الهدى : التوفيق والرشاد . والفلاح : الفوز والنجاة . إن الذين تقدمت صفاتهم من التقوى ، والإيمان بالغيب ، والعطاء ، وتصديق جميع الرسل والأديان السماوية ، واليقين بالآخرة ، هم المهتدون الظافرون برضى الله وهداه ، وأولئك هم أهل الفلاح والفوز والنجاة .
هذه صورة من ثلاثة صور استعرضها القرآن لثلاث فئات :
الأولى التي تقدَّم وصفها هي جماعة المؤمنين ، وقد وصفهم الله تعالى في آيتين .
والثانية : الكافرون الجاحدون ، وقد وصفهم تعالى أيضا في آيتين .
والفئة الثالثة : المنافقون ، وقد ذكرهم الله تعالى في ثلاث عشرة آية .
بهذا يتبين لنا أن الناس أمام القرآن ثلاث طوائف : تقدمت الطائفة المؤمنة .
{ أولئك على هُدًى مّن رَّبّهِمْ } الظاهر أنه جملة مرفوعة المحل على الخبرية فإن جعل الموصول الأول مفصولاً على أكثر التقادير في الثاني ويتبعه فصله بحسب الظاهر إذ لا يقطع المعطوف عليه دون المعطوف فالخبرية له وإن جعل موصولاً وأريد بالثاني طائفة مما تقدمه وجعل هو مفصولاً كان الإخبار عنه وذكر الخاص بعد العام كما يجوز أن يكون بطريق التشريك بينهما في الحكم السابق أعني هدى للمتقين يجوز أن يكون بطريق إفراده بالحكم عن العام وحينئذٍ تكون الجملة المركبة من الموصول الثاني وجملة الخبر معطوفة على جملة { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة : 2 ] الموصوفين ب { الذين يؤمنون بالغيب } [ البقرة : 3 ] والجملة الأولى وإن كانت مسوقة لمدح الكتاب والثانية لمدح الموصوفين بالإيمان بجميع الكتب إلا أن مدحهم ليس إلا باعتبار إيمانهم بذلك الكتاب فهما متناسبتان باعتبار إفادة مدحه وفائدة جعل المدح مقصوداً بالذات ترغيب أمثالهم والتعريض على ما قيل بمن ليس على صفتهم والتخصيص المستفاد من المعطوف بالقياس إلى من لم يتصف بأوصافهم فلا ينافي ما استفيد من المعطوف عليه من ثبوت الهدى للمتقين مطلقاً . نعم ليس هذا الوجه في البلاغة بمرتبة فصل الموصول الأول فهو أولى ، وعليه تكون الجملة مشيرة إلى جواب سؤال إما عن الحكم أي إن المتقين هل يستحقون ما أثبت لهم من الاختصاص بالهدى أو عن السبب كأنه قيل ما سبب اختصاصهم أو عن مجموع الأمرين أي هل هم أحقاء بذلك وما السبب فيه حتى يكونوا كذلك ؟ فأجيب بأن هؤلاء لأجل اتصافهم بالصفات المذكورة متمكنون على الهدى الكامل الذي منحهم إياه ربهم تعالى بكتابه . ومعلوم أن العلة مختصة بهم فيكونون مستحقين للاختصاص . فالجواب مشتمل على الحكم المطلوب مع تلخيص موجبه وضم نتيجة الهدى تقوية للمبالغة التي تضمنها تنكير هدى أو تحقيقاً للحكم بالبرهان الآتي أيضاً ولذا استغنى عن تأكيد النسبة أو الجملة الاسمية مؤكدة . وقد يقال إنه بين الجواب مرتباً عليه مسببيه أعني الهدى والفلاح لأن ذلك أوصل إلى معرفة السبب ولا حاجة حينئذٍ إلى التأكيد ، والأمر على التقدير الثالث ظاهر وجعل الجملة مشيرة إلى الجواب على احتمال وصل الأول وفصل الثاني مما لا يخفى انفصاله عن ساحة القبول ، وإذا وصل الأول وعطف الثاني تكون هذه الجملة مستأنفة استئنافاً نحوياً ، والفصل لكمال الاتصال إذ هي كالنتيجة للصفات السابقة أو بيانياً والفصل لكونها كالمتصلة فكأن سائلاً يقول ما للموصوفين بهذه الصفات اختصوا بالهدى ؟ فأجيب بأن سبب اختصاصهم أنه سبحانه قدر في الأزل سعادتهم وهدايتهم فجبلتهم مطبوعة على الهداية والسعيد سعيد في بطن أمه لا سيما إذا انضم إليه الفلاح الأخروي الذي هو أعظم المطالب ، أو يقال إن الجواب بشرح ما انطوى عليه اسمهم إجمالاً من نعوت الكمال وبيان ما تستدعيه من النتيجة أي الذين هذه شؤونهم أحقاء بما هو أعظم من ذلك .
وهذا المسلك يسلك تارة بإعادة من استؤنف عنه الحديث كأحسنت إلى زيد زيد حقيق بالإحسان ، وأخرى بإعادة صفته كأحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك ، وهذا أبلغ لما فيه من بيان الموجب للحكم وإيراد اسم الإشارة هنا بمنزلة إعادة الموصوف بصفاته المذكورة مع ما فيه من الإشعار بكمال تميزه بها وانتظامه لذاك في سلك الأمور المشاهدة مع الإيمان إلى بعد منزلته وعلو درجته ، هذا وجعل أولئك وحده خبراً و{ على هُدًى } حال بعيد كجعله بدلاً من الذين والظرف خبراً . وإنما كتبوا واواً في { أولئك } للفرق بينه وبين إليك الجار والمجرور كما قيل ، وقيل : إنه لما كان مشاراً به لجمع المذكر وكان مبنياً ومبايناً للشائع من صيغ الجموع جبر في الجملة بكتابة حرف يكون في الجمع في بعض الآنات .
ومن المشهور ردوا السائل ولو بظلف محرق وفي قوله سبحانه : { على هُدًى } استعارة تمثيلية تبعية حيث شبهت حال أولئك وهي تمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه وتمسكهم به بحال من اعتلى الشيء وركبه ثم استعير للحال التي هي المشبه المتروك كلمة الاستعلاء المستعملة في المشبه به وإلى ذلك ذهب السعد ، وأنكر السيد اجتماع التمثيلية والتبعية لأن كونها تبعية يقتضي كون كل من الطرفين معنى مفرداً لأن المعاني الحرفية مفردة وكونها تمثيلية يستدعي انتزاعهما من أمور متعددة وهو يستلزم تركبه .
وأبدى قدس سره في الآية ثلاثة أوجه :
الأول : أنها استعارة تبعية مفردة بأن شبه تمسك المتقين بالهدى باستعلاء الراكب على مركوبه في التمكن والاستقرار فاستعير له الحرف الموضوع للاستعلاء .
الثاني : أن يشبه هيئة منتزعة من المتقي والهدى وتمسكه به بالهيئة المنتزعة من الراكب والمركوب واعتلائه عليه فيكون هناك استعارة تمثيلية تركب كل من طرفيها لكن لم يصرح من الألفاظ التي بإزاء المشبه به إلا بكلمة { على } فإن مدلولها هو العمدة في تلك الهيئة وما عداه تابع له ملاحظ في ضمن ألفاظ منوية وإن لم تقدر في نظم الكلام فليس في { على } استعارة أصلاً بل هي على حالها قبل الاستعارة كما إذا صرح بتلك الألفاظ كلها .
الثالث : أن يشبه الهدى بالمركوب على طريق الاستعارة بالكناية وتجعل كلمة { على } قرينة لها على عكس الوجه الأول .
وهذا الخلاف بين الشيخين في هذه المسألة مما سارت به الركبان وعقدت له المجالس وصنفت فيه الرسائل ، وأول ما وقع بينهما في مجلس تيمور وكان الحكم نعمان الخوارزمي المعتزلي فحكم والظاهر أنه لأمر ما للسيد السند والعلماء إلى اليوم فريقان في ذلك ولا يزالون مختلفين فيه إلا أن الأكثر مع السعد .
وأجابوا عن شبهة السيد بأن انتزاع شيء من أمور متعددة يكون على وجوه شتى فقد يكون من مجموع تلك الأمور كالوحدة الاعتبارية وقد يكون من أمر بالقياس إلى آخر كالإضافات ، وقد يكون بعضه من أمر وبعضه من آخر ، وعلى الأولين لا يقتضي تركيبه بل تعدد مأخذه فيجوز حينئذٍ أن يكون المدلول الحر في لكونه أمراً إضافياً كالاستعلاء حالة منتزعة من أمور متعددة فلجريانها في الحرف تكون تبعية ولكون كل من الطرفين حالة إضافية منتزعة من أمور متعددة تمثيلية ، ولعل اختيار القوم في تعريف التمثلية لفظ الانتزاع دون التركيب يرشد المنصف إلى عدم اشتراط التركيب في طرفيه وإلا لكان الأظهر لفظ التركيب ، وقد أشبعنا القول في ذلك وذكرنا ما له وما عليه في كتابنا الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية وفي هذا القدر هنا كفاية .
وفي تنكير { هُدًى } إشارة إلى عظمته فلا يعرف حقيقته ومقداره إلا اللطيف الخبير وإنما ذكر الرب مع أن الهدى لا يكون إلا منه سبحانه تأكيداً لذلك بإسناده إليه جل شأنه ، وفيه مناسبة واضحة إذ حيث كان ربهم ناسب أن يهيئ لهم أسباب السعادتين ويمنّ عليهم بمصلحة الدارين وقد تكون ثم صفة محذوفة أي { على هُدًى } أي هدى وحذف الصفة لفهم المعنى جائز . وقيل يحتمل أن يكون التنوين للأفراد أي على هدى واحد إذ لا هدى إلا هدى ما أنزل إليه صلى الله عليه وسلم لنسخه ما قبله . و{ مِنْ } لابتداء الغاية أو للتبعيض على حذف مضاف أي من هدى ربهم ، ومعنى كون ذلك منه سبحانه أنه هو الموفق لهم والمفيض عليهم من بحار لطفه وكرمه وإن توسطت هناك أسباب عادية ووسائط صورية على أن تلك الوسائط قد ترتفع من البين فيتبلج صبح العيان لذي عينين . وقد قرأ ابن هرمز من ربهم بضم الهاء وكذلك سائر هاءات جمع المذكر والمؤنث على الأصل من غير أن يراعي فيها سبق كسر أو ياء وأدغم النون في الراء بلا غنة الجمهور وعليه العمل ، وذهب كثير من أهل الأداء إلى الإدغام مع الغنة ورووه عن نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم وأبي جعفر ويعقوب ، وأظهر النون أبو عون عن قالون ، وأبو حاتم عن يعقوب ، وهذه الأوجه جارية أيضاً في النون والتنوين إذ لاقت( {[108]} ) لاماً { وأولئك هُمُ المفلحون } الفلاح الفوز والظفر بإدراك البغية وأصله الشق والقطع ويشاركه في معنى الشق مشاركة في الفاء والعين نحو فلى وفلق وفلذ ، وفي تكرار اسم الإشارة إشارة إلى أن هؤلاء المتصفين بتلك الصفات يستحقون بذلك الاستقلال بالتمكن في الهدى والاستبداد بالفلاح والاختصاص بكل منهما ولولاه لربما فهم اختصاصهم بالمجموع فيوهم تحقق كل واحد منهما بالانفراد فيمن عداهم وإنما دخل العاطف بين الجملتين لكونهما واقعتين بين كمال الاتصال والانفصال لأنهما وإن تناسبا مختلفان مفهوماً ووجوداً فإن الهدى في الدنيا والفلاح في الآخرة وإثبات كل منهما مقصود في نفسه وبهذا فارقاً قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الغافلون } [ الأعراف : 179 ] فالثانية فيه مؤكدة للأولى إذ لا معنى للتشبيه إلا بالأنعام المبالغة في الغفلة فلا مجال للعطف بينهما و{ هُمْ } يحتمل أن يكون فضلاً أو بدلاً فيكون { المفلحون } خبراً عن أولئك أو مبتدأ والمفلحون خبره والجملة خبر { أولئك } وهذه الجملة لا تخلو عن إفادة الحصر كما لا يخفى . وقد ذكر غير واحد أن اللام في المفلحون حرف تعريف بناءً على أن المراد الثبات على الفلاح فهو حينئذٍ مما غلبت عليه الإسمية أو الحق بالصفة المشبهة فهي إما للعهد الخارجي للدلالة على أن المتقين هم الذين بلغك أنهم مفلحون في العقبى وضمير الفصل إما للقصر أو لمجرد تأكيد النسبة ولا استبعاد في جريان القصر قلباً أو تعييناً بل إفراداً أيضاً أو للجنس فتشير إلى ما يعرفه كل أحد من هذا المفهوم فإن أريد القصر كان الفصل لتأكيد النسبة ولتأكيد الاختصاص أيضاً وإن أريد الاتحاد كان لمجرد تأكيد النسبة . وتشبث المعتزلة والخوارج بهذه الآية لخلود تارك الواجب في العذاب لأن قصر جنس الفلاح على الموصوفين يقتضي انتفاء الفلاح عن تارك الصلاة والزكاة فيكون مخلداً في العذاب وهذا أوهن من بيت العنكبوت فلا يصلح للاستدلال لأن الفلاح عدم الدخول ، أو لأن انتفاء كمال الفلاح كما يقتضيه السياق ، والسباق لا يقتضي انتفاءه مطلقاً ولا حاجة إلى حمل المتقين على المجتنبين للشرك ليدخل العاصي فيهم لأن الإشارة ليست إليهم فقط فلا يجدي نفعاً ككون الصفة مادحة كما لا يخفى ، وههنا سر دقيق وهو أنه سبحانه وتعالى حكى في مفتتح كتابه الكريم مدح العبد لباريه بسبب إحسانه إليه وترقى فيه ثم مدح الباري هنا عبده بسبب هدايته له وترقى فيه على أسلوب واحد فسبحانه من إله ماجد كم أسدى جميلاً ، وأعطى جزيلاً ، وشكر قليلاً ، فله الفضل بلا وعد ، وله الحمد بلا حد .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله جل ثناؤه بقوله:"أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبّهِمْ"؛ فقال بعضهم: عَنَى بذلك أهل الصفتين المتقدمتين، أعني المؤمنين بالغيب من العرب والمؤمنين وبما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم وإلى من قبله من الرسل، وإياهم جميعا وصف بأنهم على هدى منه وأنهم هم المفلحون...
وقال بعضهم: بل عَنَى بذلك المتقين الذين يؤمنون بالغيب وهم الذين يؤمنون بما أنزل إلى محمد، وبما أنزل إلى من قبله من الرسل...
وأما معنى قوله: "أُولَئِكَ على هُدًى مِنْ رَبّهِمْ "فإن معنى ذلك أنهم على نور من ربهم وبرهان واستقامة وسداد بتسديد الله إياهم وتوفيقه لهم...
"وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ "أي أولئك هم المُنْجحون المدركون ما طلبوا عند الله تعالى ذكره بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله، من الفوز بالثواب، والخلود في الجنان، والنجاة مما أعد الله تبارك وتعالى لأعدائه من العقاب...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
معنى التعريف في {المفلحون}: الدلالة على أن المتقين هم الناس الذين عنهم بلغك أنهم يفلحون في الآخرة كما إذا بلغك أن إنساناً قد تاب من أهل بلدك، فاستخبرت من هو؟ فقيل زيد التائب، أي هو الذي أخبرت بتوبته. أو على أنهم الذين إن حصلت صفة المفلحين وتحققوا ما هم، وتصوّروا بصورتهم الحقيقة، فهم هم لا يعدون تلك الحقيقة. كما تقول لصاحبك: هل عرفت الأسد وما جبل عليه من فرط الإقدام؟ إن زيداً هو هو. فانظر كيف كرّر الله عزّ وجلّ التنبيه على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق شتى، وهي: ذكر اسم الإشارة، وتكريره، وتعريف المفلحين، وتوسيط الفصل بينه وبين أولئك؛ ليبصرك مراتبهم ويرغبك في طلب ما طلبوا، وينشطك لتقديم ما قدموا، ويثبطك عن الطمع الفارغ والرجاء الكاذب والتمني على الله ما لا تقتضيه حكمته ولم تسبق به كلمته. اللهمّ زينا بلباس التقوى، واحشرنا في زمرة من صدرت بذكرهم سورة البقرة.
والمفلح: الفائز بالبغية، كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
عن ابن عباس: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ} أي: على نور من ربهم، واستقامة على ما جاءهم، {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أي: الذين أدركوا ما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما أخبر عن أفعالهم الظاهرة والباطنة أخبر بثمرتها فقال: {أولئك} أي الموصوفون بتلك الصفات الظاهرات، ولما تضمن ما مضى أن إيمانهم كان عن أعظم استدلال فأثمر لهم التمسك بأوثق العرى من الأعمال استحقوا الوصف بالاستعلاء الذي معناه التمكن فقال: {على هدى} أي عظيم، وزاد في تعظيمه بقوله: {من ربهم} أي المحسن إليهم بتمكينهم منه ولزومهم له تمكين من علا على الشيء، ولما لم يلازم الهدى الفلاح عطف عليه قوله مشيراً بالعاطف إلى مزيد تمكنهم في كل من الوصفين {وأولئك} أي العالو الرتبة {هم} أي خاصة {المفلحون} أي الكاملون في هذا الوصف الذين انفتحت لهم وجوه الظفر.
قال الحرالي: وخرج الخطاب في هذه الآية مخرج المخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم ومخرج إحضار المؤمنين بموضع الإشارة وهي مكانة حضرة دون مكانة حضرة المخاطب. انتهى. وكونها للبعد إعلام بعلو مقامهم. والفلاح: الفوز والظفر بكل مراد، ونوال البقاء الدائم في الخير.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون}.
ههنا إشارتان والمشار إليه عند الجمهور واحد وهو ما في الآيتين السابقتين من المؤمنين من غير أهل الكتاب والمؤمنين منهم، وكرر الإشارة للإعلام بأنه لا بد من تحقق الوصفين لتحقق الحكم بأنهم على هدى وأنهم هم المفلحون. كذا قال بعضهم وهو تكلف ظاهر، وكذا قولهم: إن تنكير هدى هنا للتعظيم.
وشيخنا قد جعل الإشارتين لنوعي المؤمنين المذكورين في الآية السابقة بأسلوب اللف والنشر المرتب، قال إن الإشارة الأولى {أولئك على هدى من ربهم} في هذه الآية للفرقة الأولى وهم الذين ينتظرون الحق لأنهم على شيء منه – كما يدل عليه تنكير "هدى "الدال على النوع – وينتظرون بيانا من الله تعالى ليأخذوا به، ولذلك تقبلوه عندما جاءهم. فقد أشعر الله قلوبهم الهداية، بما آمنوا به من الغيب، وأقاموا الصلاة بالمعنى الذي سبق، وأنفقوا مما رزقهم الله، وأما الفرقة الثانية وهم المؤمنون بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فعلى هدى تشرك فيه تلك الفرقة الأولى؛ لكن على وجه أكمل، لأنها مؤمنة بالقرآن وعاملة به. وقوله {على هدى} تعبير يفيد التمكن من الشيء كتمكن المستقر عليه، كقولهم "ركب هواه" ولقد كان أفراد تلك الفرقة (أي الأولى) على بصيرة وتمكن من نوع الهدى الذي كانوا عليه، فإن كان هذا غير كاف لإسعادهم وفلاحهم، فهو كاف لإعدادهم وتأهيلهم لهما بالإيمان التفصيلي المنزل، ولذلك قبلوه عند ما بلغتهم دعوته.
وإلى الفرقة الثانية وقعت الإشارة {وأولئك هم المفلحون} كما هو ظاهر، وهم المفلحون بالفعل لاتصافهم بالإيمان الكامل بالقرآن وبما تقدمه من الكتب السماوية واليقين بالآخرة – لا مطلق الإيمان بالغيب إجمالا، ويرشد إلى التغاير بين مرجع الإشارتين ترك ضمير الفصل "هم" في الأولى وذكره في الثانية. ولو كان المشار إليه واحدا لذكر الفصل في الأولى، لأن المؤمنين بالقرآن هم الذين على الهدى الصحيح التام، فهو خاص بهم دون سواهم، لكنه اكتفى عن التنصيص على تمكنهم من الهدى بحصر الفلاح منهم. ومادة الفلح تفيد في الأصل معنى الشق والقطع... ويطلق الفلاح والفلح على الفوز بالمطلوب، ولكن لا يقال أفلح الرجل إذا فاز بمرغوبه عفوا من غير تعب ولا معاناة، بل لا بد في تحقيق المعنى اللغوي لهذه المادة من السعي إلى الرغيبة والاجتهاد لإدراكها، فهؤلاء ما كانوا مفلحين إلا بالإيمان بما أنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل من قبله. وباتباع هذا الإيمان بامتثال الأوامر واجتناب النواهي التي نيط بها الوعد والوعيد فيما أنزل إليه صلى الله عليه وسلم مع اليقين بالجزاء على جميع ذلك في الآخرة، ويدخل في هذا كله ترك الكذب والزور وتزكية النفس من سائر الرذائل كالشره والطمع والجبن والهلع والبخل والجور والقسوة وما ينشأ عن هذه الصفات من الأفعال الذميمة، وارتكاب الفواحش والمنكرات، والانغماس في ضروب اللذات. كما يدخل فيه الفضائل التي هي أضداد هذه الرذائل المتروكة وجميع ما سماه القرآن عملا صالحا من الفضائل وحسن المعاملة مع الناس والسعي في توفير منافعهم العامة والخاصة مع التزام العدل والوقوف عند ما حده الشرع القويم؛ والاستقامة على صراطه المستقيم.
وجملة القول: أن الإيمان بما أنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو الإيمان بالدين الإسلامي جملة وتفصيلا، فما علم من ذلك بالضرورة ولم يخالف فيه مخالف يعتد به، فلا يسع أحدا جهله، فالإيمان به إيمان، والإسلام لله به إسلام، وإنكاره خروج من الإسلام. وهو الذي يجب أن يكون معقد الارتباط الإسلامي وواسطة الوحدة الإسلامية، وما كان دون ذلك في الثبوت ودرجة العلم فموكول إلى اجتهاد المجتهدين، ولا يصح أن يكون شيء من ذلك مثار اختلاف في الدين زاد الأستاذ هنا بخطه عند قولنا: اجتهاد المجتهدين ما نصه: [أو ذوق العارفين أو ثقة الناقلين بمن نقلوا عنه ليكون معتمدهم فيما يعتقدون بعد التحري والتمحيص وليس لهؤلاء أن يلزموا غيرهم ما ثبت عندهم، فإن ثقة الناقل بمن ينقل عنه حالة خاصة به لا يمكن لغيره أن يشعر بها حتى يكون له مع المنقول عنه في الحال مثل ما للناقل معه، فلا بد أن يكون عارفا بأحواله وأخلاقه ودخائل نفسه، ونحو ذلك ما يطول شرحه، ويحصل الثقة للنفس بما يقول القائل]
وأقول: معنى هذا أن بعض أحاديث الآحاد تكون حجة على من ثبتت عنده واطمأن قلبه، ولا تكون حجة على غيره يلزم العمل بها، ولذلك لم يكن الصحابة رضي الله عنهم يكتبون جميع ما سمعوا من الأحاديث، ويدعون إليها مع دعوتهم إلى اتباع القرآن والعمل به وبالسنة العملية المتبعة المبينة له إلا قليلا من بيان السنة، كصحيفة علي كرم الله وجهه المشتملة على بعض الأحكام كالدية وفكاك الأسير وتحريم المدينة كمكة. ولم يرض الإمام مالك من الخليفتين المنصور والرشيد أن يحملا الناس على العمل بكتبه حتى الموطأ. وإنما يجب العمل بأحاديث الآحاد على من وثق بها رواية ودلالة. وعلى من وثق برواية أحد وفهمه لشيء منها أن يأخذه عنه، ولكن لا يجعل ذلك تشريعا عاما. وأما ذوق العارفين، فلا يدخل شيء منه في الدين، ولا يعد حجة شرعية بالإجماع، إلا ما كان من استفتاء القلب في الشبهات، والاحتياط في تعارض البينات.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
الفلاح: الفوز وصلاح الحال، فيكون في أحوال الدنيا وأحوال الآخرة، والمراد به في اصطلاح الدين: الفوز بالنجاة من العذاب في الآخرة.
قوله تعالى: (أولئك) إشارة إلى الذين تنطبق عليهم كل الصفات التي يبينها الله سبحانه وتعالى في الآيتين السابقتين.. فأولئك الذين تنطبق عليهم هذه الصفات وصلوا إلى الهدى أي إلى الطريق الموصل للإيمان.. وصلوا إلى الفلاح، وهو الهدف من الإيمان..
وقوله تعالى: {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} تشمل الجميع..
ولكن لماذا استخدم الله تبارك وتعالى "أولئك "مرتين؟ تلك من بلاغة القرآن الكريم، ولماذا دمج الخبرين بعضهما مع بعض؟ حتى نعرف أنه ليس في الإسلام إيمانان بل إيمان واحد يترتب عليه جزاء واحد.. وسيلته الهدى، وغايته الفلاح..
ولو نظر إلى التكليفات التي هي الهدى الموصلة إلى الغاية نجد أن الله سبحانه وتعالى رفع المهتدي على الهدى.. لنعرف أن الهدى لم يأت ليقيد حركتك في الحياة ويستذلك، وإنما جاء ليرفعك..
إن السطحيين يعتقدون أن الهدى يقيد حركة الإنسان في الحياة ويمنعه من تحقيق شهواته العاجلة.. ولكن الهدى في الحقيقة يرفع الإنسان ويحفظه من الضرر، ومن غضب الله، ومن إفساد المجتمع الذي سيكون هو أول من يعاني منه.. لذلك قال تبارك وتعالى: {على هدى}..
و (على) تفيد الاستعلاء، فإذا قلت أنت على الجواد فإنك تعلوه.. كأن المهتدي حين يلزم نفسه بالمنهج لا يذل.. ولكنه يرتفع إلى الهدى ويصبح الهدى يأخذه من خير إلى خير.. وذلك بعكس الضلالة التي تأخذ الإنسان إلى أسفل..
ولذلك حين تقرأ في القرآن الكريم قوله تعالى:
{وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} (من الآية 24 سورة سبأ)
ترى ما يفيد الارتفاع والعلو في الهداية، وما يفيد الانخفاض والنزول في الضلالة؛ وإنما كان العلو في الهدى.. لأن المنهج قيد حركة حياتك إعزازا لك لعلوك وسمو مقامك في أنك لا تأخذ من بشر تشريعا.. ولا تأخذ من ذاتك حركة.. وإنما يرتفع بك لتتلقى عن الله سبحانه وتعالى.. وهذا علو كبير.. ولكن عند الضلالة قال: {في ضلال}.. و (في) تدل على الظرفية المحيطة.. وهو كما وصفه الله سبحانه وتعالى في آية أخرى بقوله جل جلاله:
{بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (81)} (سورة البقرة).
أحاطت به الخطيئة.. أي لا يستطيع أن يفلت منها لأنه مظروف في الضلال.. وما دامت الخطيئة محيطة به فلا يجد منفذا لأنها تحكمه.. وما دامت تحكمه فلا يمكن أن يصل إلى هدى مطلقا.. فالحق سبحانه وتعالى حينما قال: {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون}.. اختار لفظا عليه دلالة دنيوية تقرب المعنى إلى السامع..
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
"وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" لأنَّ الفلاح والنجاح يتمثّلان في أن يعرف الإنسان طريقه جيداً في بدايته ونهايته وفي خطوات الطريق. وهذا هو الذي ينطلق منه الإنسان المسلم في الاتجاه الصحيح عقيدة وعملا.