الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ فَكَفَّـٰرَتُهُۥٓ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖۚ ذَٰلِكَ كَفَّـٰرَةُ أَيۡمَٰنِكُمۡ إِذَا حَلَفۡتُمۡۚ وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (89)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

(لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم)، وهو الرجل يَحلِف على أمرٍ، وهو يرى أنه فيه صادق، وهو كاذب، فلا إثم عليه ولا كفارة، (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان)، يقول: بما عقد عليه قلبُك، فتحلف وتعلم أنك كاذب، (فكفارته)، يعني: كفارة هذا اليمين الذي عقد عليها قلبه وهو كاذب، (إطعام عشرة مساكين)، لكل مسكين نصف صاع حنطة، (من أوسط ما تطعمون)، يعني من أعدل ما تطعمون (أهليكم) من الشبع، نظيرها في البقرة: (جعلناكم أمة وسطا) (البقرة: 143)، يعني عدلا، قال سبحانه في ن: (قال أوسطهم) (القلم: 28)، يعني أعدلهم، يقول: ليس بأدنى ما تأكلون ولا بأفضله. ثم قال سبحانه: (أو كسوتهم)، يعني: كسوة عشرة مساكين، لكل مسكين عباءة أو ثوب، (أو تحرير رقبة) ما، سواء أكان المحرر يهوديا، أو نصرانيا، أو مجوسيا، أو صابئيا، فهو جائز. وهو بالخيار في الرقبة، أو الطعام، أو الكسوة، (فمن لم يجد) من هذه الخصال الثلاث شيئا، (فصيام ثلاثة أيام)، وهي في قراءة ابن مسعود متتابعات، (ذلك) الذي ذكر الله عز وجل (كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم)، فلا تتعمَّدوا اليمينَ الكاذبة، (كذلك يُبيِّن الله لكم آياته لعلكم تشكرون) ربكم في هذه النعم، إذ جعل لكم مخرجا في إيمانكم فيما ذكر في الكفارة.

تفسير الإمام مالك 179 هـ :

{لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [المائدة: 89].

- يحيى: قال مالك: أحسن ما سمعت في هذا. أن اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذاك، ثم يوجد على غير ذلك، فهو اللغو.

قوله تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} [المائدة: 89]. -يحيى: قال مالك: وعقد اليمين، أن يحلف الرجل أن لا يبيع ثوبه بعشرة دنانير، ثم يبيعه بذلك. أو يحلف ليضربن غلامه، ثم لا يضربه. ونحو هذا. فهذا الذي يكفر صاحبه عن يمينه. وليس في اللغو كفارة.

قال مالك: فأما الذي يحلف على الشيء، وهو يعلم أنه آثم. ويحلف على الكذب، وهو يعلم، ليرضي به أحدا، أو ليعتذر به إلى معتذر إليه، أو ليقطع به مالا، فهذا أعظم من أن تكون فيه كفارة.

قوله تعالى: {إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89].

-مكي: قال مالك: إن غداهم وعشاهم أجزأه.

- الباجي: قال مالك: الوسط بالمدينة مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم، وأما بالبلدان التي يكفر فيها بالحنطة، فالوسط من الشبع غداء وعشاء.

قوله تعالى: {أو كسوتهم} [المائدة: 89].

- يحيى: قال مالك: أحسن ما سمعت في الذي يكفر عن يمينه بالكسوة، إن كسا الرجال، كساهم ثوبا ثوبا. وإن كسا النساء، كساهن ثوبين ثوبين. درعا وخمارا. وذلك أدنى ما يجزئ كلا في صلاته.

قوله تعالى: {أو تحرير رقبة} [المائدة: 89].

ابن العربي: قال مالك: إن من لم يملك إلا رقبة أو دارا لا فضل فيهما، أو عرضا، ثمن رقبة لم يجزه إلا العتق.

قوله تعالى: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} [المائدة: 89].

يحيى: قال مالك: وأحب إلي أن يكون، ما سمى الله في القرآن، يصام متتابعا.

- ابن جرير: حدثني يونس، قال: أخبرنا أشهب، قال: قال مالك: كل ما ذكر الله في القرآن من الصيام، فأن يصام تباعا أحب، فإن فرقها رجوت أن تجزي عنه.

- السيوطي: أخرج مالك قال: كنت أطوف مع مجاهد، فجاءه إنسان يسأله عن صيام الكفارة أيتابع؟ قال حميد: فقلت: لا، فضرب مجاهد في صدري، ثم قال: إنها في قراءة أبي ابن كعب: {متتابعات}.

- يحيى: قال مالك: كل شيء في كتاب الله في الكفارات كذا، أو كذا، فصاحبه مخير في ذلك، أي شيء أحب أن يفعل ذلك، فعل.

تفسير الشافعي 204 هـ :

وعقد اليمين أن يثبتها على الشيء بعينه ألا يفعل الشيء فيفعله، أو ليفعلنه فلا يفعله، أو لقد كان وما كان، فهذا آثم، وعليه الكفارة لما وصفت من أن الله عز وجل قد جعل الكفارات في عمد المأثم...

قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لغو اليمين قول الإنسان: لا والله، وبلى والله 530. فقلت للشافعي: وما الحجة فيما قلت؟ قال: ـ الله أعلم ـ اللغو في لسان العرب: الكلام غير المعقود عليه، وجماع اللغو يكون الخطأ. قال الشافعي: فخالفتموه 531، وزعمتم أن اللغو: حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كما حلف عليه، ثم يوجد على خلافه 532. قال الشافعي: وهذا ضد اللغو، وهذا هو الإثبات في اليمين يقصدها، يحلف لا يفعله يمنعه السبب لقول الله تبارك وتعالى: {وَلَـكِنْ يُّوَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ اَلاَيْمَانَ} 533 ما عقدتم: ما عقدتم به عقد الأيمان عليه. ولو احتمل اللسان ما ذهبتم إليه ما منع احتماله ما ذهبت إليه عائشة، وكانت أولى أن تتبع منكم، لأنها أعلم باللسان منكم، مع علمها بالفقه. (الأم: 7/242-243. ون مختصر المزني ص: 290.)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره للذين كانوا حرّموا على أنفسهم الطيبات من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا حرّموا ذلك بأيمان حلفوا بها، فنهاهم عن تحريمها، وقال لهم: لا يؤاخذكم ربكم باللغو في أيمانكم.

عن ابن عباس، قال: لما نزلت:"يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ في القوم الذين كانوا حرّموا النساء واللحم على أنفسهم، قالوا: يا رسول الله، كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ فأنزل الله تعالى ذكره:" لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ باللّغْوِ فِي أيمَانِكُمْ... "الآية.

فهذا يدلّ على ما قلنا من أن القوم كانوا حرّموا على أنفسهم بأيمان حلفوا بها، فنزلت هذه الآية بسببهم.

واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز وبعض البصريين:"وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ بتشديد القاف، بمعنى: وكدتم الأيمان وردّدتموها وقرّاء الكوفيين: «بِمَا عَقَدْتُمُ الأَيمَانَ» بتخفيف القاف، بمعنى: أوجبتموها على أنفسكم، وعزمت عليها قلوبُكم.

وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ بتخفيف القاف، وذلك أن العرب لا تكاد تستعمل فعلت في الكلام، إلا فيما يكون فيه تردّد مرّة بعد مرّة، مثل قولهم: شدّدت على فلان في كذا إذا كرّر عليه الشدّ مرّة بعد أخرى، فإذا أرادوا الخبر عن فعل مرّة واحدة قيل: شَددت عليه بالتخفيف. وقد أجمع الجميع لا خلاف بينهم أن اليمين التي تجب بالحنث فيها الكفارة تلزم بالحنث في حلف مرّة واحدة وإن لم يكرّرها الحالف مرّات، وكان معلوما بذلك أن الله مؤاخذ الحالف العاقد قلبه على حلفه وإن لم يكرّره ولم يردّده، وإذا كان ذلك كذلك لم يكن لتشديد القاف من عقّدتم وجه مفهوم. فتأويل الكلام إذن: لا يؤاخذكم الله أيها المؤمنون من أيمانكم بما لغوتم فيه، ولكن يؤاخذكم بما أوجبتموه على أنفسكم منها وعقدت عليه قلوبكم. وقد بينا اليمين التي هي لغو والتي الله مؤاخذٌ العبدَ بها، والتي فيها الحنث والتي لا حنث فيها، فيما مضى من كتابنا هذا فكرهنا إعادة ذلك في هذا الموضع.

وأما قوله: "بِمَا عَقّدْتُمُ الأَيمَانَ"؛ عن مجاهد: "وَلَكِنْ يَؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقّدْتُمُ الأَيَمانَ "قال: بما تعمدتم.

عن الحسن: "وَلَكِنْ يَؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقّدْتُمُ الأَيَمانَ" يقول: ما تعمدتَ فيه المأثم، فعليك فيه الكفارة.

" فَكَفّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ ":

اختلف أهل التأويل في الهاء التي في قوله: "فَكَفّارَتُهُ" على ما هي عائدة، ومن ذكر ما؟

فقال بعضهم: هي عائدة على «ما» التي في قوله: بِمَا عَقّدْتُمُ الأَيمَانَ. عن الحسن في هذه الآية: "لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ باللّغْوِ فِي أيمَانِكُمْ" قال: هو أن تحلف على الشيء وأنت يخيل إليك أنه كما حلفت وليس كذلك، فلا يؤاخذكم الله، فلا كفارة، ولكن المؤاخذة والكفارة فيما حلفت عليه على علم.

عن أبي مالك، قال: الأيمان ثلاث: يمين تكفّر، ويمين لا تكفّر، ويمين لا يؤاخذ بها صاحبها. فأما اليمين التي تكفر، فالرجل يحلف على الأمر لا يفعله ثم يفعله، فعليه الكفارة. وأما اليمين التي لا تكفر: فالرجل يحلف على الأمر يتعمد فيه الكذب، فليس فيه كفارة. وأما اليمين التي لا يؤاخذ بها صاحبها: فالرجل يحلف على الأمر يرى أنه كما حلف عليه فلا يكون كذلك، فليس عليه فيه كفارة، وهو اللغو.

قالت عائشة: لغو اليمين ما لم يعقد عليه الحالف قلبه...

فمعنى الكلام على هذا التأويل: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان، فكفارة ما عقدتم منها: إطعام عشرة مساكين.

وقال آخرون: الهاء في قوله: "فَكَفّارَتُهُ" عائدة على اللغو، وهي كناية عنه. قالوا: وإنما معنى الكلام: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم إذا كفرتموه، ولكن يؤاخذكم إذا عقدتم الأيمان فأقمتم على المضيّ عليه بترك الحنث والكفارة فيه، والإقامة على المضيّ عليه غير جائزة لكم، فكفّارة اللغو منها إذا حنثتم فيه: إطعام عشرة مساكين. عن ابن عباس قوله: "لا يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقّدْتُمُ الأَيَمانَ" قال: هو الرجل يحلف على أمر ضرار أن يفعله فلا يفعله، فيرى الذي هو خير منه، فأمره الله أن يكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير. وقال مرّة أخرى: واللغو من اليمين هي التي تكفر لا يؤاخذ الله بها، ولكن من أقام على تحريم ما أحلّ الله له ولم يتحوّل عنه ولم يكفّر عن يمينه، فتلك التي يؤاخذ بها.

عن سعيد بن جبير، قوله: "لا يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقّدْتُمُ الأَيَمانَ" قال: هو الذي يحلف على المعصية فلا يفي، فيكفّر.

عن إبراهيم، قال: اللغو: يمين لا يؤاخذ بها صاحبها، وفيها كفارة.

والذي هو أولى عندي بالصواب في ذلك، أن تكون الهاء في قوله: "فَكَفّارَتُهُ" عائدة على «ما» التي في قوله: "بِمَا عَقّدْتُمُ الأَيمَانَ" لما قدّمنا فيما مضى قبل، أن من لزمته في يمينه كفارة وأوخذ بها غير جائز أن يقال لمن قد أوخذ: لا يؤاخذه الله باللغو، وفي قوله تعالى: "لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ باللّغْوِ فِي أيمانِكُمْ" دليل واضح أنه لا يكون مؤاخذا بوجه من الوجوه من أخبرنا تعالى ذكره أنه غير مؤاخذ.

فإن ظنّ ظانّ أنه إنما عنى تعالى ذكره بقوله: "لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ باللّغْوِ فِي أيمانِكُمْ" بالعقوبة عليها في الآخرة إذا حنثتم وكفّرتم، لا أنه لا يؤاخذهم بها في الدنيا بتكفير، فإن إخبار الله تعالى ذكره وأمره ونهيه في كتابه على الظاهر العامّ عندنا بما قد دللنا على صحة القول به في غير هذا الموضع فأغنى عن إعادته، دون الباطن العامّ الذي لا دلالة على خصوصه في عقل ولا خبر ولا دلالة من عقل ولا خبر، أنه عنى تعالى ذكره بقوله:"لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ باللّغْوِ فِي أيمانِكُمْ "بعض معاني المؤاخذة دون جميعها. وإذ كان ذلك كذلك، وكان من لزمته كفارة في يمين حنث فيها مؤاخذا بها بعقوبة في ماله عاجلة، كان معلوما أنه غير الذي أخبرنا تعالى ذكره أنه لا يؤاخذه بها. وإذا كان الصحيح من التأويل في ذلك ما قلنا بالذي عليه دللنا، فمعنى الكلام إذن: لا يؤاخذكم الله أيها الناس بلغو من القول والأيمان إذا لم تتعمدوا بها معصية الله تعالى ولا خلاف أمره ولم تقصدوا بها إثما، ولكن يؤاخذكم بما تعمدتم به الإثم وأوجبتموه على أنفسكم وعزمت عليه قلوبكم، ويكفر ذلك عنكم، فيغطى على سيء ما كان منكم من كذب وزُور قول ويمحوه عنكم، فلا يتبعكم به ربكم إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم.

" مِنْ أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ ": قال عطاء: أوسطه: أعدله، واختلف أهل التأويل في معنى قوله:"مِنْ أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ"؛ فقال بعضهم: معناه: من أوسط ما يطعم من أجناس الطعام الذي يقتاته أهل بلد المكفّر أهاليهم. عن ابن عمر في قوله: مِنْ أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ قال: من أوسط ما يطعم أهله الخبز والتمر، والخبز والسمن والخبز والزيت، ومن أفضل ما يطعمهم: الخبز واللحم.

عن الحسن قال في كفارة اليمين: يجزيك أن تطعم عشرة مساكين أكله واحدة خبزا ولحما، فإن لم تجد فخبزا وسمنا ولبنا، فإن لم تجد فخبزا وخلاّ وزيتا حتى يشبعوا.

ثم اختلف قائلو ذلك في مَبْلَغِه؛

فقال بعضهم: مبلغ ذلك نصف صاع من حنطة، أو صاع من سائر الحبوب غيرها... عن ابن عباس، قال: لكلّ مسكين مدّين من برّ في كفارة اليمين.

وقال آخرون: بل مبلغ ذلك من كلّ شيء من الحبوب مدّ واحد... قال ابن زيد في قوله: "مِنْ أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ" قال: من أوسط ما تعولونهم. قال: وكان المسلمون رأوا أوسط ذلك مدّا بمدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنطة. وقال آخرون: بل ذلك غَداء وعَشاء. عن عليّ، قال في كفّارة اليمين: يغدّيهم ويعشيهم.

وقال آخرون: إنما عنى بقوله: "مِنْ أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ": من أوسط ما يطعم المكفّر أهله. قال: إن كان ممن يشبع أهله أشبع المساكين العشرة، وإن كان ممن لا يشبعهم لعجزه عن ذلك أطعم المساكين على قدر ما يفعل من ذلك بأهله في عسره ويسره...

وأولى الأقوال في تأويل قوله: "مِنْ أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ" عندنا قول من قال: من أوسط ما تطعمون أهليكم في القلة والكثرة. وذلك أن أحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكفّارات كلها بذلك وردت، وذلك كحكمه صلى الله عليه وسلم في كفّارة الوطء في شهر رمضان بخمسة عشر صاعا بين ستين مسكينا لكلّ مسكين ربع صاع. ولا يعرف له صلى الله عليه وسلم شيء من الكفارات أمر بإطعام خبز وإدام ولا بغَداء وعَشاء. فإذا كان ذلك كذلك، وكانت كفارة اليمين إحدى الكفارات التي تلزم من لزمته، كان سبيلها سبيل ما تولى الحكم فيه صلى الله عليه وسلم من أن الواجب على مكفّرها من الطعام مقدار للمساكين العشرة، محدود بكيل دون جمعهم على غداء أو عشاء مخبوز مأدوم، إذ كانت سنته صلى الله عليه وسلم في سائر الكفارات كذلك. فإذ كان صحيحا ما قلنا بما به استشهدنا، فبيّن أن تأويل الكلام: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان، فكفارته إطعام عشرة مساكين من أعدل إطعامكم أهليكم، وأن «ما» التي في قوله: "مِنْ أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ" بمعنى المصدر، لا بمعنى الأسماء. وإذا كان ذلك كذلك، فأعدل أقوات الموسع على أهله مدّان، وذلك نصف صاع في ربعه إدامه، وذلك أعلى ما حكم به النبيّ صلى الله عليه وسلم في كفارة في إطعام مساكين، وأعدل أقوات المقتر على أهله مدّ وذلك ربع صاع، وهو أدنى ما حكم به في كفارة في إطعام مساكين. وأما الذين رأوا إطعام المساكين في كفارة اليمين الخبز واللحم وما ذكرنا عنهم قبل، والذين رأوا أن يغدوا ويعشوا، فإنهم ذهبوا إلى تأويل قوله: "مِنْ أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ": من أوسط الطعام الذي تطعمونه أهليكم، فجعلوا «ما» التي في قوله: "مِنْ أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ" اسما لا مصدرا، فأوجبوا على المُكفِّر إطعام المساكين من أعدل ما يطعم أهله من الأغذية. وذلك مذهب لولا ما ذكرنا من سنن في الكفارات غيرها التي يجب إلحاق أشكالها بها، وأن كفارة اليمين لها نظيرة وشبيهة يجب إلحاقها بها.

" أوْ كِسْوَتُهُمْ ": يعني تعالى ذكره بذلك: فكفّارة ما عقدتم من الأيمان: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم. يقول إما أن تطعموهم أو تكسوهم، والخيار في ذلك إلى المكفّر.

واختلف أهل التأويل في الكسوة التي عنى الله بقوله:"أوْ كِسْوَتُهُمْ"؛ فقال بعضهم: عنى بذلك كسوة ثوب واحد. عن مجاهد، قال: أدناه ثوب، وأعلاه ما شئت.

وقال بعضهم: عنى بذلك: الكسوة ثوبين ثوبين.

وقال آخرون: بل عَنَى بذلك: كسوتهم: ثوب جامع، كالملحفة والكساء والشيء الذي يصلح للبس والنوم.

وقال آخرون: عنى بذلك كسوة إزار ورداء وقميص.

وقال آخرون: كل ما كسا فيجزي، والآية على عمومها... وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصحة وأشبهها بتأويل القرآن قول من قال: عنى بقوله: "أوْ كِسْوَتُهُمْ": ما وقع عليه اسم كسوة مما يكون ثوبا فصاعدا، لأن ما دون الثوب لا خلاف بين جميع الحجة أنه ليس مما دخل في حكم الآية، فكان ما دون قدر ذلك خارجا من أن يكون الله تعالى عناه بالنقل المستفيض، والثوب وما فوقه داخل في حكم الآية، إذ لم يأت من الله تعالى وحي ولا من رسوله صلى الله عليه وسلم خبر ولم يكن من الأمة إجماع بأنه غير داخل في حكمها، وغير جائز إخراج ما كان ظاهر الآية محتمله من حكم الآية إلاّ بحجة يجب التسليم لها، ولا حجة بذلك.

" أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ": أو فكّ عبد من أسر العبودية وذلها. وأصل التحرير: الفكّ من الأسر، وقيل: تحرير رقبة، والمحرّر صاحب الرقبة، لأن العرب كان من شأنها إذا أسرت أسيرا أن تجمع يديه إلى عنقه بقيد أو حبل أو غير ذلك، وإذا أطلقته من الأسر أطلقت يديه وحلتهما مما كانتا به مشدودتين إلى الرقبة. فجرى الكلام عند إطلاقهم الأسير، بالخبر عن فكّ يديه عن رقبته، وهم يريدون الخبر عن إطلاقه من أسره، كما يقال: قبض فلان يده عن فلان: إذا أمسك يده عن نواله. وبسط فيه لسانه: إذا قال فيه سوءا، فيضاف الفعل إلى الجارحة التي يكون بها ذلك الفعل دون فاعله، لاستعمال الناس ذلك بينهم وعلمهم بمعنى ذلك، فكذلك ذلك في قول الله تعالى ذكره:"أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ "أضيف التحرير إلى الرقبة وإن لم يكن هناك غلّ في رقبته ولا شدّ يد إليها، وكان المراد بالتحرير نفس العبد بما وصفنا من جَري استعمال الناس ذلك بينهم لمعرفتهم بمعناه.

فإن قال قائل: أفكل الرقاب معنىّ بذلك أو بعضها؟ قيل: بل معنىّ بذلك كلّ رقبة كانت سليمة من الإقعاد والعمى والخرس وقطع اليدين أو شللهما والجنون المطبق، ونظائر ذلك، فإن من كان به ذلك أو شيء منه من الرقاب، فلا خلاف بين الجميع من الحجة أنه لا يجزي في كفّارة اليمين. فكان معلوما بذلك أن الله تعالى ذكره لم يعنه بالتحرير في هذه الآية. فأما الصغير والكبير والمسلم والكافر، فإنهم معنيون به.

وقال بعضهم: لا يجزئ في الكفّارة من الرقاب إلاّ صحيح، ويجزئ الصغير فيها... عن إبراهيم، قال: ما كان في القرآن من رقبة مؤمنة. فلا يجزئ إلاّ ما صام وصلّى، وما كان ليس بمؤمنة فالصبيّ يجزئ.

وقال بعضهم: لا يقال للمولود رقبة إلاّ بعد مدّة تأتي عليه. عن سليمان، قال: إذا وُلد الصبيّ فهو نسمة، وإذا انقلب ظهرا لبطن فهو رقبة، وإذا صلّى فهو مؤمنة.

والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى عمّ بذكر الرقبة كلّ رقبة، فأيّ رقبة حرّرها المكفر يمينه في كفّارته فقد أدّى ما كلف، إلاّ ما ذكرنا أن الحجة مجمعة على أن الله تعالى لم يعنه بالتحرير، فذلك خارج من حكم الآية، وما عدا ذلك فجائز تحريره في الكفار بظاهر التنزيل. والمكفّر مخير في تكفير يمينه التي حنث فيها بإحدى هذه الحالات الثلاث التي سماها الله في كتابه، وذلك: إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعم أهله، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، بإجماع من الجميع لا خلاف بينهم في ذلك. فإن ظنّ ظانّ أن ما قلنا من أن ذلك إجماع من الجميع ليس كما قلنا لِمَا:

حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا سليمان الشيباني، قال: حدثنا أبو الضحى، عن مسروق، قال: جاء نعمان بن مقرّن إلى عبد الله، فقال: إني آليت من النساء والفراش فقرأ عبد الله هذه الآية:"لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أحَلّ اللّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إنّ اللّهَ لا يُحِبّ المُعْتَدِينَ "قال: فقال نعمان: إنما سألتك لكوني أتيت على هذه الآية. فقال عبد الله: ائت النساء ونم وأعتق رقبة، فإنك موسر...

ونحو هذا من الأخبار التي رويت عن ابن مسعود وابن عمر وغيرهما، فإن ذلك منهم كان على وجه الاستحباب لمن أمروه بالتكفير بما أمروه بالتكفير به من الرقاب، لا على أنه كان لا يجزئ عندهم التكفير للموسر إلاّ بالرقبة، لأنه لم ينقل أحد عن أحد منهم أنه قال: لا يجزئ الموسرَ التكفيرُ إلاّ بالرقبة. والجميع من علماء الأمصار قديمهم وحديثهم مجمعون على أن التكفير بغير الرقاب جائز للموسر، ففي ذلك مكتفىً عن الاستشهاد على صحة ما قلنا في ذلك بغيره.

" فَمَنْ لَمْ يجِدْ فَصِيامُ ثَلاثةٍ أيّامٍ ": فمن لم يجد لكفارة يمينه التي لزمه تكفيرها من الطعام والكسوة والرقاب ما يكفرها به على ما فرضنا عليه وأوجبناه في كتابنا وعلى لسان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، يقول: فعليه صيام ثلاثة أيام.

ثم اختلف أهل العلم في معنى قوله: "فَمَنْ لَمْ يَجِدْ"، ومتى يستحقّ الحانث في يمينه الذي قد لزمته الكفارة اسم غير واجد حتى يكون ممن له الصيام في ذلك؟ فقال بعضهم: إذا لم يكن للحانث في وقت تكفيره عن يمينه إلاّ قدر قوته وقوت عياله يومه وليلته، فإن له أن يكفّر بالصيام، فإن كان عنده في ذلك الوقت قوته وقوت عياله يومه وليلته ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين أو ما يكسوهم، لزمه التكفير بالإطعام أو الكسوة ولم يجزه الصيام حينئذ، وممن قال ذلك الشافعي.

وقال آخرون: جائز لمن لم يكن عنده مِئتا درهم أن يصوم وهو ممن لا يجد.

وقال آخرون: جائز لمن لم يكن عنده فضل عن رأس ماله يتصرّف به لمعاشه ما يكفّر به بالإطعام أن يصوم، إلاّ أن يكون له كفاية من المال ما يتصرّف به لمعاشه ومن الفضل عن ذلك ما يكفّر به عن يمينه. وهذا قول كان يقوله بعض متأخري المتفقهة.

والصواب من القول في ذلك عندنا، أن من لم يكن عنده في حال حنثه في يمينه إلاّ قدر قوته وقوت عياله يومه وليلته لا فضل له عن ذلك، يصوم ثلاثة أيام، وهو ممن دخل في جملة من لا يجد ما يطعم أو يكسو أو يعتق. وإن كان عنده في ذلك الوقت من الفضل عن قوته وقوت عياله يومه وليلته ما يطعم أو يكسو عشرة مساكين أو يُعتق رقبة، فلا يجزيه حينئذ الصوم لأن إحدى الحالات الثلاث حينئذٍ من إطعام أو كسوة أو عتق حقّ قد أوجبه الله تعالى في ماله وجوب الدين، وقد قامت الحجة بأن المفلس إذا فرقّ ماله بين غرمائه أنه لا يترك ذلك اليوم إلاّ ما لا بدّ له من قوته وقوت عياله يومه وليلته، فكذلك حكم المعدم بالدين الذي أوجبه الله تعالى في ماله بسبب الكفّارة التي لزمت ماله.

واختلف أهل العلم في صفة الصوم الذي أوجبه الله في كفارة اليمين؛ فقال بعضهم: صفته أن يكون مواصلاً بين الأيام الثلاثة غير مفرّقها. عن مجاهد، قال: كلّ صوم في القرآن فهو متتابع إلاّ قضاء رمضان، فإنه عدّة من أيام أخر.

عن الربيع بن أنس، قال: كان أبيّ بن كعب يقرأ: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات».

وقال آخرون: جائز لمن صامهنّ أن يصومهنّ كيف شاء مجتمعات ومفترقات. والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى أوجب على من لزمته كفارة يمين إذا لم يجد إلى تكفيرها بالإطعام أو الكسوة أو العتق سبيلاً، أن يكفّرها بصيام ثلاثة أيام، ولم يشرط في ذلك متتابعة، فكيفما صامهنّ المكفّر مفرّقة ومتتابعة أجزأه، لأن الله تعالى إنما أوجب عليه صيام ثلاثة أيام، فكيفما أتى بصومهنّ أجزأ. فأما ما رُوي عن أبيّ وابن مسعود من قراءتهما «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» فذلك خلاف ما في مصاحفنا، وغير جائز لنا أن نشهد بشيء ليس في مصاحفنا من الكلام أنه من كتاب الله. غير أني أختار للصائم في كفّارة اليمين أن يتابع بين الأيام الثلاثة ولا يفرّق، لأنه لا خلاف بين الجميع أنه إذا فعل ذلك فقد أجزأ ذلك عنه من كفّارته. وهم في غير ذلك مختلفون، ففعل ما لا يختلف في جوازه أحبّ إليّ وإن كان الآخر جائزا.

" ذَلِكَ كَفّارَةُ أيمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أيمَانَكُمْ كذَلِكَ يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ ": ذَلِكَ هذا الذي ذكرت لكم أنه كَفّارَةُ أيمانِكُمْ من إطعام العشرة المساكين أو كسوتهم أو تحرير الرقبة، وصيام الثلاثة الأيام إذا لم تجدوا من ذلك شيئا هو كفارة أيمانكم التي عقدتموها إذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أيها الذين آمنوا أيمَانَكُمْ أن تحنثوا فيها ثم تضيعوا الكفارة فيها بما وصفته لكم. "كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمْ آياتِهِ" كما بين لكم كفارة أيمانكم، كذلك يبين الله لكم جميع آياته، يعني: أعلام دينه، فيوضحها لكم، لئلا يقول المضيع المفرّط فيما ألزمه الله: لم أعلم حكم الله في ذلك. "لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ": لتشكروا اللهَ على هدايته إيَّاكم وتوفيقه لكم.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [البقرة: 225 والمائدة: 89] إنه عز وجل ذكر يمينا لا يؤاخذ فيها في موضعين من غير أن ذكر أنها: أي يمين هي؟ ولا بأي شيء، لا يؤاخذ فيها؟ والحاجة لازمة. إن ذلك في موضع الامتنان منه، جل وعلا، في العفو عن أمر كان له المؤاخذة. وحق على السامع معرفة منة الله تعالى ليشكره عليها. ثم معلوم أن اليمين لو كانت بالطلاق والعتاق كان صاحب ذلك يؤاخذ بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن ثلاثا جدهن جد، وهزلهن جد: الطلاق والعتاق والنكاح» [أبو داوود: 2194]. واللاغي لا يعدو أمرين مع ما كان يلزمان بلا شرط، يصير به الموقع حالفا. وأعظم ما في دفع المؤاخذة في اليمين أن يدفع عنه اليمين، وهما يجبان دونهما، فيقعان من غير أن كان في الآية ذكر التفضيل. ولكن تجب معرفة حقيقة ذلك بالذي بينا من الخبر والنظر مع ما يعرف في ذلك خلافا. وهذا يوضح أن العفو في ما كانت الأيمان بالله تعالى...

ثم احتج قوم بوجوب الكفارة بعقد اليمين بقوله: (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان)... وفي الجملة: أمر الله أن يوفوا بعهده لا أن ينقضوا، وقد جعلت اليمين عهده، وأمرنا بوفائه، فنقضه يوجب الخلف في وعده والنقض لعهده، فيأثم الحالف لا بالحل. فلذا تجب الكفارة. ولو كانت لليمين كفارة لكان الحنث أحق أن يوجب الكفارة...

والثاني أن يكون على إضمار حين يؤاخذكم بحنثكم في ما عقدتم. وذلك غير مدفوع في حق الكفارات كقوله تعالى: (فإن أحصرتم) الآية [البقرة: 196] وقوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه) الآية [البقرة: 196] لا على الوجوب للعدو ولكن باستعمال الرخصة فيه، إذ لا يكون العدو سببا لإيجاب. فمثله في الأول لا يكون تعظيم الرب سبب إيجاب الكفارة، فيصير الحنث فيه مضمرا، والله أعلم. والإضافة إلى الأيمان على إرادة الحنث فيها كإضافة كفارة الفطر إلى الصيام والدم إلى الحج والسجود إلى السهو [من م، في الأصل: السجود]، وإن كانت الكفارات ليست لما أضيفت إليه...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

اللغو في اليمين: الساقط الذي لا يتعلق به حكم...

{بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان} بتعقيدكم الأيمان وهو توثيقها بالقصد والنية... والمعنى: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنثتم، فحذف وقت المؤاخذة. لأنه كان معلوماً عندهم، أو بنكث ما عقدتم. فحذف المضاف {فَكَفَّارَتُهُ} فكفارة نكثه. والكفارة: الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها. {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ} من أقصده، لأنّ منهم من يسرف في إطعام أهله... والمعنى {إِذَا حَلَفْتُمْ} وحنثتم. فترك ذكر الحنث لوقوع العلم بأنّ الكفارة إنما تجب بالحنث في الحلف، لا بنفس الحلف،...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

و {الأيمان} جمع يمين وهي الأِلَّية، سميت يميناً لما كان عرفهم أن يصفقوا بأيمان بعضهم على بعض عند الألية. وقوله تعالى: {فكفارته} معناه فالشيء الساتر على إثم الحنث في اليمين إطعام، والضمير على الصناعة النحوية عائد على ما، ويحتمل {ما} في هذا الموضع أن تكون بمعنى الذي، وتحتمل أن تكون مصدرية وهو عائد مع المعنى الذي ذكرناه على إثم الحنث، ولم يجر له ذكر صحيح لكن المعنى يقتضيه. و {إطعام عشرة مساكين} معناه إشباعهم مرة،... وقوله تعالى: {ذلك كفارة أيمانكم} إشارة إلى ما ذكر من الأشياء الثلاثة. وقوله {إذا حلفتم} معناه ثم أردتم الحنث أو وقعتم فيه وباقي الآية وصاة وتوقيف على النعمة والإيمان...

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْيَمِينُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: لَغْوٌ وَمُنْعَقِدَةٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا لَغْوَ الْيَمِينِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَأَمَّا الْيَمِينُ الْمُنْعَقِدَةُ فَهِيَ الْمُنْفَعِلَةُ من الْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: حِسِّيٌّ كَعَقْدِ الْحَبْلِ، وَحُكْمِيٌّ كَعَقْدِ الْبَيْعِ؛ وَهُوَ رَبْطُ الْقَوْلِ بِالْقَصْدِ الْقَائِمِ بِالْقَلْبِ، يَعْزِمُ بِقَلْبِهِ أَوَّلًا مُتَوَاصِلًا مُنْتَظِمًا، ثُمَّ يُخْبِرُ عَمَّا انْعَقَدَ من ذَلِكَ بِلِسَانِهِ...

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْله تَعَالَى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}: وَقَوْلُهُ: {تُطْعِمُونَ} يَحْتَمِلُ طَعَامَهُمْ بَقِيَّةَ عُمْرِهِمْ، وَيَحْتَمِلُ غَدَاءً وَعَشَاءً؛ وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَكْلَةِ الْيَوْمِ وَسَطًا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَشِبَعًا فِي غَيْرِهَا...

.وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْوَسَطَ بِمَعْنَى الْخِيَارِ هَاهُنَا مَتْرُوكٌ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ الْمَنْزِلَةُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا مَعْلُومَةً عَادَةً، وَمِنْهُم مَنْ قَدَّرَهَا ...

...

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: قَوْله تَعَالَى: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ}: يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ مَعَانٍ: الْأَوَّلُ: احْفَظُوهَا، فَلَا تَحْلِفُوا فَتَتَوَجَّهُ عَلَيْكُمْ هَذِهِ التَّكْلِيفَاتُ. الثَّانِي: احْفَظُوهَا إذَا حَنِثْتُمْ؛ فَبَادِرُوا إلَى مَا لَزِمَكُمْ. الثَّالِثُ: احْفَظُوهَا فَلَا تَحْنَثُوا؛ وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ الْبُرُّ أَفْضَلَ أَوْ الْوَاجِبَ. وَالْكُلُّ عَلَى هَذَا من الْحِفْظِ صَحِيحٌ عَلَى وَجْهِهِ الْمَذْكُورِ وَصِفَتِهِ الْمُنْقَسِمَةِ إلَيْهِ، فَلْيُرَكَّبْ عَلَى ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أن الآية دالة على أن الواجب في كفارة اليمين أحد الأمور الثلاثة على التخيير، فإن عجز عنها جميعا فالواجب شيء آخر، وهو الصوم...

ثم قال تعالى: {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} قوله {ذلك} إشارة إلى ما تقدم ذكره من الطعام والكسوة وتحرير الرقبة، أي ذلك المذكور كفارة أيمانكم إذا حلفتم وحنثتم لأن الكفارة لا تجب بمجرد الحلف، إلا أنه حذف ذكر الحنث لكونه معلوما، كما قال: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر}...

التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي 741 هـ :

{إطعام عشرة مساكين} اشتراط المسكنة دليل على أنه لا يجزى في الكفارة إطعام غني...

. {أو كسوتهم} قال كثير من العلماء: يجزى ثوب واحد لمسكين، لأنه يقال فيه كسوة، وقال مالك: إنما يجزي ما تصح به الصلاة، فالرجل ثوب واحد، وللمرأة قميص وخمار. {أو تحرير رقبة} اشترط مالك فيها أن تكون مؤمنة لتقيدها بذلك في كفارة القتل، فحمل هذا المطلق على ذلك المقيد، وأجاز أبو حنيفة هنا عتق الكافرة، لإطلاق اللفظ هنا، واشترط مالك أيضا أن تكون سليمة من العيوب وليس في اللفظ ما يدل على ذلك. {فمن لم يجد} أي: من لم يملك ما يعتق ولا ما يطعم ولا ما يكسو فعليه صيام ثلاثة أيام، فالخصال الثلاث على التخيير، والصيام مرتب بعدها لمن عدمها، وهو عند مالك من لم يفضل عن قوته وقوت عياله في يومه زيادة.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما اشتملت هذه الآيات من البيان على ما يدهش الإنسان كان كأنه قيل: هل يبين كل ما يحتاج إليه هكذا؟ فنبه من هذه الغفلة بقوله: {كذلك} أي مثل هذا البيان العظيم الشأن {يبين الله} أي على ما له من العظمة {لكم آياته} أي أعلام شريعته وأحكامه على ما لها من العلو بإضافتها إليه. ولما اشتمل ما تقدم من الأحكام والحِكَم والتنبيه والإرشاد والإخبار بما فيها من الاعتبار على نِعَم جسيمة وسنن جليلة عظيمة، ناسب ختمُها بالشكر المُربى لها في قوله على سبيل التعليل المؤذن بقطعها إن لم توجد العلة: {لعلكم تشكرون} أي يحصل منكم الشكر بحفظ جميع الحدود الآمرة والناهية...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ونعود بعد ذلك إلى الموضوع الأصيل الذي نزلت الآيات بسببه.. فأما من ناحية "خصوص السبب "فإن الله يبين أن ما أحله الله فهو الطيب، وما حرمه فهو الخبيث. وأن ليس للإنسان أن يختار لنفسه غير ما اختاره الله له. من وجهين: الوجه الأول أن التحريم والتحليل من خصائص الله الرازق بما يجري فيه التحليل والتحريم من الرزق، وإلا فهو الاعتداء الذي لا يحبه الله، ولا يستقيم معه إيمان.. والوجه الثاني أن الله يحل الطيبات، فلا يحرم أحد على نفسه تلك الطيبات، التي بها صلاحه وصلاح الحياة؛ فإن بصره بنفسه وبالحياة لن يبلغ بصر الحكيم الخبير الذي أحل هذه الطيبات. ولو كان الله يعلم فيها شرا أو أذى لوقاه عباده. ولو كان يعلم في الحرمان منها خيرا ما جعلها حلالا..

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

... والكفّارة مبالغة في كفَر بمعنى ستَر وأزال. وأصل الكَفْر بفتح الكاف الستر. وقد جاءت فيها دلالتان على المبالغة هما التضعيف والتاء الزائدة، كتاء نسَّابة وعلاّمة. والعرب يجمعون بينهما غالباً.

وقوله: {إذا حلفتم} أي إذا حلفتم وأردتم التحلّل ممّا حلفتم عليه فدلالة هذا من دلالة الاقتضاء لظهور أن ليست الكفّارة على صدور الحلف بل على عدم العمل بالحلف لأنّ معنى الكفارة يقتضي حصول إثم، وذلك هو إثم الحِنث.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

والمؤاخذة هي إنزال عقوبة بمن له معك عهد فخالفه بعمل جريمة نص عليها؛ فلا يؤاخذه أبدا بجريمة لم ينص عليها، ولا يتم توقيع عقاب على أحد دون تحذير مسبق. ولذلك ففي القانون المدني يقولون: لا عقوبة إلا بجريمة ولا جريمة إلا بنص...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

في ختام الآيات يبيّن القرآن أنّ هذه الآيات توضح لكم الأحكام التي تضمن سعادة الفرد والمجتمع وسلامتها لتشكروه على ذلك: (كذلك يبيّن الله لكم آياته لعلكم تشكرون).

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ فَكَفَّـٰرَتُهُۥٓ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖۚ ذَٰلِكَ كَفَّـٰرَةُ أَيۡمَٰنِكُمۡ إِذَا حَلَفۡتُمۡۚ وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (89)

فيه سبع وأربعون مسألة :

الأولى : قوله تعالى : " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم " تقدم معنى اللغو في " البقرة " {[5858]} ومعنى " في أيمانكم " أي من أيمانكم ، والأيمان جمع يمين . وقيل : ويمين فعيل من اليمن وهو البركة ، سماها الله تعالى بذلك ؛ لأنها تحفظ الحقوق . ويمين تذكر وتؤنث وتجمع أيمان وأيمن . قال زهير :

فتجمع أيمن منا ومنكم{[5859]}

الثانية : واختلف في سبب نزول هذه الآية ، فقال ابن عباس : سبب نزولها القوم الذين حرموا طيبات المطاعم والملابس والمناكح على أنفسهم ، حلفوا على ذلك فلما نزلت " لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم " قالوا : كيف نصنع بأيماننا ؟ فنزلت هذه الآية . والمعنى على هذا القول : إذا أتيتم باليمين ثم ألغيتموها - أي أسقطتم حكمها بالتكفير وكفرتم - فلا يؤاخذكم الله بذلك ، وإنما يؤاخذكم بما أقمتم عليه فلم تلغوه ، أي فلم تكفروا ، فبان بهذا أن الحلف لا يحرم شيئا . وهو دليل الشافعي على أن اليمين لا يتعلق بها تحريم الحلال ، وأن تحريم الحلال لغو ، كما أن تحليل الحرام لغو مثل قول القائل : استحللت شرب الخمر ، فتقتضي الآية على هذا القول أن الله تعالى جعل تحريم الحلال لغوا في أنه لا يحرم ، فقال : " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم " أي بتحريم الحلال . وروي أن عبدالله بن رواحة كان له أيتام وضيف ، فانقلب من شغله بعد ساعة من الليل . فقال : أعشيتم ضيفي ؟ فقالوا : انتظرناك ، فقال : لا والله لا آكله الليلة ؛ فقال ضيفه : وما أنا بالذي يأكل ، وقال أيتامه : ونحن لا نأكل ، فلما رأى ذلك أكل وأكلوا . ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال له : " أطعت الرحمن وعصيت الشيطان " فنزلت الآية .

الثالثة : الأيمان في الشريعة على أربعة أقسام : قسمان فيهما الكفارة ، وقسمان لا كفارة فيهما . خرج الدارقطني في سننه ، حدثنا عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز حدثنا خلف بن هشام حدثنا عبثر عن ليث عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله ، قال : الأيمان أربعة ، يمينان يكفران ويمينان لا يكفران ، فاليمينان اللذان يُكفّرَان فالرجل الذي يحلف والله لا أفعل كذا وكذا فيفعل ، والرجل يقول والله لأفعلن كذا وكذا فلا يفعل ، واليمينان اللذان لا يكفران فالرجل يحلف والله ما فعلت كذا وكذا وقد فعل ، والرجل يحلف لقد فعلت كذا وكذا ولم يفعله . قال ابن عبدالبر : وذكر سفيان الثوري في ( جامعه ) وذكره المروزي عنه أيضا ، قال سفيان : الأيمان أربعة ، يمينان يكفران وهو أن يقول الرجل والله لا أفعل فيفعل ، أو يقول والله لأفعلن ثم لا يفعل ، ويمينان لا يكفران ، وهو أن يقول الرجل والله ما فعلت وقد فعل ، أو يقول والله لقد فعلت وما فعل ، قال المروزي : أما اليمينان الأوليان فلا اختلاف فيهما بين العلماء على ما قال سفيان ، وأما اليمينان الأخريان فقد اختلف أهل العلم فيهما ، فإن كان الحالف حلف على أنه لم يفعل كذا وكذا ، أو أنه قد فعل كذا وكذا عند نفسه صادقا يرى أنه على ما حلف عليه فلا إثم عليه ولا كفارة عليه في قول مالك وسفيان الثوري وأصحاب الرأي وكذلك قال أحمد وأبو عبيد ، وقال الشافعي : لا إثم عليه وعليه الكفارة . قال المروزي : وليس قول الشافعي في هذا بالقوي . قال : وإن كان الحالف على أنه لم يفعل هذا وكذا وقد فعل متعمدا للكذب فهو آثم ولا كفارة عليه في قول عامة العلماء : مالك وسفيان الثوري وأصحاب الرأي وأحمد بن حنبل وأبي ثور وأبي عبيد . وكان الشافعي يقول يُكفِّر . قال : وقد روي عن بعض التابعين مثل قول{[5860]} الشافعي . قال المروزي : أميل إلى قول مالك وأحمد . قال : فأما يمين اللغو الذي اتفق عامة العلماء على أنها لغو فهو قول الرجل : لا والله ، وبلى والله ، في حديثه وكلامه غير منعقد لليمين ولا مريدها . قال الشافعي : وذلك عند اللجاج والغضب والعجلة .

الرابعة : قوله تعالى : " ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان " مخفف القاف من العقد ، والعقد على ضربين حسي كعقد الحبل ، وحكمي كعقد البيع ، قال الشاعر{[5861]} :

قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم *** شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا

فاليمين المنعقدة منفعلة من العقد ، وهي عقد القلب في المستقبل ألا يفعل ففعل ، أو ليفعلن فلا يفعل كما تقدم . فهذه التي يحلها الاستثناء والكفارة على ما يأتي . وقرئ " عاقدتم " بألف بعد العين على وزن فاعل وذلك لا يكون إلا من اثنين في الأكثر ، وقد يكون الثاني من حلف لأجله في كلام وقع معه ، أو يكون المعنى بما عاقدتم عليه الأيمان ؛ لأن عاقد قريب من معنى عاهد فعدي بحرف الجر ، لما كان في معنى عاهد ، وعاهد يتعدى إلى مفعولين الثاني منهما بحرف جر ، قال الله تعالى : " ومن أوفى بما عاهد عليه الله{[5862]} " [ الفتح : 10 ] وهذا كما عديت " ناديتم إلى الصلاة " بإلى ، وبابها أن تقول ناديت زيدا " وناديناه من جانب الطور الأيمن{[5863]} " [ مريم : 52 ] لكن لما كانت بمعنى دعوت عدي بإلى ، قال الله تعالى : " ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله{[5864]} " [ فصلت : 33 ] ثم اتسع في قوله تعالى : " عاقدتم عليه الأيمان{[5865]} " . فحذف حرف الجر ، فوصل الفعل إلى المفعول فصار عاقدتموه ، ثم حذفت الهاء كما حذفت من قوله تعالى : " فاصدع بما تؤمر{[5866]} " [ الحجر : 94 ] . أو يكون فاعل بمعنى فعل كما قال تعالى : " قاتلهم الله{[5867]} " [ التوبة :30 ] أي قتلهم . وقد تأتي المفاعلة في كلام العرب من واحد بغير معنى ( فاعلت ) كقولهم : سافرت وظاهرت . وقرئ " عقدتم " بتشديد القاف . قال مجاهد : معناه تعمدتم أي قصدتم . وروي عن ابن عمر أن التشديد يقتضي التكرار فلا تجب عليه الكفارة إلا إذا كرر . وهذا يرده ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني ] . فذكر وجوب الكفارة في اليمين التي لم تتكرر . قال أبو عبيد : التشديد يقتضي التكرير مرة بعد مرة ، ولست آمن أن يلزم من قرأ بتلك القراءة ألا توجب عليه كفارة في اليمين الواحدة حتى يرددها مرارا .

الخامسة : وهذا قول خلاف الإجماع . وروى نافع أن ابن عمر كان إذا حنث من غير أن يؤكد اليمين أطعم عشرة مساكين ، فإذا وكد اليمين أعتق رقبة . قيل لنافع ما معنى وكد اليمين ؟ قال : أن يحلف على الشيء مرارا .

اختلف في اليمين الغموس هل هي يمين منعقدة أم لا ؟ فالذي عليه الجمهور أنها يمين مكر وخديعة وكذب فلا تنعقد ولا كفارة فيها . وقال الشافعي : هي يمين منعقدة ؛ لأنها مكتسبة بالقلب ، معقودة بخبر ، مقرونة باسم الله تعالى ، وفيها الكفارة . والصحيح الأول . قال ابن المنذر : وهذا قول مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة ، وبه قال الأوزاعي ومن وافقه من أهل الشام ، وهو قول الثوري وأهل العراق ، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد ، وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي من أهل الكوفة ، قال أبو بكر : وقول النبي صلى الله عليه وسلم : [ من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ] وقوله : [ فليكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير ] يدل على أن الكفارة إنما تجب فيمن حلف على فعل يفعله مما يستقبل فلا يفعله ، أو على فعل ألا يفعله فيما يستقبل فيفعله .

وفي المسألة قول ثان وهو أن يكفر وإن أثم وعمد الحلف بالله كاذبا ، هذا قول الشافعي . قال أبو بكر : ولانعلم خبرا يدل على هذا القول ، والكتاب والسنة دالان على القول الأول ، قال الله تعالى : " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس{[5868]} " [ البقرة : 224 ] قال ابن عباس : هو الرجل يحلف ألا يصل قرابته فجعل الله له مخرجا في التكفير ، وأمره ألا يعتل بالله وليكفر عن يمينه . والأخبار دالة على أن اليمين التي يحلف بها الرجل يقتطع بها مالا حراما هي أعظم من أن يكفرها ما يكفر اليمين . قال ابن العربي : الآية وردت بقسمين : لغو ومنعقدة ، وخرجت على الغالب في أيمان الناس فدع ما بعدها يكون مائة قسم فإنه لم تلعق عليه كفارة .

قلت : خرج البخاري عن عبدالله بن عمرو قال : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ما الكبائر ؟ قال : [ الإشراك بالله ] قال : ثم ماذا ؟ قال : [ عقوق الوالدين ] قال : ثم ماذا ؟ قال : [ اليمين الغموس ] قلت : وما اليمين الغموس ؟ قال : [ التي يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب ] . وخرج مسلم عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : [ من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة ] فقال رجل : وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله ؟ قال :[ وإن كان قضيبا من أراك ] . ومن حديث عبدالله بن مسعود ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ من حلف على يمين صبر{[5869]} يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان ] . فنزلت " إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا{[5870]} " [ آل عمران :77 ] إلى آخر الآية ولم يذكر كفارة ، فلو أوجبنا عليه كفارة لسقط جرمه ، ولقي الله وهو عنه راض ، ولم يستحق الوعيد المتوعد عليه ، وكيف لا يكون ذلك وقد جمع هذا الحالف الكذب ، واستحلال مال الغير ، والاستخفاف باليمين بالله تعالى ، والتهاون بها وتعظيم الدنيا ؟ فأهان ما عظمه الله ، وعظم ما حقره الله وحسبك . ولهذا قيل : إنما سميت اليمين الغموس غموسا لأنها تغمس صاحبها في النار .

السادسة : الحالف بألا يفعل على بر ما لم يفعل ، فإن فعل حنث ولزمته الكفارة لوجود المخالفة منه ، وكذلك إذا قال إن فعلت . وإذا حلف بأن ليفعلن فإنه في الحال على حنث لوجود المخالفة ، فإن فعل بر ، وكذلك إن قال إن لم أفعل .

السابعة : قول الحالف : لأفعلن ، وإن لم أفعل ، بمنزلة الأمر وقوله : لا أفعل ، وإن فعلت ، بمنزلة النهي . ففي الأول لا يبر حتى يفعل جميع المحلوف عليه : مثاله لآكلن هذا الرغيف فأكل بعضه لا يبر حتى يأكل جميعه ؛ لأن كل جزء منه محلوف عليه . فإن قال : والله لآكلن - مطلقا - فإنه يبر بأقل جزء مما يقع عليه الاسم ؛ لإدخال ماهية الأكل في الوجود . وأما في النهي فإنه يحنث بأقل ما ينطلق عليه الاسم ؛ لأن مقتضاه ألا يدخل فرد من أفراد المنهى عنه في الوجود ، فإن حلف ألا يدخل دارا فأدخل إحدى رجليه حنث ، والدليل عليه أنا وجدنا الشارع غلظ جهة التحريم بأول الاسم في قوله تعالى : " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم{[5871]} " [ النساء : 22 ] ؛ فمن عقد على امرأة ولم يدخل بها حرمت على أبيه وابنه ، ولم يكتف في جهة التحليل بأول الاسم فقال : [ لا حتى تذوقي عسيلته ] .

الثامنة : المحلوف به هو الله سبحانه وأسماؤه الحسنى ، كالرحمن والرحيم والسميع والعليم والحليم ، ونحو ذلك من أسمائه وصفاته العليا ، كعزته وقدرته وعلمه وإرادته وكبريائه وعظمته وعهده وميثاقه وسائر صفات ذاته ؛ لأنها يمين بقديم غير مخلوق ، فكان الحالف بها كالحالف بالذات . روى الترمذي والنسائي وغيرهما أن جبريل عليه السلام لما نظر إلى الجنة ورجع إلى الله تعالى قال : وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها ، وكذلك قال في النار : وعزتك لا يسمع بها أحدا فيدخلها . وخرجا أيضا وغيرهما عن ابن عمر قال : كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم [ لا ومقلب القلوب ] وفى رواية [ لا ومصرف القلوب ] وأجمع أهل العلم على أن من حلف فقال : والله أو بالله أو تالله فحنث أن عليه الكفارة . قال ابن المنذر : وكان مالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وإسحاق وأصحاب الرأي يقولون : من حلف باسم من أسماء الله وحنث فعليه الكفارة ، وبه نقول ولا أعلم في ذلك خلافا .

قلت : قد نقل ( في باب ذكر الحلف بالقرآن ) ؛ وقال يعقوب : من حلف بالرحمن فحنث فلا كفارة عليه .

قلت : والرحمن من أسمائه سبحانه مجمع عليه ولا خلاف فيه .

التاسعة : واختلفوا في وحق الله وعظمة الله وقدرة الله وعلم الله ولعمر الله وايم الله ، فقال مالك : كلها أيمان تجب فيها الكفارة . وقال الشافعي : في وحق الله وجلال الله وعظمة الله وقدرة الله ، يمين إن نوى بها اليمين ، وإن لم يرد اليمين فليست بيمين ؛ لأنه يحتمل وحق الله واجب وقدرته ماضية . وقال في أمانة الله : ليست بيمين ، ولعمر الله وايم الله إن لم يرد بها اليمين فليست بيمين . وقال أصحاب الرأي إذا قال : وعظمة الله وعزة الله وجلال الله وكبرياء الله وأمانة الله فحنث فعليه الكفارة . وقال الحسن في وحق الله : ليست بيمين ولا كفارة فيها ، وهو قول أبي حنيفة حكاه عنه الرازي . وكذلك عهد الله وميثاقه وأمانته ليست بيمين . وقال بعض أصحابه هي يمين . وقال الطحاوي : ليست بيمين ، وكذا إذا قال : وعلم الله لم يكن يمينا في قول أبي حنيفة ، وخالفه صاحبه أبو يوسف فقال : يكون يمينا . قال ابن العربي : والذي أوقعه في ذلك أن العلم قد ينطلق على المعلوم وهو المحنث فلا يكون يمينا . وذهل عن أن القدرة تنطلق على المقدور ، فكل كلام له في المقدور فهو حجتنا في المعلوم . قال ابن المنذر : وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : [ وايم الله أن كان لخليقا للإمارة ] في قصة زيد وابنه أسامة . وكان ابن عباس يقول : وايم الله ، وكذلك قال ابن عمر . وقال إسحاق : إذا أراد بأيم الله يمينا كانت يمينا بالإرادة وعقد القلب .

العاشرة : واختلفوا في الحلف بالقرآن ؛ فقال ابن مسعود : عليه بكل آية يمين ، وبه قال الحسن البصري وابن المبارك . وقال أحمد : ما أعلم شيئا يدفعه . وقال أبو عبيد : يكون يمينا واحدة . وقال أبو حنيفة : لا كفارة عليه . وكان قتادة يحلف بالمصحف . وقال أحمد وإسحاق لا نكره ذلك .

الحادية عشرة : لا تنعقد اليمين بغير الله تعالى وأسمائه وصفاته . وقال أحمد بن حنبل : إذا حلف بالنبي صلى الله عليه وسلم انعقدت يمينه ؛ لأنه حلف بما لا يتم الإيمان إلا به فتلزمه الكفارة كما لو حلف بالله . وهذا يرده ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب وعمر يحلف بأبيه ، فناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ] وهذا حصر في عدم الحلف بكل شيء سوى الله تعالى وأسمائه وصفاته كما ذكرنا . ومما يحقق ذلك ما رواه أبو داود والنسائي وغيرهما عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا إلا بالله إلا وأنتم صادقون ] ثم ينتقض عليه بمن قال : وآدم وإبراهيم فإنه لا كفارة عليه ، وقد حلف بما لا يتم الإيمان إلا به .

الثانية عشرة : روى الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ من حلف منكم فقال في حلفه باللات فليقل لا إله إلا الله ومن قال لصاحبه : تعال أقامرك فليتصدق ] . وخرج النسائي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال : كنا نذكر بعض الأمر وأنا حديث عهد بالجاهلية فحلفت باللات والعزى ، فقال لي بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : بئس ما قلت : وفي رواية قلت هجرا ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال : [ قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وانفث عن يسارك ثلاثا وتعوذ بالله من الشيطان ثم لا تعد ] . قال العلماء : فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من نطق بذلك أن يقول بعده لا إله إلا الله تكفيرا لتلك اللفظة ، وتذكيرا من الغفلة ، وإتماما للنعمة . وخص اللات بالذكر لأنها أكثر ما كانت تجري على ألسنتهم ، وحكم غيرها من أسماء آلهتهم حكمها إذ لا فرق بينها ، وكذا من قال لصاحبه : تعال أقامرك فليتصدق فالقول فيه كالقول في اللات ؛ لأنهم كانوا اعتادوا المقامرة وهي من أكل المال بالباطل .

الثالثة عشرة : قال أبو حنيفة في الرجل يقول : هو يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام أو من النبي أو من القرآن أو أشرك بالله أو أكفر بالله : إنها يمين تلزم فيها الكفارة ، ولا تلزم فيما إذا قال : اليهودية والنصرانية والنبي والكعبة وإن كانت على صيغة الأيمان . ومتمسكه ما رواه الدارقطني عن أبي رافع أن مولاته أرادت أن تفرق بينه وبين امرأته فقالت : هي يوما يهودية ، ويوما نصرانية ، وكل مملوك لها حر ، وكل مال لها في سبيل الله ، وعليها مشي إلى بيت الله إن لم تفرق بينهما ، فسألت عائشة وحفصة وابن عمر وابن عباس وأم سلمة فكلهم قال لها : أتريدين أن تكوني مثل هاروت وماروت ؟ وأمروها أن تكفر عن يمينها وتخلي بينهما . وخرج أيضا عنه قال : قالت مولاتي لأفرقن بينك وبين امرأتك ، وكل مال لها في رتاج الكعبة وهي يوما يهودية ويوما نصرانية ويوما مجوسية إن لم أفرق بينك وبين امرأتك ، قال : فانطلقت إلى أم المؤمنين أم سلمة فقلت : إن مولاتي تريد أن تفرق بيني وبين امرأتي ، فقالت انطلق إلى مولاتك فقل لها : إن هذا لا يحل لك ؛ قال : فرجعت إليها ، قال ثم أتيت ابن عمر فأخبرته فجاء حتى انتهى إلى الباب فقال : ههنا هاروت وماروت ، فقالت : إني جعلت كل مال لي في رتاج الكعبة . قال : فمم تأكلين ؟ قالت : وقلت أنا يوما يهودية ويوما نصرانية ويوما مجوسية ؛ فقال : إن تهودت قتلت وإن تنصرت قتلت وإن تمجست قتلت ؛ قالت : فما تأمرني ؟ قال : تكفرين عن يمينك ، وتجمعين بين فتاك وفتاتك . وأجمع العلماء على أن الحالف إذا قال : أقسم بالله أنها يمين . واختلفوا إذا قال أقسم أو أشهد ليكون كذا وكذا ولم يقل بالله فإنها تكون أيمانا عند مالك إذا أراد بالله ، وإن لم يرد بالله لم تكن أيمانا تكفر . وقال أبو حنيفة والأوزاعي والحسن والنخعي : هي أيمان في الموضعين . وقال الشافعي : لا تكون أيمانا حتى يذكر اسم الله تعالى ، هذه رواية المزني عنه . وروى عنه الربيع مثل قول مالك .

الرابعة عشرة : إذا قال : أقسمت عليك لتفعلن ، فإن أراد سؤاله فلا كفارة فيه وليست بيمين ، وإن أراد اليمين كان ما ذكرناه آنفا .

الخامسة عشرة : من حلف بما يضاف إلى الله تعالى مما ليس بصفة كقوله : وخلق الله ورزقه وبيته لا شيء عليه ؛ لأنها أيمان غير جائزة ، وحلف بغير الله تعالى .

السادسة عشرة : إذا انعقدت اليمين حلتها الكفارة أو الاستثناء . وقال ابن الماجشون : الاستثناء بدل عن الكفارة وليست حلا لليمين . قال ابن القاسم : هي حل لليمين ، وقال ابن العربي : وهو مذهب فقهاء الأمصار وهو الصحيح ، وشرطه أن يكون متصلا منطوقا به لفظا ؛ لما رواه النسائي وأبو داود عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ من حلف فاستثنى فإن شاء مضى وإن شاء ترك عن غير حنث ] فإن نواه من غير نطق أو قطعه من غير عذر لم ينفعه . وقال محمد بن المواز : يكون الاستثناء مقترنا باليمين اعتقادا ولو بآخر حرف ، قال : فإن فرغ منها واستثنى لم ينفعه ذلك ؛ لأن اليمين فرغت عارية من الاستثناء ، فورودها بعده لا يؤثر كالتراخي ؛ وهذا يرده الحديث [ من حلف فاستثنى ] والفاء ، للتعقيب وعليه جمهور أهل العلم . وأيضا فإن ذلك يؤدي إلى ألا تنحل يمين ابتدئ عقدها وذلك باطل . وقال ابن خويز منداد : واختلف أصحابنا متى استثنى في نفسه تخصيص ما حلف عليه ، فقال بعض أصحابنا : يصح استثناؤه وقد ظلم المحلوف له . وقال بعضهم : لا يصح حتى يسمع المحلوف له . وقال بعضهم : يصح إذا حرك به لسانه وشفتيه وإن لم يسمع المحلوف له . قال ابن خويز منداد : وإنما قلنا يصح استثناؤه في نفسه ، فلأن الأيمان تعتبر بالنيات ، وإنما قلنا لا يصح ذلك حتى يحرك به لسانه وشفتيه ، فإن من لم يحرك به لسانه وشفتيه لم يكن متكلما ، والاستثناء من الكلام يقع بالكلام دون غيره ، وإنما قلنا لا يصح بحال فلأن ذلك حق للمحلوف له ، وإنما يقع على حسب ما يستوفيه له الحاكم ، فلما لم تكن اليمين على اختيار الحالف بل كانت مستوفاة منه ، وجب ألا يكون له فيها حكم . وقال ابن عباس : يدرك على الاستثناء اليمين بعد سنة ، وتابعه على ذلك أبو العالية والحسن وتعلق بقوله تعالى : " والذين لا يدعون مع الله إلها آخر{[5872]} " [ الفرقان : 68 ] الآية ؛ فلما كان بعد عام نزل " إلا من تاب " [ مريم : 60 ] . وقال مجاهد : من قال بعد سنتين إن شاء الله أجزأه . وقال سعيد بن جبير : إن استثنى بعد أربعة أشهر أجزأه . وقال طاوس : له أن يستثني ما دام في مجلسه . وقال قتادة : إن استثنى قبل أن يقوم أو يتكلم فله ثنياه . وقال أحمد بن حنبل وإسحاق : يستثني ما دام في ذلك الأمر . وقال عطاء : له ذلك قدر حلب الناقة الغزيرة .

السابعة عشرة : قال ابن العربي : أما ما تعلق به ابن عباس من الآية فلا متعلق له فيها ؛ لأن الآيتين كانتا متصلتين في علم الله وفي لوحه ، وإنما تأخر نزولها لحكمة علم الله ذلك فيها ، أما أنه يتركب عليها فرع حسن ، وهو أن الحالف إذا قال والله لا دخلت الدار ، وأنت طالق إن دخلت الدار ، واستثنى في يمينه الأول إن شاء الله في قلبه ، واستثنى في اليمين الثانية في قلبه أيضا ما يصلح للاستثناء الذي يرفع اليمين لمدة أو سبب أو مشيئة أحد ، ولم يظهر شيئا من الاستثناء إرهابا على المحلوف له{[5873]} ، فإن ذلك ينفعه ولا تنعقد اليمينان عليه ، وهذا في الطلاق ما لم تحضره البينة{[5874]} ، فإن حضرته بينة لم تقبل منه دعواه الاستثناء ، وإنما يكون ذلك نافعا له إذا جاء مستفتيا . قلت : وجه الاستثناء أن الله تعالى أظهر الآية الأولى وأخفى الثانية ، فكذلك الحالف إذا حلف إرهابا وأخفى الاستثناء . والله أعلم .

قال ابن العربي : وكان أبو الفضل المراغي{[5875]} يقرأ بمدينة السلام{[5876]} ، وكانت الكتب تأتي إليه من بلده ، فيضعها في صندوق ولا يقرأ منها واحدا مخافة أن يطلع فيها على ما يزعجه ويقطع به عن طلبه ، فلما كان بعد خمسة أعوام وقضى غرضا من الطلب وعزم على الرحيل ، شد رحله وأبرز كتبه وأخرج تلك الرسائل ، فقرأ فيها ما لو أن واحدا منها يقرؤه بعد وصوله ما تمكن بعده من تحصيل حرف من العلم ، فحمد الله ورحل على دابة قماشه{[5877]} وخرج إلى باب الحلبة طريق خراسان ، وتقدمه الكري{[5878]} بالدابة وأقام هو على فامي{[5879]} يبتاع منه سفرته{[5880]} ، فبينما هو يحاول ذلك معه إذ سمعه يقول لفامي آخر : أما سمعت العالم يقول - يعني الواعظ - أن ابن عباس يجوز الاستثناء ولو بعد سنة ، لقد اشتغل بذلك بالي منذ سمعته فظللت فيه متفكرا ، ولو كان ذلك صحيحا لما قال الله تعالى لأيوب : " وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث{[5881]} " [ ص : 44 ] وما الذي يمنعه من أن يقول : قل إن شاء الله ! فلما سمعه يقول ذلك قال : بلد يكون فيه الفاميون بهذا الحظ من العلم وهذه المرتبة أخرج عنه إلى المراغة ؟ لا أفعله أبدا ، واقتفى أثر الكري وحلله من الكراء وأقام بها حتى مات .

الثامنة عشرة : الاستثناء إنما يرفع اليمين بالله تعالى إذ هي رخصة من الله تعالى ، ولا خلاف في هذا . واختلفوا في الاستثناء في اليمين بغير الله ، فقال الشافعي وأبو حنيفة : الاستثناء يقع في كل يمين كالطلاق والعتاق وغير ذلك كاليمين بالله تعالى : قال أبو عمر : ما أجمعوا عليه فهو الحق ، وإنما ورد التوقيف بالاستثناء في اليمين بالله عز وجل لا في غير ذلك .

التاسعة عشرة : قوله تعالى : " فكفارته " اختلف العلماء في تقديم الكفارة على الحنث هل تجزئ أم لا ؟ - بعد إجماعهم على أن الحنث قبل الكفارة مباح حسن وهو عندهم أولى - على ثلاثة أقوال : أحدها : يجزئ مطلقا وهو مذهب أربعة عشر من الصحابة وجمهور الفقهاء وهو مشهور مذهب مالك . وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يجزئ بوجه ، وهي رواية أشهب عن مالك ، وجه الجواز ما رواه أبو موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني ، وأتيت الذي هو خير خرجه أبو داود ، ومن جهة المعنى أن اليمين سبب الكفارة ؛ لقوله تعالى : " ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم " فأضاف الكفارة إلى اليمين والمعاني تضاف إلى أسبابها ، وأيضا فإن الكفارة بدل عن البر فيجوز تقديمها قبل الحنث . ووجه المنع ما رواه مسلم عن عدي بن حاتم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : [ من حلف على يمين ثم رأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير ) زاد النسائي ( وليكفر عن يمينه ] ومن جهة المعنى أن الكفارة إنما هي لرفع الإثم ، وما لم يحنث لم يكن هناك ما يرفع فلا معنى لفعلها ، وكان معنى قوله تعالى : " إذا حلفتم " أي إذا حلفتم وحنثتم . وأيضا فإن كل عبادة فعلت قبل وجوبها لم تصح اعتبارا بالصلوات وسائر العبادات . وقال الشافعي : تجزئ بالإطعام والعتق والكسوة ، ولا تجزئ بالصوم ؛ لأن عمل البدن لا يقوم قبل وقته . ويجزئ في غير ذلك تقديم الكفارة ، وهو القول الثالث .

الموفية عشرين : ذكر الله سبحانه في الكفارة الخلال الثلاث فخير فيها ، وعقب عند عدمها بالصيام ، وبدأ بالطعام لأنه كان الأفضل في بلاد الحجاز لغلبة الحاجة إليه وعدم شبعهم ، ولا خلاف في أن كفارة اليمين على التخيير ، قال ابن العربي : والذي عندي أنها تكون بحسب الحال ، فإن علمت محتاجا فالطعام أفضل ؛ لأنك إذا أعتقت لم تدفع حاجتهم وزدت محتاجا حادي عشر إليهم ، وكذلك الكسوة تليه ، ولما علم الله الحاجة بدأ بالمقدم المهم .

الحادية والعشرون : قوله تعالى : " إطعام عشرة مساكين " لا بد عندنا وعند الشافعي من تمليك المساكين ما يخرج لهم ، ودفعه إليهم حتى يتملكوه ويتصرفوا فيه ؛ لقوله تعالى : " وهو يطعم ولا يطعم{[5882]} " [ الأنعام : 14 ] وفي الحديث ( أطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم الجد السدس ؛ ولأنه أحد نوعي الكفارة فلم يجز فيها إلا التمليك ، أصله الكسوة . وقال أبو حنيفة : لو غداهم وعشاهم جاز ، وهو اختيار ابن الماجشون من علمائنا ، قال ابن الماجشون : إن التمكين من الطعام إطعام ، قال الله تعالى : " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا{[5883]} " [ الإنسان : 8 ] فبأي وجه أطعمه دخل في الآية .

الثانية والعشرون : قوله تعالى : " من أوسط ما تطعمون أهليكم " قد تقدم في ( البقرة ){[5884]} أن الوسط بمعنى الأعلى والخيار ، وهو هنا منزلة بين منزلتين ونصفا بين طرفين . ومنه الحديث [ خير الأمور أوسطها ] . وخرج ابن ماجة حدثنا محمد بن يحيى ، حدثنا عبدالرحمن بن مهدي ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن سليمان بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كان الرجل يقوت أهله قوتا فيه سعة وكان الرجل يقوت أهله قوتا فيه شدة ، فنزلت : " من أوسط ما تطعمون أهليكم " . وهذا يدل على أن الوسط ما ذكرناه وهو ما كان بين شيئين .

الثالثة والعشرون : الإطعام عند مالك مد لكل واحد من المساكين العشرة ، إن كان بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم ، وبه قال الشافعي وأهل المدينة . قال سليمان بن يسار : أدركت الناس وهم إذا أعطوا في كفارة اليمين أعطوا مدا من حنطة بالمد الأصغر ، ورأوا ذلك مجزئا عنهم ، وهو قول ابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وبه قال عطاء بن أبي رباح . واختلف إذا كان بغيرها ، فقال ابن القاسم : يجزئه المد بكل مكان . وقال ابن المواز : أفتى ابن وهب بمصر بمد ونصف . وأشهب بمد وثلث ، قال : وإن مدا وثلثا لوسط من عيش الأمصار في الغداء والعشاء . وقال أبو حنيفة : يخرج من البر نصف صاع ، ومن التمر والشعير صاعا ، على حديث عبدالله بن ثعلبة بن صعير عن أبيه قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فأمر بصدقة الفطر صاع من تمر ، أو صاع من شعير عن كل رأس ، أو صاع بر بين اثنين . وبه أخذ سفيان وابن المبارك ، وروي عن علي وعمر وابن عمر وعائشة ، رضي الله عنهم{[5885]} وبه قال سعيد بن المسيب ، وهو قول عامة فقهاء العراق ؛ لما رواه ابن عباس قال : كفر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر وأمر الناس بذلك ، فمن لم يجد فنصف ، صاع من بر من أوسط ما تطعمون أهليكم{[5886]} ؛ خرجه ابن ماجة في سننه .

الرابعة والعشرون : لا يجوز أن يطعم غنيا ولا ذا رحم تلزمه نفقته ، وإن كان ممن لا تلزمه نفقته فقد قال مالك : لا يعجبني أن يطعمه ، ولكن إن فعل وكان فقيرا أجزأه ، فإن أطعم غنيا جاهلا بغناه ففي ( المدونة ) وغير كتاب : لا يجزئ ، وفي ( الأسدية ) أنه يجزئ .

الخامسة والعشرون : ويخرج الرجل مما يأكل . قال ابن العربي : وقد زلت هنا جماعة من العلماء فقالوا : إنه إذا كان يأكل الشعير ويأكل الناس البر فليخرج مما يأكل الناس ، وهذا سهو بين فإن المكفر إذا لم يستطع في خاصة نفسه إلا الشعير لم يكلف أن يعطي لغيره سواه ، وقد قال صلى الله عليه وسلم :[ صاعا من طعام صاعا من شعير ] ففصل ذكرهما ليخرج كل أحد فرضه مما يأكل ، وهذا ممالا خفاء فيه .

السادسة والعشرون : قال مالك : إن غدى عشرة مساكين وعشاهم أجزأه . وقال الشافعي : لا يجوز أن يطعمهم جملة واحدة ؛ لأنهم يختلفون في الأكل ، ولكن يعطي كل مسكين مدا . وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لا يجزئ إطعام العشرة وجبة واحدة ، يعني غداء دون عشاء ، أو عشاء دون غداء ، حتى يغديهم ويعشيهم ، قال أبو عمر : وهو قول أئمة الفتوى بالأمصار .

السابعة والعشرون : قال ابن حبيب : ولا يجزئ الخبز قفارا{[5887]} بل يعطي معه إدامه زيتا أو كشكا أو كامخا{[5888]} أو ما تيسر ، قال ابن العربي : هذه زيادة ما أراها واجبة ، أما أنه يستحب له أن يطعم مع الخبز السكر - نعم - واللحم ، وأما تعيين الإدام للطعام فلا سبيل إليه ؛ لأن اللفظ لا يتضمنه . قلت : نزول الآية في الوسط يقتضي الخبز والزيت أو الخل ، وما كان في معناه من الجبن والكشك كما قال ابن حبيب . والله أعلم . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ نعم الإدام الخل ] وقال الحسن البصري : إن أطعمهم خبزا ولحما ، أو خبزا وزيتا مرة واحدة في اليوم حتى يشبعوا أجزأه ، وهو قول ابن سيرين وجابر بن زيد ومكحول ، وروي ذلك عن انس بن مالك .

الثامنة والعشرون : لا يجوز عندنا دفع الكفارة إلى مسكين واحد ، وبه قال الشافعي . وأصحاب أبي حنيفة يمنعون صرف الجميع إلى واحد دفعة واحدة ، ويختلفون فيما إذا صرف الجميع في يوم واحد بدفعات مختلقة ، فمنهم من أجاز ذلك ، وأنه إذا تعدد الفعل حسن أن يقال في الفعل الثاني لا يمنع من الذي دفعت إليه أولا ، فإن اسم المسكين يتناول . وقال آخرون : يجوز دفع ذلك إليه في أيام ، وإن تعدد الأيام يقوم مقام أعداد المساكين . وقال أبو حنيفة : يجزئه ذلك ؛ لأن المقصود من الآية التعريف بقدر ما يطعم{[5889]} ، فلو دفع ذلك القدر . لواحد أجزأه . ودليلنا نص الله تعالى على العشرة فلا يجوز العدول عنهم ، وأيضا فإن فيه إحياء جماعة من المسلمين وكفايتهم يوما واحدا ، فيتفرغون فيه لعبادة الله تبارك وتعالى ولدعائه ، فيغفر للمكفر بسبب ذلك . والله أعلم .

التاسعة والعشرون : قوله تعالى : " فكفارته " الضمير على الصناعة النحوية عائدا على ( ما ) ويحتمل في هذا الموضع أن تكون بمعنى الذي ، ويحتمل أن تكون مصدرية . أو يعود على إثم الحنث وإن لم يجر له ذكر صريح ولكن المعنى يقتضيه .

الموفية ثلاثين : قوله تعالى : " أهليكم " هو جمع أهل على السلامة . وقرأ جعفر بن محمد الصادق : ( أهاليكم ) وهذا جمع مكسر ، قال أبو الفتح : أهال بمنزلة ليال واحدها أهلات وليلات ، والعرب تقول : أهل وأهلة . قال الشاعر{[5890]} :

وَأَهلَةِ ودٍّ قد تبرَّيْتُ وُدَّهُمُ *** وأبْلَيْتُهُم في الجَهْدِ حَمْدِي ونَائِلِي

يقول : تعرضت لودهم ، قاله ابن السكيت .

الحادية والثلاثون : قوله تعالى : " أو كسوتهم " قرئ بكسر الكاف وضمها هما لغتان مثل إسوة وأسوة . وقرأ سعيد بن جبير ومحمد بن السميقع اليماني : ( أو كإسوتهم ) يعني كإسوة أهلك . والكسوة في حق الرجال الثوب الواحد أو الساتر لجميع الجسد ، فأما في حق النساء فأقل ما يجزئهن فيه الصلاة ، وهو الدرع والخمار ، وهكذا حكم الصغار . قال ابن القاسم في ( العتبية ) : تكسى الصغيرة كسوة كبيرة ، والصغير كسوة كبير ، قياسا على الطعام . وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي : أقل ما يقع عليه الاسم وذلك ثوب واحد ، وفي رواية أبي الفرج عن مالك ، وبه قال إبراهيم النخعي ومغيرة : ما يستر جميع البدن ، بناء على أن الصلاة لا تجزئ في أقل من ذلك . وروي عن سلمان رضي الله عنه أنه قال : نعم الثوب التبان{[5891]} ؛ أسنده الطبري . وقال الحكم بن عتيبة تجزئ عمامة يلف بها رأسه ، وهو قول الثوري . قال ابن العربي : وما كان أحرصني على أن يقال : إنه لا يجزئ إلا كسوة تستر عن أذى الحر والبرد كما أن عليه طعاما يشبعه من الرجوع فأقول به ، وأما القول بمئزر واحد فلا أدريه ، والله يفتح لي ولكم في المعرفة بعونه . قلت : قد راعى قوم معهود الزي والكسوة المتعارفة ، فقال بعضهم : لا يجزئ الثوب الواحد إلا إذا كان جامعا مما قد يتزيا{[5892]} به كالكساء والملحفة . وقال أبو حنيفة وأصحابه : الكسوة في كفارة اليمين لكل مسكين ثوب وإزار ، أو رداء أو قميص أو قباء أو كساء . وروي عن أبى موسى الأشعري أنه أمر أن يكسى عنه ثوبين ثوبين{[5893]} ، وبه قال الحسن وابن سيرين وهذا معنى ما اختاره ابن العربي والله أعلم .

الثانية والثلاثون : لا تجزئ القيمة عن الطعام والكسوة ، وبه قال الشافعي . وقال أبو حنيفة : تجزئ ، وهو يقول : تجزئ القيمة في الزكاة فكيف في الكفارة ! قال ابن العربي : وعمدته أن الغرض سد الخلة ، ورفع الحاجة ، فالقيمة تجزئ فيه . قلنا : إن نظرتم إلى سد الخلة فأين العبادة ؟ وأين{[5894]} نص القرآن على الأعيان الثلاثة ، والانتقال بالبيان من نوع إلى نوع ؟ !

الثالثة والثلاثون : إذا دفع الكسوة إلى ذمي أو إلى عبد لم يجزه . وقال أبو حنيفة : يجزئه ؛ لأنه مسكن يتناوله لفظ المسكنة ، ويشتمل عليه عموم الآية . قلنا : هذا يخصه بأن يقول جزء من المال يجب إخراجه للمساكين فلا يجوز دفعه للكافر ، أصله الزكاة ، وقد اتفقنا على أنه لا يجوز دفعه للمرتد ، فكل دليل خص به المرتد فهو دليلنا في الذمي والعبد ليس بمسكين لاستغنائه بنفقة سيده فلا تدفع إليه كالغني .

الرابعة والثلاثون : قوله تعالى : " أو تحرير رقبة " التحرير الإخراج من الرق ، ويستعمل في الأسر والمشقات وتعب الدنيا ونحوها . ومنه قول أم مريم : " إني نذرت لك ما في بطني محررا{[5895]} " [ آل عمران : 35 ] أي من شغوب الدنيا ونحوها . ومن ذلك قول الفرزدق بن غالب :

أبني غُدَانة إنني حررتكم *** فوهبتكم لعطيةِِ بن جعال

أي حررتكم من الهجاء ، وخص الرقبة من الإنسان ، إذ هو العضو الذي يكون فيه الغل والتوثق غالبا من الحيوان ، فهو موضع الملك فأضيف التحرير إليها .

الخامسة والعشرون : لا يجوز عندنا إلا إعتاق رقبة مؤمنة كاملة ليس فيها شرك لغيره ، ولا عتاقة بعضها ، ولا عتق إلى أجل ، ولا كتابة ولا تدبير ، ولا تكون أم ولد ولا من يعتق عليه إذا ملكه ، ولا يكون بها من الهرم والزمانة ما يضر بها في الاكتساب ، سليمة غير معيبة ، خلافا لداود في تجويزه إعتاق المعيبة . وقال أبو حنيفة : يجوز عتق الكافرة ؛ لأن مطلق اللفظ يقتضيها . ودليلنا أنها قربة واجبة فلا يكون الكافر محلا لها كالزكاة ، وأيضا فكل مطلق في القرآن من هذا فهو راجع إلى المقيد في عتق الرقبة في القتل الخطأ . وإنما قلنا : لا يكون فيها شرك ، لقوله تعالى : " فتحرير رقبة " [ النساء : 92 ] وبعض الرقبة ليس برقبة . وإنما قلنا لا يكون فيها عقد عتق ؛ لأن التحرير يقتضي ابتداء عتق دون تنجيز عتق مقدم . وإنما قلنا : سليمة ؛ لقوله تعالى : " فتحرير رقبة " يقتضي تحرير رقبة كاملة والعمياء ناقصة . وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم [ ما من مسلم يعتق امرأ مسلما إلا كان فكاكه من النار كل عضو منه بعضو منها حتى الفرج بالفرج ] وهذا نص . وقد روي في الأعور قولان في المذهب . وكذلك في الأصم والخصي .

السادسة والعشرون : من أخرج مالا ليعتق رقبة في كفارة فتلف كانت الكفارة باقية عليه ، بخلاف مخرج المال في الزكاة ليدفعه إلى الفقراء ، أو ليشتري به رقبة فتلف ، لم يكن عليه غيره لامتثال الأمر .

السابعة والثلاثون : اختلفوا في الكفارة إذا مات الحالف ، فقال الشافعي وأبو ثور : كفارات الأيمان تخرج من رأس مال الميت . وقال أبو حنيفة : تكون في الثلث ، وكذلك قال مالك إن أوصى بها .

الثامنة والثلاثون : من حلف وهو موسر فلم يكفر حتى أعسر ، أو حنث وهو معسر فلم يكفر حتى أيسر ، أو حنث وهو عبد فلم يكفر حتى عتق ، فالمراعاة في ذلك كله بوقت التكفير لا وقت الحنث .

التاسعة والثلاثون : روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله{[5896]} آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي فرض الله ] اللجاج في اليمين هو المضي على مقتضاه ، وإن لزم من ذلك ، حرج ومشقة ، وترك ما فيه منفعة عاجلة أو آجلة ، فإن كان شيء من ذلك فالأولى به تحنيث نفسه وفعل الكفارة ، ولا يعتل باليمين كما ذكرناه في قوله تعالى : " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم " {[5897]} [ البقرة : 224 ] وقال عليه السلام : [ من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير ] أي الذي هو أكثر خيرا .

الموفية أربعين : روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ اليمين على نية المستحلف ] قال العلماء : معناه أن من وجبت عليه يمين في حق وجب عليه فحلف وهو ينوي غيره لم تنفعه نيته ، ولا يخرج بها عن إثم تلك اليمين ، وهو معنى قوله في الحديث الآخر : [ يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك ] . وروي [ يصدقك به صاحبك ] خرجه مسلم أيضا . قال مالك : من حلف لطالبه في حق له عليه ، واستثنى في يمينه ، أو حرك لسانه أوشفتيه ، أو تكلم به ، لم ينفعه استثناؤه ذلك ؛ لأن النية نية المحلوف له ؛ لأن اليمين حق له ، وإنما تقع على حسب ما يستوفيه له الحاكم لا على اختيار الحالف ؛ لأنها مستوفاة منه . هذا تحصيل مذهبه وقوله .

الحادية والأربعون : قوله تعالى : " فمن لم يجد " معناه لم يجد في ملكه أحد هذه الثلاثة ، من الإطعام أو الكسوة أو عتق الرقبة بإجماع ، فإذا عدم هذه الثلاثة الأشياء صام . والعدم يكون بوجهين : إما بمغيب المال عنه{[5898]} أو عدمه ؛ فالأول أن يكون في بلد غير بلده فإن وجد من يسلفه لم يجزه الصوم ، وإن لم يجد من يسلفه فقد اختلف فيه ، فقيل : ينتظر إلى بلده ، قال ابن العربي : وذلك لا يلزمه بل يكفر بالصيام ؛ لان الوجوب قد تقرر في الذمة والشرط من{[5899]} العدم قد تحقق فلا وجه لتأخير الأمر ، فليكفر مكانه لعجزه عن الأنواع الثلاثة ؛ لقوله تعالى : " فمن لم يجد " . وقيل : من لم يكن له فضل عن رأس ماله الذي يعيش به فهو الذي لم يجد . وقيل : هو من لم يكن له إلا قوت يومه وليلته ، وليس عنده فضل يطعمه ، وبه قال الشافعي واختاره الطبري ، وهو مذهب مالك وأصحابه . وروي عن ابن القاسم أن من تفضل عنه نفقة يومه فإنه لا يصوم ، قال ابن القاسم في كتاب ابن مزين : إنه إن كان للحانث فضل عن قوت يومه أطعم إلا أن يخاف الجوع ، أو يكون في بلد لا يعطف عليه فيه . وقال أبو حنيفة : إذا لم يكن عنده نصاب فهو غير واجد . وقال أحمد وإسحاق : إذا كان عنده قوت يوم وليلة أطعم ما فضل عنه . وقال أبو عبيد : إذا كان عنده قوت يومه وليلته وعيال وكسوة تكون لكفايتهم ، ثم يكون بعد ذلك مالكا لقدر الكفارة فهو عندنا واجد . قال ابن المنذر : قول أبي عبيد حسن .

الثانية والأربعون : قوله تعالى : " فصيام ثلاثة أيام " قرأها ابن مسعود ( متتابعات ) فيقيد بها المطلق ؛ وبه قال أبو حنيفة والثوري ، وهو أحد قولي الشافعي واختاره المزني قياسا على الصوم في كفارة الظهار ، واعتبارا بقراءة عبدالله . وقال مالك والشافعي في قوله الآخر : يجزئه التفريق ؛ لأن التتابع صفة لا تجب إلا بنص أو قياس على منصوص وقد عدما .

الثالثة والأربعون : من أفطر في يوم من أيام الصيام ناسيا فقال مالك : عليه القضاء ، وقال الشافعي : لا قضاء عليه ؛ على ما تقدم بيانه في الصيام في ( البقرة ){[5900]} .

الرابعة والأربعون : هذه الكفارة التي نص الله عليها لازمة للحر المسلم باتفاق . واختلفوا فيما يجب منها على العبد إذا حنث ، فكان سفيان الثوري والشافعي وأصحاب الرأي يقولون : ليس عليه إلا الصوم ، لا يجزئه غير ذلك ، واختلف فيه قول مالك ، فحكى عنه ابن نافع أنه قال : لا يكفر العبد بالعتق ؛ لأنه لا يكون له الولاء ، ولكن يكفر بالصدقة إن أذن له سيده ، وأصوب ذلك أن يصوم . وحكى ابن القاسم عنه أنه قال : إن أطعم أو كسا بإذن . السيد فما هو بالبين ، وفي قلبي منه شيء .

الخامسة والأربعون : قوله تعالى : " ذلك كفارة أيمانكم " أي تغطية أيمانكم ، وكفرت الشيء غطيته وسترته وقد تقدم . ولا خلاف أن هذه الكفارة في اليمين بالله تعالى ، وقد ذهب بعض التابعين إلى أن كفارة اليمين فعل الخير الذي حلف في تركه . وترجم ابن ماجة في سننه ( من قال كفارتها تركها ) حدثنا علي بن محمد حدثنا عبدالله بن نمير عن حارثة بن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ من حلف في قطيعة رحم أو فيما لا يصح فبره ألا يتم على ذلك ]{[5901]} وأسند عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها فإن تركها كفارتها ) . قلت : ويعتضد هذا بقصة الصديق رضي الله عنه حين حلف ألا يطعم الطعام ، وحلفت امرأته ألا تطعمه حتى يطعمه ، وحلف الضيف - أو الأضياف - ألا يطعمه أو لا يطعموه حتى يطعمه ، فقال أبو بكر : كان هذا من الشيطان ، فدعا بالطعام فأكل وأكلوا . خرجه البخاري ، وزاد مسلم قال : فلما أصبح غدا على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال يا رسول الله ، بروا وحنثت ؛ قال : فأخبره ، قال : [ بل أنت أبرهم وأخيرهم ] قال : ولم تبلغني كفارة .

السادسة والأربعون : واختلفوا في كفارة غير اليمين بالله عز وجل ، فقال مالك : من حلف بصدقة مال أخرج ثلثه . وقال الشافعي : عليه كفارة يمين ، وبه قال إسحاق وأبو ثور ، وروي عن عمر وعائشة رضي الله عنها . وقال الشعبي وعطاء وطاوس : لا شيء عليه . وأما اليمين بالمشي إلى مكة فعليه أن يفي به عند مالك وأبي حنيفة . وتجزئه كفارة يمين عند الشافعي وأحمد بن حنبل وأبي ثور . وقال ابن المسيب والقاسم بن محمد : لا شيء عليه . قال ابن عبدالبر : أكثر أهل العلم بالمدينة وغيرها يوجبون في اليمين بالمشي إلى مكة كفارة مثل كفارة اليمين بالله عز وجل ، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين وجمهور فقهاء المسلمين . وقد أفتى به ابن القاسم ابنه عبدالصمد ، وذكر له أنه فول الليث بن سعد . والمشهور عن ابن القاسم أنه لا كفارة عنده في المشي إلى مكة إلا بالمشي لمن قدر عليه ، وهو قول مالك . وأما الحالف بالعتق فعليه عتق من حلف عليه بعتقه في قول مالك والشافعي وغيرهما . وروي عن ابن عمر وابن عباس وعائشة أنه يكفر كفارة يمين ولا يلزمه العتق - وقال عطاء : يتصدق بشيء . قال المهدوي : وأجمع من يعتمد على قول من العلماء على أن الطلاق لازم لمن حلف به وحنث .

السابعة والأربعون : قوله تعالى : " واحفظوا أيمانكم " أي بالبدار إلى ما لزمكم من الكفارة إذا حنثتم . وقيل : أي بترك الحلف ، فإنكم إذا لم تحلفوا لم تتوجه عليكم هذه التكليفات . " لعلكم تشكرون " تقدم معنى " الشكر " و " لعل " في " البقرة " {[5902]} والحمد لله .


[5858]:راجع ج 3 ص 99 وما بعدها.
[5859]:عجز البيت: بمقسمة تمور بها الدماء.
[5860]:في ج، ك، ع.
[5861]:البيت للحطيئة يمدح قوما عقدوا لجارهم عهدا فوفوا به ولم يخفروه. وقد تقدم شرحه بهامش ص 32 من هذا الجزء.
[5862]:راجع ج 16 ص 277.
[5863]:راجع ج 11 ص 113.
[5864]:راجع ج 15 ص 359.
[5865]:كذا في الأصول إلا ز، ففيه: في قوله عاقدتم... الخ.
[5866]:راجع ج 10ص 61.
[5867]:راجع ج 8 ص 116.
[5868]:راجع ج 3 ص 96.
[5869]:اليمين الصبر التي ألزم بها وأكره عليها. والصبر الإكراه، يقال : صبر الحاكم فلانا على يمين صبرا أي أكرهه.
[5870]:راجع ج 4 ص 119.
[5871]:راجع ج 5 ص 103.
[5872]:راجع ج 13 ص 75.
[5873]:الزيادة عن ابن العربي.
[5874]:في ع: النية فإن حضرته نية. الخ.
[5875]:نسبة إلى المراغة، وهي بلدة مشهورة من بلاد أذربيجان.
[5876]:مدينة السلام بغداد، وقيل: سميت بذلك لأن دجلة يقال لها وادي السلام وقيل: سماها المنصور بذلك تفاؤلا بالسلامة. وتسمى أيضا دار السلام على التشبيه بالجنة. (معجم البلدان)
[5877]:القماش: متاع البيت.
[5878]:الكري: المستأجر.
[5879]:الفامي ها هنا الخباز.
[5880]:السفرة: طعام يتخذه المسافر.
[5881]:راجع ج 15 ص 212.
[5882]:راجع ص 396 من هذا الجزء.
[5883]:راجع ج 19 ص 125.
[5884]:راجع ج 2 ص 153 وما بعدها.
[5885]:من ع.
[5886]:هذه الزيادة غير موجودة في ابن ماجه في هذا الحديث.
[5887]:خبز قفار: غير مأدوم، مأخوذ من البلد الذي لا شيء فيه.
[5888]:الكامخ: نوع من الأدم، معرب.
[5889]:في ع و ك: يطعمهم.
[5890]:هو أبو الطمحان القيني، يقول: رب من هو أهل للود قد تعرضت له، وبذلت له في ذلك طاقتي من نائل. في التاج: بذلي ونائلي. وفي اللسان: في الحمد جهدي ونائلي.
[5891]:التبان (بالضم والتشديد): سراويل صغير مقدار شبر، يستر العورة المغلظة.
[5892]:في ج: يتردى به، وفي ع: يؤتزر به.
[5893]:أي ثوبان لكل مسكين.
[5894]:الزيادة عن ابن العربي.
[5895]:راجع ج 4 ص 65.
[5896]:في أهله: أي في قطيعتهم كالحلف على ألا يكلمهم، وذكر الأهل في هذا المقام للمبالغة، راجع شرح الحديث في هامش ص مسلم ط الآستانة ج 5 ص 88.
[5897]:راجع ج 3 ص 96.
[5898]:من ج و هـ و ع و ك.
[5899]:الزيادة عن ابن العربي.
[5900]:راجع ج 2 ص 322، وما بعدها.
[5901]:ظاهره أنه البر شرعا فلا حاجة معه إلى كفارة أخرى، لكن الأحاديث المشهورة تدل على وجوب الكفارة، فالحديث إن صح يحمل على أنه بمنزلة البر في كونه مطلوبا شرعا. (هامش ابن ماجة).
[5902]:راجع ج 1 ص 226 وما بعدها في "لعل" وص 397 وما بعدها في "الشكر".