجرة جاز أن يكون صداقا ، وهذا قول جمهور أهل العلم . وجماعة أهل الحديث من أهل المدينة وغيرها ، كلهم أجازوا الصداق بقليل المال وكثيره ، وهو قول عبدالله بن وهب صاحب مالك ، واختاره ابن المنذر وغيره . قال سعيد بن المسيب : لو أصدقها سوطا حلت به ، وأنكح ابنته من عبدالله بن وداعة بدرهمين . وقال ربيعة : يجوز النكاح بدرهم . وقال بعض أصحابنا في تعليل له : وكان أشبه الأشياء بذلك قطع من ربع دينار أو ثلاثة دراهم كيلا .

قال بعض أصحابنا في تعليل له : وكان أشبه الأشياء بذلك قطع اليد ، لأن البضع عضو واليد عضو يستباح بمقدر من المال ، وذلك ربع دينار أو ثلاثة دراهم كيلا ، فرد مالك البضع إليه قياسا على اليد . قال أبو عمر : قد تقدمه إلى هذا أبو حنيفة ، فقاس الصداق على قطع اليد ، واليد عنده لا تقطع إلا في دينار ذهبا أو عشرة دراهم كيلا ، ولا صداق عنده أقل من ذلك ، وعلى ذلك جماعة أصحابه وأهل مذهبه ، وهو قول أكثر أهل بلده في قطع اليد لا في أقل الصداق . وقد قال الداروردي لمالك إذ قال لا صداق أقل من ربع دينار : تعرقت فيها يا أبا عبدالله أي سلكت فيها سبيل أهل العراق . وقد احتج أبو حنيفة بما رواه جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا صداق دون عشرة دراهم ) أخرجه الدارقطني . وفي سنده مبشر بن عبيد متروك . وروي عن داود الأودي عن الشعبي عن علي عليه السلام : لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم . قال أحمد بن حنبل : لقن غياث بن إبراهيم داود الأودي عن الشعبي عن علي : لا مهر أقل من عشرة دراهم . فصار حديثا . وقال النخعي : أقله أربعون درهما . سعيد بن جبير : خمسون درهما . ابن شبرمة : خمسة دراهم . ورواه الدارقطني عن ابن عباس عن علي رضي الله عنه : لا مهر أقل من خمسة دراهم .

الثامنة : قوله تعالى : " فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة " الاستمتاع التلذذ والأجور المهور ، وسمي المهر أجرا لأنه أجر الاستمتاع ، وهذا نص على أن المهر يسمى أجرا ، وذلك{[4252]} دليل على أنه في مقابلة البضع ؛ لأن ما يقابل المنفعة يسمى أجرا . وقد اختلف العلماء في المعقود عليه في النكاح ما هو : بدن المرأة أو منفعة البضع أو الحل{[4253]} ؛ ثلاثة أقوال ، والظاهر المجموع ؛ فإن العقد يقتضي كل ذلك . والله أعلم .

التاسعة : واختلف العلماء في معنى الآية ، فقال الحسن ومجاهد وغيرهما : المعنى فما انتفعتم وتلذذتم بالجماع من النساء بالنكاح الصحيح " فآتوهن أجورهن " أي مهورهن ، فإذا جامعها مرة واحدة فقد وجب المهر كاملا إن كان مسمى ، أو مهر مثلها إن لم يسم ، فإن كان النكاح فاسدا فقد اختلفت الرواية عن مالك في النكاح الفاسد ، هل تستحق به مهر المثل ، أو المسمى إذا كان مهرا صحيحا ؟ فقال مرة المهر المسمى ، وهو ظاهر مذهبه ، وذلك أن ما تراضوا عليه يقين ، ومهر المثل اجتهاد فيجب أن يرجع إلى ما تيقناه ؛ لأن الأموال لا تستحق بالشك . ووجه قوله : " مهر المثل " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فإن دخل بها فلها مهر مثلها بما استحل من فرجها ){[4254]} . قال ابن خويز منداد : ولا يجوز أن تحمل الآية على جواز المتعة ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة وحرمه ؛ ولأن الله تعالى قال : " فأنكحوهن بإذن أهلهن " ومعلوم أن النكاح بإذن الأهلين هو النكاح الشرعي بولي وشاهدين ، ونكاح المتعة ليس كذلك . وقال الجمهور : المراد نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام . وقرأ ابن عباس وأبي وابن جبير " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فأتوهن أجورهن " ثم نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم . وقال سعيد بن المسيب : نسختها آية الميراث ؛ إذ كانت المتعة لا ميراث فيها . وقالت عائشة والقاسم بن محمد : تحريمها ونسخها في القرآن ، وذلك في قوله تعالى : " والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانكم فإنهم غير ملومين " {[4255]} [ المؤمنون : 5 ] . وليست المتعة نكاحا ولا ملك يمين . وروى الدارقطني عن علي بن أبي طالب قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة ، قال : وإنما كانت لمن لم يجد ، فلما نزل النكاح والطلاق والعدة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت . وروى عن علي رضى الله عنه أنه قال : نسخ صوم رمضان كل صوم ، ونسخت الزكاة كل صدقة ، ونسخ الطلاق والعدة والميراث المتعة ، ونسخت الأضحية كل ذبح . وعن ابن مسعود قال : المتعة منسوخة نسخها الطلاق والعدة والميراث . وروى عطاء عن ابن عباس قال : ما كانت المتعة إلا رحمة من الله تعالى رحم بها عباده ولولا نهي عمر عنها ما زنى إلا شقي .

العاشرة : واختلف العلماء كم مرة أبيحت ونسخت ، ففي صحيح مسلم عن عبدالله قال : كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لنا نساء ؛ فقلنا : ألا نستخصي ؟ فنهانا عن ذلك ، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل . قال أبو حاتم البستي في صحيحه : قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم " ألا نستخصي " دليل على أن المتعة كانت محظورة قبل أن أبيح لهم الاستمتاع ، ولو لم تكن محظورة لم يكن لسؤالهم عن هذا معنى ، ثم رخص لهم في الغزو أن ينكحوا المرأة بالثوب إلى أجل ثم نهى عنها عام خيبر ، ثم أذن فيها عام الفتح ، ثم حرمها بعد ثلاث ، فهي محرمة إلى يوم القيامة . وقال ابن العربي : وأما متعة النساء فهي من غرائب الشريعة ؛ لأنها أبيحت في صدر الإسلام ثم حرمت يوم خيبر ، ثم أبيحت في غزوة أوطاس ، ثم حرمت بعد ذلك واستقر الأمر على التحريم ، وليس لها أخت في الشريعة إلا مسألة القبلة ، لأن النسخ طرأ عليها مرتين ثم استقرت بعد ذلك . وقال غيره ممن جمع طرق الأحاديث فيها : إنها تقتضي التحليل والتحريم سبع مرات ، فروى ابن أبي عمرة أنها كانت في صدر الإسلام . وروى سلمة بن الأكوع أنها كانت عام أوطاس . ومن رواية علي تحريمها يوم خيبر . ومن رواية الربيع بن سبرة إباحتها يوم الفتح . قلت : وهذه الطرق كلها في صحيح مسلم ؛ وفي غيره عن علي نهيه عنها في غزوة تبوك ، رواه إسحاق بن راشد عن الزهري عن عبدالله بن محمد بن علي عن أبيه عن علي ، ولم يتابع إسحاق بن راشد على هذه الرواية عن ابن شهاب . قاله أبو عمر رحمه الله . وفي مصنف أبي داود من حديث الربيع بن سبرة النهي عنها في حجة الوداع ، وذهب أبو داود إلى أن هذا أصح ما روي في ذلك . وقال عمرو عن الحسن{[4256]} : ما حلت المتعة قط إلا ثلاثا في عمرة القضاء ما حلت قبلها ولا بعدها . وروي هذا عن سبرة أيضا ، فهذه سبعة مواطن أحلت فيها المتعة وحرمت . قال أبو جعفر الطحاوي : كل هؤلاء الذين رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم إطلاقها أخبروا أنها كانت في سفر ، وأن النهي لحقها في ذلك السفر بعد ذلك ، فمنع منها ، وليس أحد منهم يخبر أنها كانت في حضر . وكذلك روي عن ابن مسعود . فأما حديث سبرة الذي فيه إباحة النبي صلى الله عليه وسلم لها في حجة الوداع فخارج عن معانيها كلها . وقد اعتبرنا هذا الحرف فلم نجده إلا في رواية عبدالعزيز بن عمر بن عبدالعزيز خاصة ، وقد رواه إسماعيل بن عياش عن عبدالعزيز بن عمر بن عبدالعزيز فذكر أن ذلك كان في فتح مكة وأنهم شكوا إليه العزبة{[4257]} فرخص لهم فيها ، ومحال أن يشكوا إليه العزبة في حجة الوداع ؛ لأنهم كانوا حجوا بالنساء ، وكان تزويج النساء بمكة يمكنهم ، ولم يكونوا حينئذ كما كانوا في الغزوات المتقدمة . ويحتمل أنه لما كانت عادة النبي صلى الله عليه وسلم تكرير مثل هذا في مغازيه وفي المواضع الجامعة ، ذكر تحريمها في حجة الوداع ؛ لاجتماع الناس حتى يسمعه من لم يكن سمعه ، فأكد ذلك حتى لا تبقى شبهة لأحد يدعي تحليلها ؛ ولأن أهل مكة كانوا يستعملونها كثيرا .

الحادية عشرة : روى الليث بن سعد عن بكير بن الأشج عن عمار مولى الشريد قال : سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح ؟ قال : لا سفاح ولا نكاح . قلت : فما هي ؟ قال : المتعة كما قال الله تعالى . قلت : هل عليها عدة ؟ قال : نعم حيضة . قلت : يتوارثان ، قال : لا . قال أبو عمر : لم يختلف العلماء من السلف والخلف أن المتعة نكاح إلى أجل لا ميراث فيه ، والفرقة تقع عند انقضاء الأجل من غير طلاق . وقال ابن عطية : " وكانت المتعة أن يتزوج الرجل المرأة بشاهدين وإذن الولي إلى أجل مسمى ؛ وعلى أن لا ميراث بينهما ، ويعطيها ما اتفقا عليه ، فإذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل ويستبرئ رحمها : لأن الولد لا حق فيه بلا شك ، فإن لم تحمل حلت لغيره . وفي كتاب النحاس : في هذا خطأ وأن الولد لا يلحق في نكاح المتعة " . قلت : هذا هو المفهوم من عبارة النحاس . فإنه قال : وإنما المتعة أن يقول لها : أتزوجك يوما - أو ما أشبه ذلك - على أنه لا عدة عليك ولا ميراث بيننا ولا طلاق ولا شاهد يشهد على ذلك ، وهذا هو الزنى بعينه ولم يبح قط في الإسلام ؛ ولذلك قال عمر : لا أوتى برجل تزوج متعة إلا غيبته تحت الحجارة .

الثانية عشرة : وقد اختلف علماؤنا إذا دخل في نكاح المتعة هل يحد ولا يلحق به الولد أو يدفع الحد للشبهة ويلحق به الولد على قولين ، ولكن يعذر ويعاقب{[4258]} . وإذا لحق اليوم الولد في نكاح المتعة في قول بعض العلماء مع القول بتحريمه ، فكيف لا يلحق في ذلك الوقت الذي أبيح ، فدل على أن نكاح المتعة كان على حكم النكاح الصحيح ، ويفارقه في الأجل والميراث . وحكى المهدوي عن ابن عباس أن نكاح المتعة كان بلا ولي ولا شهود . وفيما حكاه ضعف ؛ لما ذكرنا . قال ابن العربي : وقد كان ابن عباس يقول بجوازها ، ثم ثبت رجوعه عنها ، فانعقد الإجماع على تحريمها ، فإذا فعلها أحد رجم في مشهور المذهب . وفي رواية أخرى عن مالك : لا يرجم ؛ لأن نكاح المتعة ليس بحرام ، ولكن لأصل آخر لعلمائنا غريب انفردوا به دون سائر العلماء ، وهو أن ما حرم بالسنة هل هو مثل ما حرم بالقرآن أم لا ؟ فمن رواية بعض المدنيين عن مالك أنهما ليسا بسواء ، وهذا ضعيف . وقال أبو بكر الطرطوسي : ولم يرخص في نكاح المتعة إلا عمران بن حصين وابن عباس وبعض الصحابة وطائفة من أهل البيت . وفي قول ابن عباس يقول الشاعر :

أقول للركب إذ طال الثَّوَاء بنا *** يا صاح هل لك في فُتْيَا ابن عباس

في بضة رخصة الأطراف ناعمة *** تكون مثواك حتى مرجع الناس

وسائر العلماء والفقهاء من الصحابة والتابعين والسلف الصالحين على أن هذه الآية منسوخة ، وأن المتعة حرام . وقال أبو عمر : أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن كلهم يرون المتعة حلالا على مذهب ابن عباس وحرمها سائر الناس . وقال معمر : قال الزهري : ازداد الناس لها مقتا حتى قال الشاعر :

قال المحدث لما طال مجلسه *** يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس

كما تقدم .

الثالثة عشرة : قوله تعالى : " أجورهن " يعم المال وغيره ، فيجوز أن يكون الصداق منافع أعيان . وقد اختلف في هذا العلماء ، فمنعه مالك والمزني والليث وأحمد وأبو حنيفة وأصحابه ، إلا أن أبا حنيفة قال : إذا تزوج على ذلك فالنكاح جائز وهو في حكم من لم يسم لها ، ولها مهر مثلها إن دخل بها ، وإن لم يدخل بها فلها المتعة . وكرهه ابن القاسم في كتاب محمد وأجازه أصبغ . قال ابن شاس : فإن وقع مضى في قول أكثر الأصحاب . وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم . وقال الشافعي : النكاح ثابت وعليه أن يعلمها ما شرط لها . فإن طلقها قبل الدخول ففيها للشافعي قولان : أحدهما أن لها نصف أجر تعليم تلك السورة ، والآخر أن لها نصف مهر مثلها . وقال إسحاق : النكاح جائز . قال أبو الحسن اللخمي : والقول بجواز جميع ذلك أحسن . والإجارة والحج كغيرهما من الأموال التي تتملك وتباع وتشترى . وإنما كره ذلك مالك ؛ لأنه يستحب أن يكون الصداق معجلا ، والإجارة والحج في معنى المؤجل . احتج أهل القول الأول بأن الله تعالى قال : " بأموالكم " [ النساء : 0 1 ] وتحقيق المال ما تتعلق به الأطماع ، ويعد للانتفاع ، ومنفعة الرقبة في الإجارة ومنفعة التعليم للعلم كله ليس بمال . قال الطحاوي : والأصل المجتمع عليه أن رجلا لو استأجر رجلا على أن يعلمه سورة من القرآن سماها ، بدرهم لم يجز ؛ لأن الإجارات لا تجوز إلا لأحد معنيين ؛ إما على عمل بعينه كخياطة ثوب وما أشبهه ، وإما على وقت معلوم ؛ وكان إذا استأجره على تعليم سورة فتلك إجارة لا على وقت معلوم ولا على عمل معلوم ، وإنما استأجره على أن يعلم ، وقد يفهم بقليل التعليم وكثيره في قليل الأوقات وكثيرها . وكذلك لو باعه داره على أن يعلمه سورة من القرآن لم يجز للمعاني التي ذكرناها في الإجارات . وإذا كان التعليم لا يملك به المنافع ولا أعيان الأموال ثبت بالنظر أنه لا تملك به الأبضاع . والله الموفق . احتج من أجاز ذلك بحديث سهل بن سعد في حديث الموهوبة ، وفيه فقال : ( اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن ) . في رواية قال : ( انطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن ) . قالوا : ففي هذا دليل على انعقاد النكاح وتأخر المهر الذي هو التعليم ، وهذا على الظاهر من قوله : ( بما معك من القرآن ) فإن الباء للعوض ، كما تقول : خذ هذا بهذا ، أي عوضا منه . وقوله في الرواية الأخرى : ( فعلمها ) نص في الأمر بالتعليم ، والمساق يشهد بأن ذلك لأجل النكاح ، ولا يلتفت لقول من قال إن ذلك كان إكراما للرجل بما حفظه من القرآن ، أي لما حفظه ، فتكون الباء بمعنى اللام ؛ فإن الحديث الثاني يصرح بخلافه في قوله : ( فعلمها من القرآن ) . ولا حجة فيما روي عن أبي طلحة أنه خطب أم سليم فقالت : إن أسلم تزوجته . فأسلم فتزوجها ، فلا يعلم مهر كان أكرم من مهرها ، كان مهرها الإسلام فإن ذلك خاص به . وأيضا فإنه لا يصل إليها منه شيء بخلاف التعليم وغيره من المنافع . وقد زوج شعيب عليه السلام ابنته من موسى عليه السلام على أن يرعى له غنما في صداقها ، على ما يأتي بيانه في سورة " القصص " {[4259]} . وقد روي من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أصحابه : ( يا فلان هل تزوجت ) ؟ قال : لا ، وليس معي ما أتزوج به . قال : أليس معك " قل هو الله أحد " [ الإخلاص : 1 ] ؟ قال : بلى ! قال : ( ثلث القرآن ، أليس معك آية الكرسي ) ؟ قال : بلى ! قال : ( ربع القرآن ، أليس معك " إذا جاء نصر الله والفتح " [ الفتح :1 ] ؟ قال : بلى ! قال : ( ربع القرآن ) أليس معك " إذا زلزلت " [ الزلزلة : 1 ] ) ؟ قال : بلى ! قال : ( ربع القرآن . تزوج تزوج ) .

قلت : وقد أخرج الدارقطني حديث سهل من حديث ابن مسعود ، وفيه زيادة تبين ، ما احتج به مالك وغيره ، وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ينكح هذه ) ؟ فقام ذلك الرجل فقال : أنا يا رسول الله ؛ فقال : ( ألك مال ) ؟ قال : لا ، يا رسول الله ؛ قال : ( فهل تقرأ من القرآن شيئا ) ؟ . قال : نعم ، سورة البقرة ، وسورة المفصل{[4260]} . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قد أنكحتكها على أن تقرئها وتعلمها وإذا رزقك الله عوضتها ) . فتزوجها الرجل على ذلك . وهذا نص - لو صح - في أن التعليم لا يكون صداقا . قال الدارقطني : تفرد به عتبة بن السكن وهو متروك الحديث . و " فريضة " نصب على المصدر في موضع الحال ، أي مفروضة .

الرابعة عشرة : قوله تعالى : " ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة " أي من زيادة ونقصان في المهر ، فإن ذلك سائغ عند التراضي بعد استقرار الفريضة . والمراد إبراء المرأة عن المهر ، أو توفية الرجل كل المهر إن طلق قبل الدخول . وقال القائلون بأن الآية في المتعة : هذا إشارة إلى ما تراضيا عليه من زيادة في مدة المتعة في أول الإسلام ، فإنه كان يتزوج الرجل المرأة شهرا على دينار مثلا ، فإذا انقضى الشهر فربما كان يقول : زيديني في الأجل أزدك في المهر . فبين أن ذلك كان جائزا عند التراضي .


[4233]:راجع ج 11 ص 320.
[4234]:تزن: تتهم. وغرثى: جائعة. والمراد أنها لا تغتاب غيرها.
[4235]:في كتب اللغة أنه مثلث الحاء.
[4236]:راجع ج 6 ص 75.
[4237]:راجع ج 12 ص 209.
[4238]:الفتك: أن يأتي الرجل صاحبه وهو غار غافل فيشد عليه فيقتله. النهاية.
[4239]:صدره في الديوان: عميرة ودع إن تجهزت غاديا وسيأتي في ج 15 ص 52: عن أبي بكر: هريرة ودع.
[4240]:أوطاس: واد بديار هوازن.
[4241]:من ب و د و ط و ز.
[4242]:من ب و ي.
[4243]:كذا في د.
[4244]:كذا في ب.
[4245]:كذا في أ و ي و ح و ز. وفي ب و ج و د و ط: الترمذي عن مجاهد الخ وكلاهما يجانب الصواب إذ مجاهد يروي عن عبد الله لا عن إبراهيم وليست في الترمذي في الآية رواية مجاهد. في الطبري وابن كثير: الأعمش عن إبراهيم عن عبد الله. وفي الطبري أيضا: حماد عن إبراهيم عن عبد الله.
[4246]:راجع ج 18 ص 10.
[4247]:لا يصح هذا عنهم لأنه رد للنصوص وهو كفر، إن عنى الإباضية على عادته في إدماجهم في الخوارج وهم برءاء. فالقاعدة عندهم سلفا وخلفا: كل امرأتين لو كانت إحداهما ذكرا لا تحل له الأخرى يحرم الجمع بينهما في العصمة. كما في "كتاب النيل وشرحه" والحديث الأصل في هذا صحيح وأصل عندهم والله يقول: {فتبينوا}. راجع الجصاص ج 2 ص 134 ففيه خلاف هذا.
[4248]:في ط: عندهم.
[4249]:في ب: يعم.
[4250]:كذا في الأصول إلا ط: الزفاف. والدفاف صاحب الدف وجمع الدف الدفوف. في الحديث "فصل ما بين الحلال والحرام الصوت والدف".
[4251]:في ج: للآية. وفي الأصول الأخرى: فتكون الآية على هذا الوجه عموم.
[4252]:من ج.
[4253]:كذا في الأصول. وفي البحر: أو الكل. وهو الظاهر.
[4254]:هكذا متن الحديث في كل الأصول. وهو عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي وابن حبان والدارقطني والشافعي، ونصه عند الترمذي "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل – ثلاثا- فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها...." الحديث. وراجع الدارقطني وتعليقه ط الهند.
[4255]:راجع ج 12 ص 105.
[4256]:المتبادر أنه عمرو بن ميمون عن الحسن البصري.
[4257]:العزبة (بضم عين مهملة وزاي معجمة) التجرد عن النساء. ويحتمل أن يكون بغين معجمة وراء مهملة أي الفراق عن الأوطان لما فيه من فراق الأهل (عن ابن ماجه).
[4258]:في ب و ج و د: "يعزر".
[4259]:راجع ج 13 ص 271 فما بعد.
[4260]:الإضافة في سورة المفصل بمعنى من.