المنتخب في تفسير القرآن الكريم للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - المنتخب [إخفاء]  
{أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَالَتۡ أَوۡدِيَةُۢ بِقَدَرِهَا فَٱحۡتَمَلَ ٱلسَّيۡلُ زَبَدٗا رَّابِيٗاۖ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيۡهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبۡتِغَآءَ حِلۡيَةٍ أَوۡ مَتَٰعٖ زَبَدٞ مِّثۡلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ} (17)

17- وأن نعمه تعالى مرئية لكم ، وأصنامكم لا تأثير لها في هذه النعم ، فهو الذي أنزل عليكم الأمطار من السحاب ، فتسيل بها الأنهار والوديان كل بالمقدار الذي قدره الله تعالي لإنبات الزرع ، وإثمار الشجر . والأنهار في جريانها تحمل ما لا نفع فيه ويعلو علي سطحها ، فيكون فيها ما فيه نفع فيبقى ، وما لا نفع فيه يذهب . ومثل ذلك الحق والباطل ، فالأول يبقى والثاني يذهب ، ومن المعادن التي يصهرونها بالنار ما يتخذون منها حلية كالذهب والفضة ، ومنافع ينتفعون بها كالحديد والنحاس ، ومنها ما لا نفع فيه يعلو السطح ، وأن ما لا نفع فيه يرمى وينبذ ، وما فيه النفع يبقى ، كذلك الأمر في العقائد ما هو ضلال يذهب ، وما هو صدق يبقى . وبمثل هذا يبين الله سبحانه الحقائق ، ويمثل بعضها ببعض لتكون كلها واضحة بينة{[103]} .


[103]:بين الله هنا تشبيهين بالحق هما الماء الصافي والمعدن الصافي ينتفع بهما، ويبين شبيهين للباطل هما زبد الماء وزبد المعادن المذابة لا نفع منها. فقال: {أنزل من السحاب مطرا} فسالت مياه أودية بمقدارها في الصغر والكبر فحمل الماء السائل زبدا عاليا علي وجه الماء يسمى غثاء، ومن بعض المعادن التي يوقد الناس عليها في النار كالذهب والفضة والنحاس والرصاص طالبين عمل حلية أو متاع ينتفع به كالأواني وغيرها زبد مثل زبد الماء في كونه عاليا فوق سوائل المعادن يسمى خبيثا كهذا المذكور من الماء وزبده والمعدن وزبده بين الله للناس الحق والباطل فالحق كالماء الصافي والمعدن الصافي، والباطل كالزبد الصافي والذي لا ينتفع به. فأما الزبد الناشئ عن السيل والمعادن فيذهب مرميا به، وأما ما ينفع الناس من الماء والمعادن فيبقى في الأرض للنفع، كهذين المثالين في الجلاء والوضوح يبين الله الأمثال للناس دائما فيبصرهم بالخير والشر. ولما بين الله سبحانه وتعالي شأن كل من الحق والباطل شرع يبين حال أهل كل منهما، فقال: للذين أجابوا ربهم بالطاعة المثوبة في الآخرة وفي الجنة ونعيمها، والذين لم يجيبوا لو ملكوا أموال الدنيا وملكوا معها مثلها لبذلوه ليدفعوا عن أنفسهم عذاب الله ولكنه لا يقبل منهم إذا فرض وملك.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَالَتۡ أَوۡدِيَةُۢ بِقَدَرِهَا فَٱحۡتَمَلَ ٱلسَّيۡلُ زَبَدٗا رَّابِيٗاۖ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيۡهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبۡتِغَآءَ حِلۡيَةٍ أَوۡ مَتَٰعٖ زَبَدٞ مِّثۡلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ} (17)

قوله تعالى : { أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ } .

يضرب الله في هذه الآية مثلا للحق والباطل ؛ فالحق : هو الإيمان والتزام شرع الله . والباطل : هو الكفر والتكذيب والاستكبار عن منهج الله . أما الكفر : فهو طائش مستخف ، ما لبث أن ينقشع ويتبدد ؛ لأنه غير راسخ ولا مكين ولا مركوز في عميق النفس بل إنه طارئ وعارض ومصطنع ، فما تلبث الفطرة الإنسانية السليمة أن تنفر منه نفورا شديدا لتستقبحه أيما استقباح . فشبهه الله في هذه الآية بالزبد المنتفش الذي يطيش على سطح الماء ثم يضمحل ويزول سريعا ؛ فهو لا مكث له ولا دوام . لكن الإيمان لهو المعتبر والموزون والثابت .

وهو شبيه هنا بالماء الصافي الذي يرتوي منه العطاش ، وتنتفع به الأرض فيثير فيها النماء والخصيب والبركة .

قوله : { أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا } هذا مثل يضربه الله للحق والباطل أو الإيمان والكفر ، وهو ما بينا جملته في الفقرات السابقة ؛ فقد أنزل الله المطر من السماء إلى الأرض فاحتملته الأدوية { بقدرها } أي بملئها . يعني كل واحد من الأدوية أخذ من الماء بحسبه من الكبر والصغر ، فهذا كبير اتسع لكثير من الماء ، وهذا صغير اتسع لم هو أقل من الماء بما يساوي حجمه من السعة { فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا } هذا السيل المكون من ماء المطر النازل من السماء احتمل فوق سطحه { زبدا } وهو الرغوة{[2339]} الطائشة فوق سطح الماء . فهذا المثل الأول الذي ضربه الله للحق والباطل . وبيانه : أن الحق هو الماء الثقيل الراسخ النافع الذي يبقى في الأرض ليثير فيها الخصب والخير والبركة .

أما الباطل ، فهو الزبد الذي يطيش على وجه الماء ، وهو بطشه وخفته غير نافع ولا باق .

وأما المثل الثاني : فهو قوله : { وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ } { في النار } ، جار ومجرور ، في محل نصب على الحال . وتقديره : ومما يرقدون عليه كائنا أو مستقرا في النار . { ابتغاء الحلية } ، منصوب على المصدر في موضع الحال{[2340]} ؛ هذا مثل آخر للحق والباطل ، وهو ما يوقد الناس عليه في النار من الجوهر كالذهب والفضة لكي يذوب فتزايله الأوشاب والتراب طلبا للحلية التي يتزين بها الناس ، أو للمتاع وهو ما يتمتع به الناس من الأواني والآلات المصنوعة من الحديد والنحاس والرصاص .

قوله : { زَبَدٌ مِّثْلُهُ } { زبد } مرفوع على الابتداء . { مثله } ، صفة له وخبره { ومما يوقدون } {[2341]} والضمير في { مثله } ، يعود على الزبد . والمراد بالزبد : الخبث الذي يعلو وجه المذاب من تلك المعادن مثلما يعلو الزيد على سطح الماء .

والمعنى : أن هذا الخبث الذي يخرج من المعدن المذاب بعد الإيقاد عليه في النار لهو زبد كزبد السيل ؛ فكلاهما غير ذي نفع ولا جدوى . إنما الذي ينفع ويجدي ما رسخ من المعدن بعد الإيقاد عليه في النار . وهذا مثل للحق الثابت المكين كما يرسخ بعد الإيقاد عليه في النار لينتفع به الناس . وما علاه من خبث أو زبد إنما هو الباطل الذي يتلاشى ويضمحل فما يغني وما يجدي وما يدوم .

قوله : { كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ } الكاف في موضع نصب على المصدر ؛ أي مثل ذلك الضرب يضرب الله مثل الحق والباطل . وبيان ذلك في قوله تعالى : { فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ } { جفاء } منصوب على الحال . والجفاء معناه ، الرمي والاطراح . أو ما يقذفه القدر والسيل من الزبد والغثاء ونحوهما . يقال : جفا الوادي غثاءه ، يجفوه جفاء إذا قذفه ورماه{[2342]} .

والمعنى المقصود : أن الزبد أو الخبث يعلو وجه الماء أو المعدن الموقد عليه في النار لينتفخ وينتفش ويطيش على السطح . لكنه أخيرا ما يلبث أن يتطاير ويتناثر ويتبدد فلا يبقى منه شيء . بخلاف الماء النافع الصافي أو الجوهر الراسخ المكين الذي يستقر مركوزا وراسخا لينتفع به الناس فكذلك بالباطل بكل صوره وضروبه ومسمياته ؛ فغنه خفيف كالزبد ، أو هو شنيع وضار ومرذول ؛ فهو يفضي إلى شر العواقب من تدمير للأفراد والأسر والبيوت والمجتمعات .

ذلك هو الباطل في الملل والعقائد والفلسفات والتصورات والمناهج التي ابتدعها أهواء البشر ؛ فإنها لا جرم تؤول إلى واقع مادي منكود وظالم ، واقع سامته الأهواء وأفاعيل الشياطين من الناس ، فظيع الولايات والبلايا النفسية والشخصية والاجتماعية والإنسانية . وذلكم هو الباطل الذي تتجرع منه البشرية على مر الزمن كل ألوان الهوان والشر والمحن .

لكن الحقيقة الراسخة التي تشهد لها آيات الله بالصدق والقين ، أن الباطل –كيفما كانت تسميته أو صفته- لا محالة زائل داثر ، وأنه صائر إلى التلاشي والفناء والانهيار كما انهارت كل قوى الباطل والظلام والطاغوت بعد أن استطار في الدنيا سلطانه وعزه وطغيانه ؛ ذلك أن الباطل بالرغم من ظاهره المنفوش وهيلمانه المنتفخ ؛ فإنه تستنيم في أحشائه جرثومة الفناء العاجل المحتوم ؛ لأنته ( الباطل ) قائم على الكذب والخداع والتضليل والهوى . والذي شانه هكذا ، لا جرم أنه صائر إلى التداعي والتمزق والسقوط .

أما الحق فإنه واضح وثابت ومكشوف . وهو شديد الرسوخ والقرار في الأرض ، لأنه من صنع الله الذي أتقن كل شيء وأحسن كل شيء صنعا . الحق المراد ما كان من صنع الله ؛ فهو منهاجه القويم ودينه الحكيم الذي يناسب –دون غيره- طبيعة الإنسان ، والذي جعله الله للناس خير ملاذ وأكمل شرعة يستظلون بظلها فيكونون في هذه الدنيا سالمين مطمئنين سعداء .

قوله : { كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ } أي مثل ذلك الضرب الظاهر يضرب الله لكم الأمثال لتتدبروا وتعتبروا{[2343]} .


[2339]:المعجم الوسيط جـ 1 ص 388.
[2340]:البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 50.
[2341]:البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 50.
[2342]:المعجم الوسيط جـ 1 ص 28 وتفسير الرازي جـ 19 ص 38 والبيان لابن الأنباري جـ 2 ص 51.
[2343]:فتح القدير جـ 3 ص 75 وتفسير الرازي جـ 19 ص 38.