{ وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( 3 ) }
وإعلام من الله ورسوله وإنذار إلى الناس يوم النحر أن الله بريء من المشركين ، ورسوله بريء منهم كذلك . فإن رجعتم -أيها المشركون- إلى الحق وتركتم شرككم فهو خير لكم ، وإن أعرضتم عن قَبول الحق وأبيتم الدخول في دين الله فاعلموا أنكم لن تُفْلِتوا من عذاب الله . وأنذر - يا محمد - هؤلاء المعرضين عن الإسلام عذاب الله الموجع .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الموعد الذي تعلن فيه هذه البراءة من المشركين حتى لا يكون لهم عذر بعد هذا الإِعلان فقال - تعالى - :
{ وَأَذَانٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الناس يَوْمَ الحج الأكبر أَنَّ الله برياء مِّنَ المشركين وَرَسُولُهُ . . . } .
الأذان : الإِعلام تقول : آذنته بالشئ إذا أعلمته به . ومنه الأذان للصلاة أى الإِعلام بحلول وقتها . وهو بمعنى الإِيذان كما أن العطاء بمعنى الإِعطاء .
قال الجمل : وهو مرفوع بالابتداء . و { مِّنَ الله } إما صفته أو متعلق به { إِلَى الناس } الخبر ، ويجوز أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف . أى : وهذه ، أى : الآيات الآتى ذكرها إعلام من الله ورسوله . .
والمعنى : وهذه الآيات إيذان وإعلان من الله ورسوله إلى الناس عامة يوم الحج الأكبر بأن الله ورسوله قد برئا من عهود المشركين ، وأن هذه العهود قد نبذت إليهم ، بسبب إصرارهم على شركهم ونقضهم لمواثيقهم .
وأسند - سبحانه - الأذان إلى الله ورسوله ، كما أسنتدت البراءة إليهما ، إعلاء لشأنه وتأكيدا لأمره :
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أى فرق بين معنى الجملة الأولى والثانية ؟ قلت : تلك إخبار بثبوت البراءة ، وهذه إخبار بوجوب الإِعلام بما ثبت .
فإن قلت : لم علقت البراءة بالذين عوهدوا من المشركين وعلق الأذان بالناس ؟ قلت : لأن البراءة مختصة بالمعاهدين والناكثين منهم وأما الأذان فعام لجميع الناس " من عاهد ومن لم يعاهد ، ومن نكث من المعاهدين ومن لم ينكث " .
واختير يوم الحج الأكبر لهذا الإِعلام ، لأنه اليوم الذي يضم أكبر عدد من الناس يمكن أن يذاع الخبر عن طريقهم في جميع أنحاء البلاد .
وأصح ما قيل في يوم الحج الأكبر أنه يوم النحر . وقيل : هو يوم عرفة ، وقيل : هو جميع أيام الحج .
وقد رجح ابن جرير - بعد أن بسط الأقوال في ذلك - أن المراد بيوم الحج الأكبر : يوم النحر فقال . وأولى الأقوال في ذلك بالصحة عندنا : قول من قال : يوم الحج الأكبر ، يوم النحر ، لتظاهر الأخبار عن جماعة من الصحابة أن علياً بما أرسله به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين يوم النحر ، هذا مع الأخبار التي ذكرناها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال يوم النحر : " أتدرون أى يوم هذا ؟ هذا يوم الحج الأكبر " .
وقال بعض العلماء : قال ابن القيم : والصواب أن المراد بيوم الحج الأكبر يوم النحر ، لأنه ثبت في الحصيحين أن أبا بكر وعليا أذنا بذلك يوم النحر لا يوم عرفة . وفى سنن أبى داود بأصح إسناد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " يوم الحج الأكبر يوم النحر " ، وكذا قال أبو هريرة وجماعة من الصحابة .
ويوم عرفة مقدمة ليوم النحر بين يديه ، فإن فيه يكون الوقوف والتضرع ثم يوم النحر تكون الوافدة والزيارة . . ويكون فيه ذبح القرابين ، وحلق الرءوس ، ورمى الجمار ، ومعظم أفعال الحج .
وقد ساق ابن كثير جملة من الأحاديث التي ما اكن ينادى به على بن أبى طالب والناس يوم الحج الأكبر ومن ذلك ما أخرجه الإِمام أحمد عن محرز بن أبى هريرة عن أبيه قال : كنت مع على بن أبى طالب حين بعثه النبى - صلى الله عليه وسلم - ينادى ، فكان إذا صحل ناديت - أى كان إذا بح صوته وتعب من كثرة النداء ناديت - قلت : بأى شئ كنتم تنادون ؟ قال : بأربع : لا يطوف بالبيت عريان ، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ، ولا يحج بعد عامنا هذا مشرك ، ومن كانله عهد عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعهده إلى مدته .
وسمى يوم النحر بالحج الأكبر ، لأن العمرة كانت تمسى بالحج الأصغر ولأن ما يفعل فيه معظم الحج - كما قال ابن القيم .
هذا ، وللعلماء أقوال في إعراب لفظ { وَرَسُولِهِ } من قوله - تعالى - { أَنَّ الله برياء مِّنَ المشركين وَرَسُولُهُ } . وقد لخص الشيخ الجمل هذه الأقوال تلخيصا حسنا فقال : قوله { وَرَسُولُهُ } بالرفع باتفاق السبعة وقرئ شاذا بالجر على المجاورة . أو على أن الواو للقسم وقرئ شاذا أيضاً بالنصب على أنه مفعول معه ، أو معطوف على لفظ الجلالة ، وفى الرفع ثلاثة وجوه : أحدها أنه مبتدأ والخبر محذوف أى : ورسوله برئ منهم ، وإنما حذف للدلالة عليه . والثانى أنه معطوف على الضمير المستتر في الخبر . . والثالث : أنه معطوف على محل اسم أن . .
ثم أردف - سبحانه - هذا الإعلام بالبراءة من عهود المشركين بترغيبهم في الإِيمان وتحذيرهم من الكفر والعصيان فقال : { فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فاعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله وَبَشِّرِ الذين كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } .
أى : فإن تبتم أيها المشركون من كفركم ، ورجعتم إلى الإِيمان بالله وحده واتبعتم ما جاءكم به محمد - صلى الله عليه وسلم - فهو أى المتاب والرجوع إلى الحق { خَيْرٌ لَّكُمْ } من التمادى في الكفر والضلال : { وَإِن تَوَلَّيْتُمْ } وأعرضتم عن الإِيمان ، وأبيتم إلا الإِقامة على باطلكم { فاعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله } أى : فأيقنوا أنكم لا مهرب لكم من عقاب الله ، ولا إفلات لكم من أخذه وبطشه ، لأنكم أينا كنتم فأنتم في قبضته وتحت قدرته .
وقوله : { وَبَشِّرِ الذين كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تذييل قصد به تأكيد زجرهم عن التولى والإِعراض عن الحق .
أى : وبشر - يا محمد - هؤلاء الذين كفروا بالحق لما جاءهم بالعذاب الأليم في الآخرة بعد إنزال الخزى والمذلة بهم في الدنيا .
ولفظ البشارة ورد هنا على سبيل الاستهزاء بهم ، كما يقال : تحيتهم الضرب ، وإكرامهم الشتم .
قوله تعالى : { وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله برئ من المشركين فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم } { وأذان } ، معطوف على براءة . وفيه الوجهان من الإعراب اللذان ذكرا في { براءة } وهو أنه خبر مبتدأ محذوف . أو أنه مبتدأ ، وخبره قوله : { إلى الناس يوم الحج } {[1712]} والأذان ، معناه الإعلام . وهذا إعلام صادر من الله ورسوله إلى الناس وهم جميع الخلق { يوم الحج الأكبر } واختلفوا في المراد بالحج الأكبر على قولين . أحدهما : أنه يوم عرفة ، وهو مروي عن ابن عباس وعمر وعثمان وسعيد بن المسيب وابن الزبير وعطاء وطاووس ، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ؛ فقد احتجوا بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خطيب عشية عرفة فقال : ( أما بعد ، فإن هذا يوم الحج الكبر ) .
ثانيهما : أنه يوم النحر ، الذي هو أفضل المناسك وأظهرها . وهو رواية عن أبي عباس ، وهو قول المغيرة بن شعبة وسعيد بن جبير –واحتجوا بما رواه أبو داود عن ابن عكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر في الحجة التي حج فيها فقال : ( أي يوم هدا ؟ ) فقالوا : يوم النحر . فقال : ( هذا يوم الحج الأكبر ) .
وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال : بعثني أبو بكر بالصديق ( رضي الله عنه ) فيمن يؤذن يوم النحر بمنى : لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ويوم الحج الكبر يوم النحر . وقيل : يوم الحج الكبر ، أيام منى كلها .
أما سبب التسمية بالحج الكبر ؛ فلأن العمرة تسمى الحج الأصغر . وهذا هو الحج الأكبر . وقيل : سمي بذلك ؛ لاجتماع المسلمين والمشركين فيه ؛ فقد حجوا جميعا في تلك السنة . وقيل غير ذلك{[1713]} .
قوله : { أن الله برئ من المشركين ورسوله } رسوله ، مرفوع بالابتداء ، وخبره محذوف وتقديره : ورسوله برئ . وقيل : مرفوع بالعطف على الضمير المرفوع في { برئ } {[1714]} على أن الفرق بين قوله : { براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين } وقوله : { أن الله برئ من المشركين ورسوله : { من وجهين :
الوجه الأول : أن المقصود من الكلام الأول : الإخبار بثبوت البراءة . أما المقصود من الكلام الثاني : إعلام جميع الناس بما حصل وثبت .
الوجه الثاني : أن الله تعالى قد أظهر في الكلام الأول البراءة عن المشركين الذين عاهدوا ونفضوا العهد . أما في هذه الآية : فقد أظهر الله فيها البراءة عن المشركين من غير أن يصفهم بوصف معين ، وفي ذلك تنبيه إلى أن الموجب لهذه البراءة هو كفرهم وشركهم{[1715]} .
قوله : { فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله } يدعوا الله المشركين إلى التوبة من الشرك والضلال ، فإن تابوا فهو خير لهم ؛ لما يفضي إليه ذلك من النجاة في الدارين . لكنهم عن تولوا واستمروا على شركهم وضلالهم وعتوهم ؛ فإنهم غير معجزين ؛ بل إن الله قادر عليهم ؛ فهم في قبضته وتحت قهره وجبروته ، فلا يعز عليه إهلاكهم وتدميرهم .
قوله : { وبشر الذين كفروا بعذاب أليم } لفظ البشارة ورد هنا على سبيل التهكم والاستهزاء بالمشركين الذين ظلموا أنفسهم وسفهوا عقولهم بشركهم وضلالهم . والمراد الإخبار من اله بأن لهم العذاب الشديد في الآخرة فوق ما يحيق بهم من العذاب في الدنيا بالإذلال والخزي{[1716]} .
قال محمد بن إسحاق في هذا الصدد عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين ابن علي قال : لما نزلت براءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد كان بعث أبا بكر ليقيم الحج للناس فقيل : يا رسول الله لو بعثت إلى أبي بكر ، فقال : ( لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي ) ثم دعا عليا فقال : ( اذهب بهذه القصة من سورة براءة وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى أنه لا يدخل الجنة كافر ، ولا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو له إلى مدته ) فخرج علي ( رضي الله عنه ) على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء{[1717]} حتى أدرك أن أبا بكر في الطريق فلما رآه أبو بكر قال : أمير أو مأمور ؟ فقال : بل مأمور . ثم مضيا ، فأقام أبو بكر للناس الحج ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية ، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب فأذن في الناس بالذي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا أيها الناس إنه لا يدخل الجنة كافر ، ولا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ومن كان له عهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو إلى مدته . فلم يحج بعد ذلك العام مشرك ، ولم يطف بالبيت عريان . ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان هذا من براءة فيمن كان من أهل الشرك من أهل العهد وأهل المدة إلى الأجل المسمى .
وعن أبي الصهباء البكري قال : سألت عليا عن يوم الحج الأكبر . فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر بن أبي قحافة يقيم للناس يوم الحج ، وبعثني معه بأربعين آية من براءة ، حتى أتى عرفة فخطب الناس يوم عرفة ، فلما قضى خطبته التفت إلي فقال : قم يا علي فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقمت فقرأت عليهم أربعين أية من براءة ، ثم صدرنا{[1718]} فأتينا منى ، فرميت الجمرة ، ونحرت البدنة ، ثم حلقت رأسي ، وعلمت أن أهل الجمعة لم يكونوا كلهم حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة ، فطفت أتتبع بها الفساطيط{[1719]} أقرأها عليهم{[1720]} .